بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

تأميم العقل وانتحار السيادة: الأحباس الزيتونية من هندسة التحرر الاجتماعي إلى مقصلة الدولة الشمولية

2026-04-08 307 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تأميم العقل وانتحار السيادة: الأحباس الزيتونية من هندسة التحرر الاجتماعي إلى مقصلة الدولة الشمولية
لم يكن جامع الزيتونة المعمور منذ أن أرسى عبيد الله بن الحباب لبناته الأولى في قلب تونس عام 116 هجرية الموافق لعام 737 ميلادية مجرد فضاء للعبادة أو محراباً للزهد بل كان بالمعنى السوسيولوجي العميق المختبر المركزي لإنتاج الهوية التونسية وصياغة العقل المغاربي .
فهو السرة الحضارية التي ربطت القيروان بتمبكتو وقرطبة بالأزهر لكن القوة الكامنة وراء هذا الصمود الأسطوري لألف وثلاثمائة عام لم تكن مستمدة من بركة المكان فحسب
بل من هندسة مالية واجتماعية عبقرية تُدعى الأحباس
أو الأوقاف.
إننا هنا بصدد تشريح بنية اقتصادية روحية سمحت للمعرفة بأن تتحرر من قبضة السلطان لترتمي في أحضان المجتمع مما جعل من الزيتونة أول جامعة أهلية ومستقلة في تاريخ البشرية .
من منظور أنثروبولوجي يمثل الحبس في الوعي التونسي القديم محاولة للانتصار على الفناء فالواقف الذي يقتطع جزءاً من ملكه سواء كان أرضاً أو دكاناً أو حتى شجرة زيتون ليحبسها على طلبة العلم لا يقوم بعملية اقتصادية باردة
بل يبرم عقداً اجتماعياً مقدساً عابراً للأجيال .
حيث تتحول القيمة الاستهلاكية للمال إلى قيمة رمزية خالدة وهنا يلتقي المذهب المالكي بمرونته المقاصدية مع عبقرية التونسي في التكيف .
ظهرت أوقاف التفاصيل التي شملت أحباساً مخصصة لترميم نعل الطالب الفقير وأخرى لتوفير الفتيل لسرج المذاكرة وهو ما خلق نوعاً من المواطنة الروحية والتكافل الذي لا يحتاج لوساطة الدولة.
فكان الفلاح في أراضي السيالين بصفاقس يشعر أنه شريك في تدريس صحيح البخاري في قلب العاصمة مما خلق تماسكاً عضوياً بين الجغرافيا والابستمولوجيا.

شكلت الأحباس في تونس ما يمكن تسميته القطاع الثالث القوي الذي يوازن كفتي السلطة السياسية والفرد
حيث توزعت وظيفياً بين أحباس عامة تدعم الكلية الاجتماعية وتمول صيانة الجامع والمكتبات الكبرى كالمكتبة العبدلية وأحباس أهلية تحمي الأسرة من تغول المخزن والمصادرات وتضمن وجود نخبة علمية متوارثة وأحباس تخصصية تستهدف الفئات الهشة خاصة الغرباء .
وفي أروقة الزيتونة لم يكن الطالب مجرد متلقٍ بل كان مقدساً تخدمه الأوقاف عبر نظام الجراية أو المنحة التي لم تكن إحساناً بل كانت حقاً مكتسباً من شرط الواقف الذي يعلو على قانون الدولة وكانت الأوقاف تضخ مبالغ دورية وتوفر تمويناً عينياً يشمل خبز الأحباس وزيت الشماعية .
وهذا الأمان الغذائي هو الذي سمح لفقهاء من قاع المجتمع .
أن يصبحوا أهرامات فكرية لأنهم لم ينشغلوا بلقمة العيش كما أحاطت بالزيتونة أكثر من 30 مدرسة كالسليمانية والشماعية والباشية والمرادية وهي لم تكن فصولاً للدراسة بل وحدات سكنية كاملة التجهيز توفر الحصانة الاجتماعية للطالب حيث يعيش في بيئة علمية محضة ممولة بالكامل من ريع العقارات المحيطة.

عندما دخلت فرنسا تونس عام 1881 لم تكن تخشى السيوف بقدر خشيتها من دفاتر الأوقاف وأدرك المقيم العام الفرنسي بول كامبون أن استقلال الزيتونة المالي هو الحصن الأخير ضد التغريب .
اعتمدت سلطات الإستعمار سياسة الإنزال وهي حيلة قانونية تهدف لتجميد ريع الأحباس عبر عقود كراء طويلة الأمد بمبالغ قارة سمحت للمعمرين بالسيطرة على مساحات شاسعة من غابات والكروم .
ومع التضخم أصبح ريع هذه الأراضي لا يكفي لشراء شمعة مما أدى لتجفيف منابع التمويل الزيتوني.
ثم جاء عام 1898 لتمارس الإدارة الاستعمارية هيمنة إدارية عبر إخضاع جمعية الأوقاف لإشراف مباشر بهدف تأميم القرار التعليمي وتفكيك بنية المجتمع المتضامن وصولاً إلى صدمة الحداثة المركزية وقرار الحبيب بورقيبة في 18 يوليو 1957 بإلغاء الأحباس كواحد من أكثر القرارات جرأة سياسية وقسوة سوسيولوجية في محاولة لبناء الدولة الكلية التي لا تقبل منافساً في الولاء أو التمويل.

استند الفكر التكنوقراطي البورقيبي إلى مبرر اقتصادي يرى في الأحباس أموالاً مجمدة تعيق الرأسمالية الزراعية الحديثة حيث كانت تغطي حوالي ثلث الأراضي الصالحة للزراعة بما يعادل 1.6 مليون هكتار فأراد إدخالها في دورة السوق والضرائب .
أما المبرر السياسي فكان يهدف لكسر شوكة النخبة التقليدية وتحويل المشايخ من قادة مجتمع مستقلين إلى موظفين ينتظرون راتب آخر الشهر من خزينة الدولة في عملية تأميم واضحة للدين والمعرفة أدت إلى تدهور حالة المدارس التاريخية وانقطاع الجرايات واستبدالها بمنح حكومية هزيلة خاضعة للمزاج السياسي ونشوء نزاعات عقارية مستعصية لم تُحل حتى عام 2026
ومن المثير للدهشة أن النموذج الوقفي الذي وُصف بالتخلف هو نفسه المحرك المالي لأرقى جامعات العالم اليوم
فجامعات مثل هارفارد وييل تعتمد على صناديق أوقاف بمليارات الدولارات تضمن لها الاستقلالية عن الحكومات والتقلبات السياسية .
فبينما كانت تونس تمتلك هذا النظام منذ القرن الثامن وقامت بتدميره باسم الحداثة كانت الجامعات الغربية تستلهمه وتطوره لتضمن سيادتها العلمية.

إلغاء الأحباس لم يكن مجرد إجراء مالي بل كان قطيعة إبستمولوجية فككت شبكة الأمان التي بناها المجتمع عبر قرون مما أدى لضمور المجتمع المدني وتحول التونسي من مبادر وقفي إلى مستهلك خدمي ينتظر كل شيء من الدولة
كما خلق فراغاً رمزياً استغلته لاحقاً تيارات وافدة لأن
المؤسسة الوطنية التقليدية جُردت من سلاحها المادي والتشريح العميق لهذا النظام يكشف أننا لم نفقد مجرد عقارات بل فقدنا فلسفة في التدبير كانت تمنح تونس استثناءها الثقافي.
واليوم ونحن نعيش أزمات التمويل العمومي يبدو من الضروري إعادة قراءة تجربة الأحباس لا بعين الماضي الحزينة بل بعين المستقبل الطامحة .
الاستقلال المعرفي لا يتحقق إلا باستقلال مالي يحمي الباحث والطالب من تقلبات السياسة وروح الزيتونة بجراياتها ومنحها ومدارسها هي تذكير دائم بأن النهضة تبدأ عندما يقرر المجتمع أن يستثمر في العقل كوقف مستدام لا كبند عابر في ميزانية دولة مثقلة بالديون .
فإعادة إحياء الوقف العلمي بصيغ عصرية هو السبيل الوحيد لاستعادة السيادة المعرفية التي ضاعت في دهاليز التحديث القسري عام 1957 حيث كان الوقف هو الروح التي تحرك جسد الزيتونة وبدون الروح يبقى الجسد مجرد معلم سياحي يحن لزمن العزة المعرفية.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال