في كتاب الله موضع واحد يحمل شكوى الرسول صلى الله عليه وسلم، هو "وقال الرسول يا رب عن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا" سورة الفرقان ، لم يحزنه شيء مثل هجر قومه لكتاب الله، فهو "الناصح الذي لا يغش، والهادي الذي لا يُضل، والمحدث الذي لا يكذب، وما جالس هذا القرآن أحد إلا قام بزيادة أو نقصان، زيادة في هدى أو نقصان عن عمى" (مجدي الهلالي – غربة القرآن، ص 224)...أجل، هكذا هو الكتاب الكريم، فكم نخسر من عدم انتفاعنا به، وأول خطوات الخسارة أخطاء نرتكبها في التعامل معه، مثل الجفاء عنه، وكثرة الاهتمام بالحروف ومخارجها، وأصوات القراء، ومسابقات الحفظ حتى صارت حُجبا تحول بيننا وبين هديه، وإنما هديه في تعاليمه وإرشاداته واتخاذه مرجعية عليا للأمة في فكرها وثقافتها في جميع المجالات وعلى كل المستويات، بل أكثر من ذلك يجب علينا تجاوز مباحث "فضائل القرآن" التي تعج بها الكتب والمواعظ – وأكثرها لا يصحّ- إلى مباحث التنزيل على الواقع، فإذا وصلنا هذه المرحلة وجب علينا محاولة حسم الأسئلة الملحة والشبهات الحقيقية والمغرضة حول القرآن، وبكل جرأة وشجاعة وعلم، ولن يتم هذا إلا إذا عدنا إلى إحياء مجالس المدارسات القرآنية بدل الاكتفاء بمجالس الحفظ، وكل هذا يقتضي القطيعة مع عقلية الخمول الذي تروّج التناول العاطفي للقرآن ولا تتجاوز ذلك إلى جعله مادة للهداية ولدخول معترك التدافع المجتمعي وأداة لصد الهجوم الحضاري علينا، كيف لا والقرآن خطاب تنوير أشعل النهوض حين حرر العقول من الخمول، لكن دارت الأيام دورتها وها هم المسلمون قد عطلوا العقلانية القرآنية وركنوا – في كثير من الأحيان وعلى مستوى الدوائر العلمية والدعوية والشعبية – إلى عقلية الخوارق أو الإسرائيليات الحديثة أو مظاهر التبرك المادي والعلاقة الوجدانية المجردة التي لا تربي ولا تزكي ولا ترفع بل تنتج الإيمان البارد الذي يتأقلم بسهولة مع التخلف والمذلة والاستبداد والفساد، ولا يحس بأي حرج من ذلك ما دام يصلي ويصوم ويكثر من الحج والعمرة...وندرك خطأ هذا المسلك بسهولة حين نستحضر العهد الراشدي والتاريخ المشرق للأمة، عندما تحوّلت أفكار القرآن إلى برامج عملية في مجالات التربية والسياسة والمال و العمران والاجتماع والعلاقات الخارجية، ومن الطريف أن نلاحظ كيف أن الصحابة رضي الله عنهم قلّ حفظهم وما زالت إنجازات تشهد على عظمتهم، بينما كثر حفظنا وقلّ عطاؤنا، وبدأ ذلك حين افترق السلطان عن القرآن، أي أن حالنا مع كتاب الله نتيجة منهج تسيّره الأخطاء الثقافية، لذلك لا مفر من ترويج ثقافة جديدة هي ثقافة الأسئلة الجادة الكثيرة، فهناك فرق كبير بين القراءة المنتجة والقراءة المعطلة، هو الفرق بين أجيال الصعود وأجيال الهبوط، ومعلوم أن التعليم التلقيني الذي لا يهتم بالأسئلة والقلق المعرفي والموضوعات المحرجة ويكتفي باقتحام الأبواب المشرعة ينتج عقلية القطيع لا أكثر ولا أقل، ومصداق ذلك أننا في زمان يشترط في الإمام أن يكون حافظا لا عالما، وكثير من الناس – حتى من النخبة المتدينة – يعنيه لباس الإمام أكثر من علمه، فلو أنه ألقى ألف خطبة ركيكة بائسة ما وجد أكثر المصلين في ذلك أي غضض، أما لو أنه صعد المنبر وألقى خطبة عصماء تجدد الإيمان تحرك العقول وتنشط الناس لكنه يرتدي لباسا عصريا لقامت عليه الدنيا كأنه خرم ركنا من أركان الإسلام، رغم أن كل المسلمين يعلمون أن خيرية تعلم القرآن مرتبطة بالعمل به وليس بالأشكال والمظاهر، لكن القوة الاجتماعية لن تتوفر إلا إذا توفرت القوة المعرفية، وهذه لا تتوفر إلا بالتجديد والاجتهاد والالتصاق الواعي بالقرآن الذي يجعل المسلم لا يخاف من الأسئلة المحرجة، فالكتاب العزيز ذكر حتى تفاصيل الحياة الحميمية والعلاقات الجنسية، فلمَ الخوف المعرفي إذًا؟ في كثير من الأحيان يعود الأمر فقط إلى نوع من الورع الكاذب، فالقرآن لم يتكلم عن العقائد والعبادات والأخلاق فحسب بل تكلم عن النبوة والملك والشريعة وشؤون الحكم والخلافة والأمة والبيعة والشورى وولاية الأمر والجدل والحوار والحق والباطل والحلال الحرام والحرية والمسؤولية والجزاء والعدل والظلم...فلماذا تغيب هذه المحاور عند تفسير القرآن وبيان حقائقه والدعوة إلى هديه الكريم؟ إنها علمانية لا تبوح باسْمها، صارت تحكم علاقتنا بالقرآن، تؤثر السلامة وتجدها في مباحث الطهارة والعبادات الفردية والأخلاق "الإنسانية"، ولا تتعداها إلى المحاور التي تجعل من الآيات الكريمة بناء شملا متكاملا هو دستور الأمة وهاديها.
عبد العزيز كحيل
القرآن بين جيل الصعود وجيل الهبوط
2026-04-06
5 قراءة
مقالات رأي
عبد العزيز كحيل
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال