في السنوات الأخيرة، شهد الفعل التربوي تغيّرات غير مسبوقة بفعل تحولات اجتماعية وثقافية وتقنية متسارعة. غير أن ما يكشفه الواقع الميداني لا يقتصر على صعوبات تطبيق أو ضعف نتائج، بل يتجاوز ذلك إلى أزمة تمسّ المعنى ذاته. داخل القسم، لا يبدو التعلم دائمًا فعلًا للفهم، بل يتحول في كثير من الأحيان إلى تكرار بلا أفق وامتثال بلا اقتناع: سؤال يُطرح للتحقق من الحفظ لا لفتح التفكير، صمت جماعي يُفهم على أنه انضباط، وتصحيح يكافئ المطابقة أكثر مما يكافئ الفهم. تلميذ ينتظر الإجابة الصحيحة أكثر مما يبحث عنها، معلم ينجز البرنامج أكثر مما يبني المعنى، ونظام تربوي يكرر أدواته رغم فقدان فعاليتها.
في هذا السياق، لا تظهر الأزمة في غياب مركز ينظم الفعل التربوي، بل في التمسك به رغم انهيار جدواه؛ إذ يبدو أن ما كان يُفترض أن يمنح الفعل التربوي تماسكه—المعرفة، المتعلم، أو المعلم—أصبح في كثير من الأحيان مصدر ارتباك وفوضى. ومن هذا الواقع تحديدًا، لا يعود السؤال كيف نُصلح المركز، بل هل ما زال له وجود أصلًا، أم أننا دخلنا فعلًا زمن ما بعده؟
هنا، لا يحضر نيكولاس كوبرنيكوس كاستعارة تعليمية مريحة، بل كحدث إبستمولوجي زعزع نظامًا كاملاً من الرؤية: لم يكتفِ بإزاحة الأرض من مركز الكون، بل أسقط فكرة “المركز الطبيعي” ذاته، وكشف أن ما كان يُقدَّم كحقيقة كونية لم يكن سوى بناء تاريخي مستقر بقوة العادة والسلطة الرمزية. بهذا المعنى، لا تكون الثورة الكوبرنيكية مجرد تغيير في موقع العناصر، بل تفكيكًا لشروط إمكان المركز نفسه.
على هذا النحو، يكشف الواقع التربوي اليوم عن لحظة مماثلة: لسنا أمام مركز ينبغي تصحيحه أو تعويضه، بل أمام بنية مركزية تتآكل من الداخل، وتفقد قدرتها على إنتاج المعنى رغم استمرارها في تنظيم الخطاب. وهو ما يجعل السؤال التربوي يتجاوز البيداغوجيا إلى نقد أعمق لمنطق السلطة والمعرفة، كما بيّن ميشال فوكو حين كشف أن ما يُقدَّم كحقيقة ليس منفصلًا عن أنظمة القوة، وكما أوضح بيير بورديو أن البنى الرمزية تواصل اشتغالها حتى بعد فقدان مشروعيتها.
هنا ينبثق التساؤل المركزي: كيف يمكن للفعل التربوي أن يجد معناه في زمن لم يعد فيه “المركز” حقيقة، بل أثرًا متبقيًا لسلطة لم نعد نراها… ومع ذلك ما زلنا نعيد إنتاجها؟
نحو ثورة كوبرنيكية تربوية:
بناء الفعل المعرفي في زمن ما بعد المركز
في ضوء فهم شبكي إبستمولوجي وسوسيولوجي للتحولات المعرفي
1. من مركزية مريحة إلى تعقيد مربك: كشف حدود النموذج
تكشف الممارسة اليومية داخل الفصول أن الاعتماد على مركز واحد—المعرفة، المتعلم، أو المعلم—لا يؤدي إلى تنظيم الفعل التربوي بقدر ما ينتج أشكالًا جديدة من الارتباك. فحين تُختزل المعرفة في محتوى جاهز، يتحول التعلم إلى حفظ بلا فهم؛ وحين يُرفع المتعلم إلى مركز الخطاب دون أدوات حقيقية، يصبح “فاعلًا نظريًا” أكثر منه منتجًا للمعرفة؛ أما حين تُستعاد سلطة المعلم كحل، فإن ذلك يعكس غالبًا حنينًا وظيفيًا أكثر منه حلًا بيداغوجيًا.
والمفارقة أن كل محاولة لتجاوز مركز ما تعيد إنتاجه في شكل آخر؛ إذ يكشف الواقع أن المركزية ليست مجرد اختيار تقني، بل بنية ذهنية يصعب الفكاك منها. هنا، لا يمكن فهم التعلم بمنطق خطي، لأن ما يحدث داخل القسم هو تفاعل معقد بين عناصر متعددة، حيث لا يُبنى الفهم عبر نقل مباشر، بل عبر علاقات ديناميكية. في هذا السياق، يظهر تصور البناء المعرفي كتفسير لاحق لهذا الواقع، حيث يؤكد أن المعرفة تُبنى من خلال التفاعل لا التلقين (Piaget, 1972)، كما ينسجم ذلك مع الدعوة إلى التفكير المركب الذي يرفض اختزال الظواهر في سبب واحد أو مركز واحد (Morin, 1990).
هكذا، لا يعود التمسك بالمركزية أداة للفهم، بل يصبح عائقًا إبستمولوجيًا أمام إدراك تعقيد الفعل التربوي.
2. المركزية كأثر للسلطة: الإيديولوجيا المختفية في الخطاب التربوي
لا تكشف النصوص التربوية عن اختيارات بيداغوجية فحسب، بل عن توزيع ضمني للسلطة. فكل مركزية كانت، في جوهرها، انعكاسًا لبنية سلطة: مركزية المعرفة جسدت هيمنة المحتوى، مركزية المتعلم عبّرت عن خطاب تحرري غير مكتمل، ومركزية المعلم تعود اليوم كردة فعل على فقدان المعنى.
ما يكشفه الواقع هنا هو أن الفعل التربوي لا ينفصل عن شبكات القوة التي تنتجه. فالعلاقة داخل القسم ليست بريئة، بل محكومة بتوازنات خفية بين من يملك حق تحديد المعنى ومن يُطلب منه الامتثال له. في هذا الإطار، يمكن فهم تداخل المعرفة والسلطة كآلية تفسيرية لهذا الواقع، حيث لا توجد معرفة محايدة بل أنظمة تنتج الحقيقة وتؤطرها (Foucault, 1975). غير أن هذا التشخيص لا يكفي، إذ يفتح المجال لتصور بديل يقوم على إعادة بناء المعنى عبر التفاعل، لا فرضه من موقع واحد، وهو ما يجد صداه في نظرية الفعل التواصلي التي تجعل من الحوار شرطًا لإنتاج المعنى (Habermas, 1981).
بذلك، لا يعني تجاوز المركزية مجرد تغيير موقع السلطة، بل تفكيك منطقها ذاته، والانتقال من سلطة تُفرض إلى معنى يُبنى جماعيًا.
3. الذكاء الاصطناعي: انكشاف المعنى وإعادة تعريف المركز
إذا كان اختلال المركزيات قد بدأ قبل التحول الرقمي، فإن الذكاء الاصطناعي جاء ليكشفه بشكل أكثر حدة. لم يعد امتلاك المعرفة امتيازًا بشريًا خالصًا، ولم تعد الإجابة عن الأسئلة معيارًا كافيًا للتفوق. داخل القسم، أصبح بالإمكان الوصول إلى المعلومة بسرعة غير مسبوقة، مما يجعل التقييم القائم على الاسترجاع يفقد معناه تدريجيًا.
هذا التحول يكشف أن الأزمة ليست في الوسائل، بل في تصورنا للمعرفة ذاتها. فالقيمة لم تعد في امتلاك المعلومة، بل في القدرة على تأويلها وبناء معناها. وهنا يمكن فهم التحول من خلال ما يشير إليه تحليل التحولات الرقمية الكبرى، حيث تتجاوز الخوارزميات الإنسان في معالجة المعلومات، مما يعيد تعريف ما هو “إنساني” في التعلم (Harari, 2018).
في هذا السياق، يفقد المركز مبرره: لا المعلم يحتكر المعرفة، ولا المتعلم يستهلكها كما كانت، ولا المعرفة نفسها تبقى ثابتة. ما يظهر بدل ذلك هو شبكة ديناميكية تتوزع فيها الأدوار بين الإنسان والتكنولوجيا، دون مركز ثابت ودون سلطة مطلقة.
4. نحو إعادة تأسيس المعنى: التربية كفعل علائقي مفتوح
أمام هذا التحول، لا يبدو الرهان في إعادة ترتيب المراكز، بل في إعادة تأسيس معنى الفعل التربوي نفسه. ما يكشفه الواقع هو أن التعلم لا يحدث إلا عندما ينخرط المتعلم في تجربة ذات معنى، لا عندما يكتفي باستقبال المعلومة.
يتحول القسم، في هذا الأفق، إلى فضاء تفاوضي للمعنى، حيث لا تُقاس جودة التعلم بمدى مطابقة الإجابة للنموذج، بل بقدرة المتعلم على بناء تفسير، مساءلة فرضية، واقتراح مسارات فهم بديلة. هذا التصور يجد تفسيره النظري في اعتبار التعلم تجربة حية تنبني عبر التفاعل مع الواقع لا عبر نقله (Dewey, 1938)، كما ينسجم مع فكرة أن إنتاج المعنى مشروط بالحوار (Habermas, 1981)، ومع الدعوة إلى فهم مركب يتجاوز الاختزال (Morin, 1990).
ضمن هذا الإطار، تصبح التربية مجالًا لإنتاج المعنى لا لإعادة إنتاجه، ولتكوين ذات قادرة على الفهم والنقد والاختيار.
خاتمة: ما بعد المركز… أم ما بعد الشكل المدرسي؟
إن ما يكشفه الواقع التربوي اليوم لا يدعونا إلى استبدال مركز بآخر، بل إلى تفكيك الوهم الذي يجعلنا في حاجة دائمة إلى مركز. فالأزمة لم تعد في غياب التنظيم، بل في استمرار الاعتقاد بأن المعنى لا يُبنى إلا انطلاقًا من نقطة ثابتة، في حين أن ما نعيشه فعليًا هو تآكل صامت لهذه النقطة دون أن نمتلك الجرأة على الاعتراف بذلك.
لقد علّمتنا لحظة نيكولاس كوبرنيكوس أن انهيار المركز لا يعني الفوضى، بل إعادة تنظيم العالم وفق علاقات جديدة؛ غير أن ما نواجهه اليوم يبدو أكثر راديكالية: ليس فقط انتقالًا من مركز إلى آخر، بل انكشاف أن فكرة المركز ذاتها كانت شرطًا تاريخيًا لإنتاج المعنى، وليست ضرورة أنطولوجية.
في هذا الأفق، لا يعود السؤال: من يحتل المركز داخل الفعل التربوي؟ بل: كيف استمر هذا الوهم في تنظيم ممارساتنا رغم فقدانه لفعاليته؟ هنا يتقاطع الواقع التربوي مع ما كشفه ميشال فوكو من أن أنظمة الحقيقة لا تختفي حين تُفقد مشروعيتها، بل تستمر كآثار تنظّم الخطاب والممارسة، ومع ما بيّنه بيير بورديو من أن البنيات الرمزية تظل فاعلة لأنها متجسدة في العادات لا في الوعي.
وعليه، فإن الرهان لم يعد بيداغوجيًا بالمعنى الضيق، بل إبستمولوجيًا وسوسيولوجيًا في آن: كيف نعيد بناء المعنى دون اللجوء إلى مركز يختزله؟ كيف نحول القسم من فضاء يُعاد فيه إنتاج الإجابات إلى فضاء يُنتج فيه السؤال؟ وكيف نؤسس لعلاقة بين المعلم والمتعلم والتكنولوجيا لا تقوم على توزيع السلطة، بل على توليد المعنى؟
ربما الأعمق من ذلك:
هل ما نعيشه هو أزمة مركز… أم لحظة تاريخية يتآكل فيها الشكل المدرسي ذاته؟
هنا تتجلى الثورة الكوبرنيكية في التحليل لا كشعار، بل كضرورة فكرية:
ليس المطلوب إعادة ترتيب العناصر داخل نفس النظام،
بل امتلاك الجرأة على التفكير في نظام بلا مركز.
إما أن ننجح في بناء معنى يتولد من شبكة العلاقات،
أو نستمر في إعادة إنتاج فراغ يتخفى في شكل نظام.
ولعل الخطر الحقيقي ليس في انهيار المركز،
بل في استمرار الإيمان به بعد موته.
المراجع:
1. Dewey, J. (1938). Experience and Education. New York: Macmillan.
2. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir. Paris: Gallimard.
3. Habermas, J. (1981). Théorie de l’agir communicationnel. Paris: Fayard.
4. Harari, Y. N. (2018). 21 Lessons for the 21st Century. London: Jonathan Cape.
5. Morin, E. (1990). La Méthode. Paris: Seuil.
Piaget, J. (1972). La psychologie de l’enfant. Paris: PUF.
نحو ثورة كوبرنيكية تربوية:بناء الفعل المعرفي في زمن ما بعد المركزفي ضوء فهم شبكي إبستمولوجي وسوسيولوجي للتحولات المعرفية
2026-04-06
3 قراءة
مختلفات
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال