في زمن تتكاثر فيه الخطابات الإصلاحية وتتعاقب فيه المشاريع التربوية دون أثر عميق، يبدو أن السؤال الحقيقي لم يُطرح بعد في عمقه: ليس ماذا نُدرّس، بل كيف تُبنى العلاقة التي يُدرّس من خلالها. فخلف كل فشل معلن، تختبئ آليات صامتة تُعيد تشكيل الفعل التربوي من الداخل، وتُعيد إنتاج نفس النتائج رغم اختلاف الشعارات. ومن هنا، يصبح تفكيك العلاقة التربوية مدخلًا أساسيًا لفهم ما يجري داخل المدرسة اليوم، خاصة حين لم تعد هذه العلاقة في جوهرها علاقة تربوية، بل تحوّلت—في كثير من الحالات—إلى علاقة توتر، وصراع، وانفلات.
#العلاقة_التربوية_وصراع_التمثلات: #حين_تصبح_العلاقة_أداة_فرز_في_زمن_الهمجية_الهادئة
#هل_نُدرّس_المعرفة_أم_نُعيد_إنتاج_المواقع؟
#قراءات_من_الداخل
توطئة: من أزمة المدرسة إلى أزمة المعنى
لم تعد أزمة الجيل التونسي الراهن مجرد اختلالات سلوكية أو صعوبات تعلم، بل أصبحت تعبيرًا عن تصدّع أعمق في البنية الرمزية للمجتمع. فالمدرسة التي كانت تاريخيًا فضاءً لإنتاج المعنى، تحوّلت تدريجيًا إلى فضاء فاقد للقدرة على الإقناع. والأسرة التي كانت تؤدي وظيفة الضبط الأولي، تراجعت تحت ضغط التحولات الاقتصادية والثقافية. أما الدولة، فقد انسحبت جزئيًا من مشروع بناء الإنسان، تاركةً المجال لمنطق السوق، وثقافة الصورة، والخوارزميات لتعيد تشكيل وعي الأجيال.
في هذا السياق، لم يعد التلميذ ذلك الكائن المنتظر للمعرفة، بل أصبح—في حالات عديدة—فاعلًا رافضًا، مقاومًا، وأحيانًا “همجيًا” بالمعنى السوسيولوجي للكلمة، أي بوصفه حالة من الانفلات من أنظمة الضبط الرمزي وفقدان الإيمان بشرعية القواعد، لا بوصفه حكمًا أخلاقيًا. في المقابل، يشتغل المدرّس في وضع دفاعي، محاصرًا بين فقدان الهيبة وعنف الواقع.
وهنا، لا تعود العلاقة التربوية علاقة تربية، بل تتحول إلى نقطة توتر يومي بين ذاتين فقدتا الأرضية المشتركة.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم العلاقة التربوية بوصفها منظومة مشحونة بالتمثّلات: أي تلك الصور والأحكام المسبقة التي يحملها كل من المدرّس والمتعلّم عن ذاته وعن الآخر، والتي تُعيد تشكيل التفاعل بينهما بشكل غير مرئي، لكنها حاسمة في نتائجه (Moscovici, 1961). كما أن هذه العلاقة تشتغل داخل بنية أوسع تُعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية والثقافية، حتى حين تدّعي الحياد (Bourdieu & Passeron, 1970).
1. العلاقة التربوية كآلية خفية للانتقاء: من التفاعل إلى الفرز
في ظاهرها، تقوم العلاقة التربوية على التبادل، لكنها في عمقها تُمارس وظيفة انتقائية دقيقة. فداخل القسم، لا يُمنح جميع التلاميذ نفس القدر من الانتباه أو نفس فرص التعبير، بل يُعاد توزيعها وفق تمثّلات مسبقة ورهانات ضمنية.
غير أن هذا الانتقاء لم يعد فقط ثقافيًا، بل أصبح سلوكيًا أيضًا: التلميذ "المشاغب" يُدفع تدريجيًا نحو الهامش، عبر تفاعلات يومية متراكمة، إلى أن يتحول الإقصاء إلى مسار صامت.
وهكذا، تشتغل المدرسة كجهاز لإعادة إنتاج البنية الاجتماعية (Bourdieu & Passeron, 1970)، لكنها تُعيد أيضًا إنتاج أشكال العنف التي تحملها، في صيغة تربوية مُقنّعة.
2. التمثّلات كسلطة صامتة: كيف يُبنى التلميذ قبل أن يتعلّم؟
العلاقة التربوية لا تبدأ من الصفر، بل تُبنى على تمثّلات متبادلة. فالمدرّس لا يرى التلميذ كما هو، بل كما يتصوره، والتلميذ بدوره لا يتلقى المعرفة إلا عبر صورة مسبقة عن مصدرها.
هذه التمثّلات، كما بيّن موسكوفيتشي، ليست أفكارًا عابرة، بل أنظمة تفسير تُوجّه الفعل (Moscovici, 1961). وهكذا، يتحول الحكم إلى نبوءة تحقق ذاتها: يُعامل التلميذ وفق تصنيف معين، فيعيد إنتاجه داخل سلوكه.
كما يمكن فهم ذلك في ضوء التصور الظاهراتي عند ميرلو-بونتي، حيث يتشكل الإدراك داخل علاقة حسية ووجودية بالعالم (Merleau-Ponty, 1945)، مما يجعل أي علاقة تربوية مشروطة مسبقًا بكيفية إدراك الآخر.
3. المعرفة بين المعنى والضبط: أزمة لا تُرى
حين تُختزل المعرفة في نموذج واحد للإجابة، تتحول إلى أداة معيارية للضبط والتصنيف. غير أن الأزمة الحالية تكشف عن تحول أعمق: لم تعد المعرفة قادرة على أداء حتى هذه الوظيفة.
فالتلميذ لا يرفض المعرفة فقط، بل يرفض معناها المدرسي، ويعجز عن ربطها بعالمه. وهنا تظهر قطيعة مزدوجة:
قطيعة معرفية (ما يُدرّس لا يُفهم)،
وقطيعة وجودية (ما يُفهم لا يُعاش).
هذا ما أشار إليه فوكو في تحليله لآليات الضبط (Foucault, 1975)، غير أن ما نعيشه اليوم هو أزمة في هذه الآليات نفسها. كما يبيّن إدغار موران أن تفكك المعرفة وفصلها عن سياقها يؤدي إلى فقدان معناها (Morin, 1999).
وفي هذا السياق، يصبح ما وصفه باولو فريري بـ"التعليم البنكي" نموذجًا مهيمنًا: تُودَع المعرفة دون أن تُبنى، فيفقد التعلم وظيفته التحررية (Freire, 1970).
4. القطيعة الثقافية واللغوية: حين تفشل المدرسة في فهم تلاميذها
ليست كل صعوبات التعلم ناتجة عن ضعف فردي، بل كثير منها يرتبط بقطيعة بين ثقافة المدرسة وثقافة المتعلم. فالتلميذ الذي لا يمتلك الشيفرات اللغوية المطلوبة يجد نفسه خارج اللعبة منذ البداية.
هذا ما حلّله باسيل برنشتاين، حيث تختلف أنماط التعبير بين الطبقات الاجتماعية، مما يؤثر مباشرة في فرص النجاح (Bernstein, 1975). وهكذا، تتحول العلاقة التربوية إلى مجال لصراع غير متكافئ، تُفرض فيه لغة واحدة كمعيار للشرعية.
5. التلميذ العنيف كمنتوج اجتماعي: من القسم إلى المجتمع
لا يمكن فهم العنف المدرسي بمعزل عن سياقه. فالتلميذ لا يأتي إلى المدرسة فارغًا، بل يحمل معه عنفًا لغويًا ورمزيًا واجتماعيًا يعكس واقعه.
بهذا المعنى، فإن ما يظهر داخل القسم ليس انحرافًا، بل إعادة تمثيل مصغّرة لعنف المجتمع. وهنا، تصبح المدرسة ضحية بنية اجتماعية تتجاوزها.
6. من العلاقة إلى الاعتراف: هل مازال الإصلاح ممكنًا؟
إذا كانت العلاقة التربوية قد فقدت توازنها، فإن إصلاحها لا يمكن أن يتم عبر الأدوات البيداغوجية فقط، بل يتطلب إعادة بناء شروطها الرمزية.
في هذا السياق، يطرح أكسل هونيث مفهوم الاعتراف كشرط أساسي لبناء الذات (Honneth, 1992). لكن هذا الاعتراف لا يمكن أن يتحقق دون: إعادة بناء شرعية المدرّس،
وربط المعرفة بتجربة المتعلم،
وفهم العنف بوصفه تعبيرًا مشوّهًا عن حاجة غير مُلبّاة.
7. أفق المعنى: المدرسة كفضاء مهدّد بالفراغ
حين تفقد العلاقة التربوية معناها، تتحول المدرسة إلى جهاز إداري بلا روح. حضور وغياب، أعداد واختبارات، دون تجربة حقيقية للتعلم.
في هذا المستوى، يمكن استحضار ميشال هنري، الذي يرى أن أخطر أشكال الانهيار هو فقدان الحياة الداخلية للإنسان (Henry, 1987). كما يشير موران إلى أن فقدان الرؤية الكلية يؤدي إلى تفكك المعنى.
وهذا ما نعيشه اليوم:
تلميذ لا يرى جدوى،
مدرّس لا يجد صدى،
ومدرسة لم تعد تُقنع.
خاتمة: المدرسة في مواجهة المجتمع… أم في مواجهة ذاتها؟
لم يعد من الممكن التفكير في إصلاح المدرسة بمعزل عن المجتمع. فالعنف الذي يظهر داخلها هو امتداد لعنف أوسع، وفقدان المعنى داخلها هو انعكاس لفقدانه خارجها.
لذلك، فالسؤال لم يعد: كيف نُصلح العلاقة التربوية؟
بل:
هل مازالت هناك علاقة يمكن إصلاحها أصلًا؟
وهنا، تصبح المدرسة أمام مفترق حاسم:
إما أن تظل جهازًا لإعادة إنتاج الفوارق والأزمات،
أو أن تتحول—بشروط صعبة—إلى فضاء لإعادة بناء المعنى.
لكن الحقيقة الأكثر إزعاجًا هي أن المدرسة اليوم لا تعيش أزمة إصلاح، بل أزمة معنى… وأزمة وجود.
المراجع:
1. Moscovici, S. (1961). La psychanalyse, son image et son public. Paris : PUF.
2. Bourdieu, P. & Passeron, J.-C. (1970). La reproduction. Paris : Minuit.
3. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir. Paris : Gallimard.
4. Bernstein, B. (1975). Langage et classes sociales. Paris : Minuit.
4. Freire, P. (1970). Pédagogie des opprimés. Paris : Maspero.
5. Morin, E. (1999). La tête bien faite. Paris : Seuil.
6. Merleau-Ponty, M. (1945). Phénoménologie de la perception. Paris : Gallimard.
7. Honneth, A. (1992). La lutte pour la reconnaissance. Paris : Cerf.
8. Henry, M. (1987). La barbarie. Paris : Grasset.
العلاقة التربوية وصراع التمثلات: حين تصبح العلاقة أداة فرز في زمن الهمجية الهادئة. _هل نُدرّس المعرفة أم نُعيد إنتاج المواقع؟قراءات من الداخل
2026-03-30
8 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال