بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

تأميم المقدس وتجريف المعنى: العقل الزيتوني في تونس بين مطرقة البيروقراطية وسوسيولوجيا الضجيج

2026-04-08 112 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تأميم المقدس وتجريف المعنى: العقل الزيتوني في تونس بين مطرقة البيروقراطية وسوسيولوجيا الضجيج
المشهد الديني في تونس اليوم يضعنا أمام مفارقة غريبة جداً فنحن نعيش حالة من الزحام الديني الشكلي
لكننا في المقابل نعاني من فراغ حقيقي في المعنى والروح. لدينا أكثر من سبعة آلاف جامع ومسجد وآلاف الزوايا والمعاهد ومع ذلك نشعر أن هذا العمران الضخم مجرد جدران صماء لا تترك أثراً في الوعي أو السلوك.
ما يحدث ليس قوة إيمان بل هو مجرد ضجيج مرتفع يملأ الساحات دون أن يجد جمهوراً يفهم الرسالة أو يتفاعل معها.

تحول الدين من فعل عقلي وتجربة روحية عميقة كما كان يفهمه كبار علمائنا مثل الطاهر بن عاشور إلى مجرد عادات يومية مكررة تشبه حركة الآلات الصدئة.
الناس يمارسون الطقوس لأنهم تعودوا عليها لا لأنهم استوعبوا جوهرها وكأن الصلاة أصبحت تمريناً بدنياً والكلمات مجرد محفوظات نرددها بلا تفكير ولا سؤال ولا سياق تاريخي.
هذا الوضع ليس وليد الصدفة بل هو نتيجة سياسة واضحة اتبعتها الدولة منذ عقود طويلة.
قررت الإدارة التونسية أن تبقي الدين في مستوى الضوضاء المنظمة لا في مستوى الفكر المنتج.
كان الهدف دائماً هو تحويل المؤسسة الدينية إلى أداة للطاعة لا إلى منارة للوعي والدليل الصارخ على هذا الفشل يبدأ من أبسط الأمور وهو صوت الأذان
فالمؤذنون في أغلبهم يملكون أصواتاً لا علاقة لها بالجمال
أو الروح بل هي أصوات منفرة تفتقر لأبسط قواعد الفن السمعي.
كان الأذان عبر التاريخ فناً روحياً يهز القلوب لكنه اليوم تحول إلى صراخ نشاز يثير الضيق بدل أن يوقظ الإيمان. والسبب بسيط وهو أن الدولة حولت وظيفة المؤذن إلى مجرد باب صدقة أو ملجأ للحالات الاجتماعية الهشة تحت مسمى الستر دون اعتبار للكفاءة أو الجمال.
وهكذا أصبح صوت الدين في شوارعنا هو انعكاس لبؤس الإدارة وفشلها وليس لسمو الرسالة وعظمتها.

أما بالنسبة للأئمة فقد تحول معظمهم إلى مجرد موظفين يؤدون دوراً مرسوماً لهم بلا مشروع فكري ولا قدرة على فهم تحولات المجتمع والعالم.
نجد أنفسنا أمام خطب مكررة ولغة خشبية ومفاهيم قديمة لا تخاطب إنسان اليوم والسبب هو الخوف الدائم من السؤال والرعب من التفكير المستقل.
حتى التعليم الديني في مدارسنا تحول إلى ما يشبه الجريمة التربوية، حيث نلقن الأطفال حفظ النصوص بلا فقه ونعلمهم التلقين بلا تحليل وكأن الدين نزل في فراغ لا علاقة له بالسياسة أو الاجتماع أو التاريخ.
إن وزارة الشؤون الدينية اليوم لا تدير قطاعاً استراتيجياً لبناء شخصية المواطن بل هي مجرد حارس ليلي لمخزن مهجور، تفتقر للخيال والجرأة والرؤية التي تجعل من الدين طاقة إيجابية للنهوض بالبلاد.

وفي قلب هذا المشهد الحزين نجد جامع الزيتونة العريق، هذا الصرح الذي كان يوماً قلب تونس النابض في أفريقيا والعالم. تم التعامل مع الزيتونة بمنطق الحصار الصامت حيث تُركت المؤسسة بلا دعم حقيقي وبلا رقابة ذكية لأن الدولة تخشى أن يخلق إحياء الزيتونة عقلاً مستقلاً يصعب التحكم فيه.

تحول اسم الزيتونة إلى مجرد صورة معلقة على جدار
التاريخ نذكره في الخطابات الرسمية والاحتفالات ثم نعيده إلى الثلاجة بمجرد أن يحين وقت العمل الحقيقي.
مؤسسة بحجم قرون من المعرفة تم حشرها في زاوية الإدارات الصغيرة والعقول الخائفة فخسرنا حضورنا الدولي وخسرنا قدرتنا على تصدير الفكر التونسي المعتدل والمستنير.

الدولة التونسية لم تفشل فقط في إدارة الشأن الديني بل فشلت في فهم أن الدين هو قوة ناعمة جبارة.
إذا نظرنا حولنا سنجد أن دولاً مثل المغرب ومصر وتركيا قد فهمت اللعبة جيداً فالمغرب أعاد هندسة حقله الديني بذكاء ليصبح ذراعاً لنفوذه الثقافي والسياسي ومصر حولت الأزهر إلى شبكة عالمية من النفوذ وتركيا بنت جهازاً دينياً يخدم طموحاتها في العالم.
أما نحن فقد قتلنا الزيتونة بالإهمال وحولنا المساجد إلى مكبرات صوت صماء والنتيجة هي انتحار حضاري بطيء.

تونس اليوم بلا حضور ديني دولي وبلا خطاب يُصدّر للعالم وهذا الفراغ الذي تركناه ملأه الآخرون بأفكار غريبة لا تشبهنا.
إننا أهدرنا سلاحاً حضارياً كاملاً ووقفنا نتفرج وهذا ليس مجرد خطأ إداري بل هو تفريط في سيادة الدولة وفي مستقبل أجيالنا التي تاهت بين ضجيج المآذن وفراغ العقول. العودة إلى المعنى تتطلب شجاعة للاعتراف بأن الجمال ضرورة وأن العقل أولوية وأن الدين بدون فكر هو مجرد صدى في ساحة مهجورة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال