الأكثر قراءة   المقالات الأقدم    
 
 
 
 
تصفح باقي إدراجات الثورة التونسية
مقالات الثورة التونسية

في الحذلقة الاستئصالية العلمانية

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


كل حزب بما لديهم فرحون، غير أن النتيجة مكشوفة: ليست الثورة وأنصارها بالقوة التي تسمح لهم بكنس المنظومة القديمة وتنظيف الطريق نحو تغيير جذري في المدينة. لقد فوّت أنصار الثورة والتغيير على أنفسهم فرصا ثمينة للتأسيس منذ "القصبة 2"، وفضلوا في محطات كثيرة التقاط فتات المنظومة المتربصة للانتقام على الاشتراك على الإسلاميين في إدارة البلد، مؤسسين معا تجربة مختلفة عن مسارات الاستئصال التي انتهجوها منذ حادثة المنصة. وسيواصلون ذلك ببراعة في البلديات، فقد أعطت الصناديق وضعا غريبا، حيث لا فائز ولا مهزوم.

الاستئصال الناعم

يحظى الذين اختاروا مقاطعة الإسلاميين ورفض التعامل معهم عندي باحترام خاص؛ لأنهم أعلنوها بمبدئية أطروحاتهم الفكرية والسياسية غير قابلة للتعايش مع أطروحات الإسلام السياسي وأحزابه، ولو كلفهم ذلك أن ينقطعوا عن الناس، ويكتفوا بسلامة الأطروحة بديلا عن براغماتية سياسية تقتضى مراجعات فكرية مؤلمة. لكن يوجد صنف آخر من النخب تنافق اللحظة فتأكل على مائدة الإسلاميين تحت مسمى التعايش الديمقراطي، لكنها تصر على أن يكون الإسلاميون في خلفية الصورة، ولسان حالهم يقول: أيها الإسلاميون كونوا أقويا بقدر ما تمنحونا الحكم، فأنتم قُصَّرٌ والعالم يكرهكم، وإلا ننقلب عليكم كما فعلنا في الجزائر ومصر. هذا هو الاستئصال الناعم بقفازات من حذلقة تتقن العبارة المجوفة.

لقد شارك الإسلاميون ولم يكتسحوا، فتبين أن خوف البعض منهم خوف مبني على جهل بمجريات السياسة الواقعية، أو هو في بعض وجوهه عجز عن القراءة، لكنه في كل الأحوال يشبه قول العقيم للولود: لا تنجبي أولادا فتذكريني بعقمي.

السؤال الأصلي الذي لا يطرح

أخذ النتائج على أنها أسباب منطق مقلوب يستعيده لابسو قفازات الحرير الاستئصاليون.. تقع انقلابات عسكرية إذا انتصر الإسلاميون في الانتخابات، وعليه وجب أن ينهزم الإسلاميون من تلقاء أنفسهم حتى لا ينقلب العسكر، خاصة وأن ذلك يتوافق مع هوى القوى الدولية. وترجمة ذلك أن القوى الدولية تحدد الخيارات الوطنية، فهي التي تختار من يحكم، وهذا أيضا ذنب الإسلاميين لأنهم ينتصرون في الانتخابات. هل الإسلاميون هم سبب الانقلابات أم ضحاياها؟ هل هم من عليه التواطؤ ضد سيادة بلدانهم لترضي القوى الدولية التي تفضل عليهم الفاسدين والخونة والانقلابيين؟

منذ ظهور تنظيمات الإسلام السياسي احتلت صدارة الحركات الشعبية، رغم الدمغ المتواصل لها بأنها صنيعة أجنبية مسمومة مبثوثة في جسد الأمة السليم، لكن الأسئلة الحقيقية لم تطرح في الجانب المقابل لهم.

لماذا لم تندثر أحزاب الإسلام السياسي (الإخوان المسلمون وفروعهم) رغم قرن كامل من القهر السياسي الذي مارسته عليهم كل الأنظمة العربية من المحيط إلى الخليج؟ ولماذا كلما دخلوا انتخابات ديمقراطية ربحوها في المنظمات والبرلمانات، حتى تحت الدكتاتوريات الغاشمة؟ ويتفرع عن السؤال الأصلي سؤال ضروري: لماذا لم يتحول المختلفون معهم والرافضون لهم إلى قوة سياسية شعبية يمكنها أن تصنع بديلا لهم يقبل عليه الناس؟

يقول البعض إن احتكار الخطاب باسم الدين هو سبب الشعبية الكاسحة، ولكن الدين متاح وغير قابل للاحتكار وإن رغب في ذلك الإسلاميون. لكن إذا كانت أطروحة البعض تقوم أساسا على اعتبار الدين سبب التخلف المهيمن، فيجب مساءلة الأطروحة التقدمية نفسها عن سلامة منطلقاتها الفكرية التي بنت عليها الفعل السياسي. هذا التقسيم تقدمي ضد رجعي، والذي يصير على الأرض يسار (وقوميين) ضد إسلاميين يحتاج إلى مراجعة؛ لأنه بكل بساطة مستورد.

هناك نقاش عميق يجري في مستويات علمية عالية عن نقض أطروحة التحديث القائم ضد عقائد الناس. فتجربة الكنيسة الغربية في علاقتها بالدولة لم تعد تجربة معلمة. وإذا كان الإسلاميون انطلقوا من موقع مختلف منسجم مع عقائد شعوبهم، فذلك ليس ذنبا يحاسبون عليه، خاصة وأنهم غير قادرين على منع غيرهم من مراجعة منطلقاته المؤسسة. توجد هنا حالة من التكلس الأيديولوجي التي تمنع أصحابها من المراجعة، ولا ذنب للإسلاميين فيها.

ويقول آخرون إن المظلومية وخطاب المظلومية هي السبب، فالإسلاميون يبتزون عواطف الناس بمعاناتهم ولا يقدمون لهم بدائل حقيقية. وهنا وجب الوقوف طويلا: من الذي سبب المظلومية؟ لهم أي من قدم لهم هذه الورقة السياسية لينتصروا بها؟ أليس من تأبيد المظلومية أن يطلب من الإسلاميين أن ينهزموا في الانتخابات لأن القوى الدولية لا تريدهم؟ توجد هنا حالة من الهروب إلى الأمام وعدم الاعتراف بالذنب، فالذين سببوا معاناة الإسلاميين عبر تاريخهم هم من يتهمهم بالبكاء، كأن المطلوب منهم أن يحولوا مآسيهم إلى كوميديا مرحة كي لا يشعر من قهرهم بالذنب.

التجربة التونسية تفتح بابا جديدا

انقلاب الجنرالات على الصندوق في الجزائر لم يقض على الإسلاميين، بل قضى على السياسة. فصورة الوضع الآن هي صورة الرئيس بوتفليقة.. وانقلاب العسكر المصري على التجربة الديمقراطية الوليدة لم يحل مشاكل مصر ولا حرر فلسطين، بل أنعش مظلومية الإخوان. في المقابل، تجربة المشاركة ضمن ديمقراطية بينت أن الإسلاميين بشر مثلنا؛ ينهزمون بالصندوق ولا تحتاج الديمقراطية أن ينهزموا قبله لكي تكون.

بعد سبع سنوات من المشاركة تبين أن الإسلاميين ليسوا ملائكة ولا شياطين، وليسوا عباقرة في السياسة والاقتصاد، وإنما بهم ما بالشعب التونسي من خصال حميدة وخبيثة. لقد توقف حديث المظلومية، فلم يعد الناس يختارون الإسلاميين شفقة عليهم، بل يحاسبونهم على ما يفعلون وما يقولون ونزعت هالة عاطفية ما كان لها أن تزول لولا المشاركة. لقد قبلوا مبادئ التدافع السياسي وتحملوا كلفتها، لذلك لم يكتسحوا في البلديات، فظهر أن الترهيب بالاكتساح عمل سياسي لا تحليل علمي، وإن تزيا بذلك.

وعليه، فإن كل عودة الآن إلى خطاب التخويف هي تعبير عن عجز صاحبها، وهي في جوهرها تمن على الإسلاميين وجودهم وتتفضل عليهم في غير موقع تفضل، لذلك لا يمكن قراءتها إلا كخطاب استئصالي.

لقد قدمت الانتخابات البلدية احتمالات أخرى للتعايش، وسنتابع الإسلاميين مع شركائهم، ونرى الأقدر على قبول العمل المشترك. سيتعرض الجميع لاختبارات قاسية تحت أنظار الناخب التونسي بعيدا عن خطابات التفضل والمن التي بدأها ابن علي ذات يوم؛ بإعطاء الإسلاميين رخصة جريدة ووضعهم تحت الاختبار. الذي سيختبر الإسلاميين وغيرهم الآن هم الناس، وليس المنظومة السياسية الحاكمة وتوابعها الفكرية غير الواعية بجوهر خطابها الاستئصالي.

-----------
(*)
وقع تعديل طفيف على العنوان الأصلي للمقال
محرر موقع بوابتي


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الإنتخابات البلدية،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 8-05-2018   الموقع الأصلي للمقال المنشور اعلاه المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك
شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
محمد شمام ، د - شاكر الحوكي ، عزيز العرباوي، صلاح الحريري، كمال حبيب، رافع القارصي، حسن عثمان، صالح النعامي ، د. نانسي أبو الفتوح، د - احمد عبدالحميد غراب، كريم السليتي، محمود طرشوبي، د- محمود علي عريقات، محمود سلطان، د - أبو يعرب المرزوقي، د- هاني السباعي، د.ليلى بيومي ، د- محمد رحال، أنس الشابي، د. جعفر شيخ إدريس ، د - صالح المازقي، حميدة الطيلوش، مصطفى منيغ، إسراء أبو رمان، د. خالد الطراولي ، حسن الحسن، رحاب اسعد بيوض التميمي، محمد أحمد عزوز، عبد الرزاق قيراط ، د - مضاوي الرشيد، سحر الصيدلي، سفيان عبد الكافي، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، حمدى شفيق ، د- هاني ابوالفتوح، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د - محمد بن موسى الشريف ، د. أحمد بشير، أحمد النعيمي، أحمد بوادي، د. محمد مورو ، عبد الغني مزوز، نادية سعد، منجي باكير، جاسم الرصيف، فتحي الزغل، معتز الجعبري، د. كاظم عبد الحسين عباس ، محرر "بوابتي"، محمد اسعد بيوض التميمي، سعود السبعاني، د - مصطفى فهمي، سلام الشماع، فتحي العابد، خالد الجاف ، سامر أبو رمان ، ياسين أحمد، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د - محمد بنيعيش، صفاء العراقي، محمود فاروق سيد شعبان، تونسي، حسن الطرابلسي، سلوى المغربي، يزيد بن الحسين، العادل السمعلي، مجدى داود، د. ضرغام عبد الله الدباغ، د- جابر قميحة، محمد الطرابلسي، الهادي المثلوثي، أشرف إبراهيم حجاج، صفاء العربي، المولدي الفرجاني، الهيثم زعفان، حسني إبراهيم عبد العظيم، إيمان القدوسي، د. طارق عبد الحليم، د . قذلة بنت محمد القحطاني، محمد إبراهيم مبروك، محمود صافي ، د. عبد الآله المالكي، ماهر عدنان قنديل، أبو سمية، عبد الله الفقير، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، رضا الدبّابي، عصام كرم الطوخى ، رشيد السيد أحمد، خبَّاب بن مروان الحمد، إياد محمود حسين ، محمد العيادي، صلاح المختار، محمد الياسين، محمد تاج الدين الطيبي، علي عبد العال، وائل بنجدو، أحمد الحباسي، ابتسام سعد، شيرين حامد فهمي ، كريم فارق، صباح الموسوي ، جمال عرفة، د. أحمد محمد سليمان، أحمد الغريب، عراق المطيري، فاطمة عبد الرءوف، فوزي مسعود ، هناء سلامة، د - محمد سعد أبو العزم، د. صلاح عودة الله ، طلال قسومي، حاتم الصولي، د. عادل محمد عايش الأسطل، منى محروس، فاطمة حافظ ، فتحـي قاره بيبـان، سيد السباعي، إيمى الأشقر، الشهيد سيد قطب، سيدة محمود محمد، محمد عمر غرس الله، علي الكاش، سامح لطف الله، أ.د. مصطفى رجب، د - الضاوي خوالدية، رمضان حينوني، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د - محمد عباس المصرى، عمر غازي، د. محمد عمارة ، د. نهى قاطرجي ، د. محمد يحيى ، د. الشاهد البوشيخي، فراس جعفر ابورمان، يحيي البوليني، د - غالب الفريجات، فهمي شراب، د. مصطفى يوسف اللداوي، بسمة منصور، عبد الله زيدان، رافد العزاوي، الناصر الرقيق، مصطفي زهران، د.محمد فتحي عبد العال، عواطف منصور، رأفت صلاح الدين، د - المنجي الكعبي، مراد قميزة، عدنان المنصر، سوسن مسعود، د. الحسيني إسماعيل ، أحمد ملحم،
أحدث الردود
... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

لكي يكون المقال ذا فائدة أكبر، كان يحسن ان تذكر إسم السياسي الأب المقصود، لأن الناس لا تدري ما قرأت وبما تتحدث عه...>>

نتيجة ما تعانيه بناتنا في الاتجاة نحو طريقا لانحبذة ولانرضه لكل فتاة أي كانت غنية اوفقيرة ولكن مشكلتنا في الدول العربية الفقر ولذاعلي المنظمات الاجتما...>>

من صدق مجتمع رايح فيها انا متزوج مغربيه بس مو عايشين هنا ولا ابغى ارجع المغرب رحتها يوم زواجي وماعدتها بلد دعاره بامتياز حتى الاسره المغربيه منحله الب...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضات من طرفه أومن طرف "بوابتي"

كل من له ملاحظة حول مقالة, بإمكانه الإتصال بنا, ونحن ندرس كل الأراء