في التفاصيل اليومية التي تبدو عادية داخل القسم، تتكشف مظاهر أعمق من مجرد ممارسات تعليمية؛ فالإذن بالكلام، والخوف من الخطأ، والاختيار ضمن إجابات معدّة سلفًا، وحتى حالات التمرد، التشويش، وقلة الأدب، ليست مجرد آليات تنظيم، بل مؤشرات على منطق أعمق يشتغل بصمت. وما يضاعف أهمية هذا المنطق هو أنه لا ينشأ في فراغ: المجتمع الذي يغذي المدرسة بأزماته الأخلاقية والرمزية يترك بصماته على سلوكيات التلاميذ والمعلمين والسياسات. هنا، لا يُبنى التعلم فقط، بل تُعاد صياغة العلاقة بين الفرد والنظام، بين المعرفة والسلطة، وبين ما يُعلن وما يُمارس. وبينما يبدو الفضاء الصفي مضبوطًا، تظهر لحظات انفلات غير متوقعة تكشف هشاشة هذا النظام. من هنا، يصبح القسم نقطة دخول إلى شبكة أوسع، تتقاطع فيها المدرسة مع الأسرة والسياسات العمومية، لتنتج—بأشكال متعددة ومتناقضة أحيانًا—منطقًا مركبًا: الامتثال وإمكانات تجاوزه.
فكيف يمكن فهم هذه الشبكة المعقدة التي تُعيد إنتاج الطاعة وتفتح في الوقت ذاته فضاءات للتمرد والمقاومة؟
المدرسة وإعادة إنتاج الطاعة: من الفضاء الصفي إلى الشبكة الاجتماعية للامتثال – تفكيك أسطورة المواطنة التربوية
1. الفضاء الصفي: حيث يبدأ تشكّل الامتثال… وحيث يظهر أول شرخ فيه
داخل القسم، تُقدَّم قواعد الانضباط بوصفها شرطًا لنجاح التعلم، لكنها تؤدي وظيفة أعمق: تشكيل ذات قابلة للتكيّف.
تنظيم الجلوس، وضبط الزمن، وطلب الإذن، والخضوع للتقييم المستمر، لا تكتفي بتنظيم التعلم، بل تُدرّب التلميذ على الامتثال لنظام مفروض، وتُرسّخ داخله الإحساس بأن القبول مشروط بالانضباط قبل الفهم (فوكو, Foucault, 1975؛ بورديو, Bourdieu, 1970).
لحظات التمرد الصغير—سؤال خارج النص، ابتسامة غير متوقعة، إعادة صياغة الإجابة، تشويش أو تحدٍ لقواعد الأدب— تكشف أن الانضباط هشّ وقابل للاختلال. كما يشير إيليش (Illich, 1971) إلى أن الحياة الواقعية تتجاوز دائمًا حدود الطاعة الافتراضية التي تفرضها المؤسسات التربوية، ما يفتح المجال لتجارب تعلم حقيقية خارج إطار الامتثال الصارم.
2. المعلم كفاعل مأزوم: وسيط يعيد إنتاج ما يخضع له… وقد ينقلب عليه
المعلم ليس فاعلًا حرًا بالكامل، بل وسيط مأزوم بين ما يُطلب منه وما يمارسه. فهو مدعو لتطبيق بيداغوجيات حديثة وتحفيز التفكير النقدي، لكنه في الوقت ذاته خاضع لمنظومة تقييم وضبط تحدد أدواره بدقة. هنا، السلطة ليست عمودية فقط، بل شبكة تمر عبر الذوات وتتشكل داخلها (فوكو, Foucault, 1975).
أحيانًا يترك المعلم سؤالًا مفتوحًا، أو يسمح بنقاش غير مضبوط، أو يعترف بعدم اليقين، أو يتعامل مع التمرد أو التشويش بطريقة تحولها إلى فرصة للتعلم، فيخلق فجوات داخل النسق. هذا يوضح أن إعادة إنتاج الامتثال ليست عملية ميكانيكية، بل تجربة متغيرة تتأثر بعوامل شخصية ومجتمعية (موران, Morin, 1999, 2000).
3. الأسرة: الامتداد غير المرئي للانضباط… ومصدر تناقضاته
التلميذ لا يدخل المدرسة كصفحة بيضاء، بل محمّل بأنماط من التنشئة تُهيئه مسبقًا للامتثال. فالأسرة تزرع قيم الطاعة واحترام السلطة والخوف من الخطأ، لكنها تحمل أحيانًا تناقضات أو تشجع على تمرد صامت أو تحديات سلوكية. هذه التناقضات تعكس أزمات المجتمع الأخلاقية، ما يوضح أن السلوك المدرسي ليس نتاج المدرسة وحدها، بل انعكاس للمحيط الأسري والاجتماعي الذي يغذي الانضباط والتوتر معًا.
4. السياسات العمومية: شرعنة الامتثال بلغة الإصلاح… وإنتاج تناقضاته البنيوية
البرامج التربوية وأنماط التقييم وخطابات الجودة تؤطر الفعل التربوي ضمن حدود تقنية، كما بيّن بيرنشتاين (Bernstein, 1975).
لكن التناقض البنيوي بين الدعوة للإبداع والقياس المعياري يولد توترًا يمكن أن يتحول إلى لحظات انزياح، مماثلة لما يحدث في المجتمع نفسه. كما يشير موران (Morin, 1999, 2000)، تتطلب معرفة معقدة تفهم أن الشبكة ليست متجانسة، وأن لحظات الانزياح، بما فيها التمرد التلمذي أو قلة الانضباط، مؤشر على حيوية النظام وعدم سيطرته المطلقة.
5. المواطنة التربوية: من وعد نقدي إلى امتثال مقنّع… أو إلى وعي متصدّع
القيم الجاهزة—الاحترام، الانضباط، قبول الآخر—تُدرّس بالتلقين، كما يشير دوركهايم (Durkheim, 1922). تتحوّل القيم إلى طقوس التزامية، والامتثال يصبح هدفًا قائمًا بذاته.
لكن الواقع الصفّي يكشف هشاشة هذا الامتثال المقنّع. الوعي النقدي يظهر من تصدّع هذه البنية، وفقًا لتصور فريري (Freire, 1974)، عندما يجد التلميذ أن القيم المعلّمة لا تتجسّد عمليًا في المدرسة أو المجتمع، أو حين يتمرد، يثير التشويش، أو يتحدى قواعد الأدب. هذه الفجوات تولّد مقاومة معرفية، حيث يبدأ التلميذ في إعادة تفسير القيم على طريقته الخاصة، وتتشكل بداخله مساحات وعي جديدة تتجاوز الامتثال المبرمج.
6. شبكة الامتثال: بنية متماسكة… لكنها غير مكتملة
عند تجميع المستويات المختلفة—القسم، المعلم، الأسرة، السياسات—تتضح المدرسة كعقدة ضمن شبكة اجتماعية أوسع، تتقاطع فيها القواعد المدرسية، الأنظمة التربوية، القيم الأسرية، وتوقعات المجتمع.
الفضاء الصفّي يشهد تفاعلًا متذبذبًا: بعض التلاميذ يلتزمون بالقواعد بدقة، بينما آخرون يختبرون حدود النظام، يرفضون الطاعة الكاملة، يثيرون التشويش أو يعيدون صياغة المعرفة بما يتماشى مع خبراتهم ومواقفهم الحياتية.
المعلم بدوره يوازن بين ما يُطلب منه وبين فهمه الشخصي للمعرفة، ما يخلق فجوات في شبكة الامتثال. الأسرة والمجتمع يغذّيان الشبكة بتناقضات وقيم متعددة، ما يعزز احتمالية الانفلاتات أو التصدعات.
هذه الحالات الحية توضح أن شبكة الامتثال، رغم هيكلها المعلن، ليست قادرة على السيطرة المطلقة على كل ما يحدث، وأن الأزمات الاجتماعية والأخلاقية تنفذ إلى بنية المدرسة، محدثة تصدعات وفجوات ديناميكية.
خاتمة:
المدرسة ليست جهازًا بسيطًا لإنتاج الطاعة، بل انعكاس معقد لمجتمع يعيش أزماته الأخلاقية ويغذي بها كل مستويات الفضاء المدرسي.
بين القسم والأسرة والسياسات، لا يظهر الامتثال كخيار فردي، بل كنتاج شبكة كاملة، لكنها غير قادرة على السيطرة على كل ما تنتجه.
تطرح هذه الشبكة أسئلة جوهرية حول طبيعة التعلم والمواطنة:
كيف يمكن لشبكة تُعيد إنتاج الامتثال أن تفشل—ولو جزئيًا—في السيطرة على نتائجها؟
أي معنى لمواطنة تُدرَّس داخل بنية تحاكي الانضباط ولكنها أحيانًا تُفضي إلى وعي يتجاوزها؟
هل يمكن إصلاح المدرسة دون مساءلة المجتمع الذي يغذيها، أم أن كل إصلاح سيعيد إنتاج نفس التوتر؟
والأهم، هل نسعى فعلاً إلى تحرير حقيقي، أم نخشى نتائجه العميقة؟
المراجع:
1. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir. Paris: Gallimard.
2. Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La reproduction. Paris: ditions de Minuit.
3. Durkheim, . (1922). ducation et sociologie. Paris: PUF.
4. Bernstein, B. (1975). Class, Codes and Control. London: Routledge.
5. Morin, E. (1999). Les sept savoirs nécessaires à l’éducation du futur. Paris: Seuil.
6. Morin, E. (2000). La tête bien faite. Paris: Seuil.
7. Freire, P. (1974). Pédagogie des opprimés. Paris: Maspero.
8. Illich, I. (1971). Une société sans école. Paris: Seuil.
المدرسة وإعادة إنتاج الطاعة: من الفضاء الصفي إلى الشبكة الاجتماعية للامتثال – تفكيك أسطورة المواطنة التربوية
2026-04-08
37 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال