الأكثر قراءة   المقالات الأقدم    
 
 
 
 
تصفح باقي إدراجات الثورة التونسية
مقالات الثورة التونسية

لغة التعليم في تونس - إلى متى الفرنسية عوض الإنقليزية؟

كاتب المقال كريم السليتي - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


سألت أحد أقاربي الذي أرسل ابنه لمواصلة تعليمه العالي في باريس عن أحوال دراسة ابنه، فأجابني والحيرة تملأ قسمات وجهه " للأسف موش جايب روحو! عنده عائق اللغة، هناك عدد من المواد العلمية والبحوث باللغة الإنجليزية وهو كما تعلم لا يتقن الا الفرنسية" فسألته باستغراب كيف يدرس في باريس وباللغة الإنجليزية، فأجابني "تلك هي الحقيقة المرة".

إذا كان هذا حال عدد من المعاهد العليا والجامعات الفرنسية في اختصاصات المال والأعمال وبعض الاختصاصات الهندسية والمعلوماتية وقد تحولت من التدريس باللغة الفرنسية إلى اللغة الإنجليزية في عقر دار "موليير"، فلماذا تصر تونس البلد المتفتح على العالم على مواصلة تدريس جميع المواد تقريبا بالفرنسية في المرحلة الثانوية والتعليم العالي؟
لماذا هذا العبث بمستقبل أبنائنا وبالمستقبل العلمي لتونس؟ لماذا نتشدق بأننا بلد قوي بكفاءته وبلد ذو منزلة ثقافية وعلمية مرموقة في حين أن الجمود والتكلس ورفض التغيير إلى الأفضل يملأ عقليتنا.

لماذا نجد جامعات غانا وكينيا وعين شمس وبير زيت في مراتب متقدمة في ترتيب أفضل الجامعات في العالم ولا نجد أي جامعة تونسية؟
لماذا عدد المنشورات العلمية في المجلات المصنفة وبراءات الاختراع لدولة الكويت والجمهورية اللبنانية أكثر بعشرات الأضعاف مما لدينا؟

لماذا نجد عشرات آلاف الموظفين الأردنيين والمصريين والسوريين يعملون في مناصب عليا في دول الخليج والمنظمات الدولية وكبريات الشركات متعددة الجنسيات في حين أن أعدد موظفينا بها بسيط جدا بل في بعض الأحيان يعد على الأصابع؟

نحن في تونس نقولها وبكل فخر: لا ينقصنا الذكاء ولا تنقصنا المعرفة ولا تنقصنا الكفاءة العلمية لكن تنقصنا القدرة على التواصل الفعال بلغة العالم وبلغة العلم والمعرفة. هذه حقيقة علينا أن نعيها جيدا ونستوعبها ونتوحد لإيجاد حل لها.

ما يثير الاستغراب حقيقة في تونس هو صمت الأولياء وقبولهم بمنظومة تعليمية تعتمد أساسا على اللغة الفرنسية وهي مع احترامي لكل الناطقين بها، لغة في نزول متواصل، لغة انحدرت من "العالمية" إلى "المحلية"، فهي تستعمل حصريا في فرنسا وأجزاء من بلجيكا وسويسرا وكندا و كذلك في بعض البلدان الإفريقية الفقيرة مثل تشاد ومالي والسنيغال.

و من غرائب الأمور في تونس أن تجد بعض الأولياء - الذين ربما يعانون مركب نقص من إتقان اللغة الفرنسية بطلاقة، أو عقد السيد الأبيض الفرنسي الأنيق - تجدهم يتحدثون مع أبنائهم منذ الولادة بالفرنسية ويسعون لإدخالهم لمدارس فرنسية، ولا يشاهدون إلا القنوات الفرنسية ولا يستمعون إلا إلى الإذاعات الفرنسية. والنتيجة في الأخير تلميذ أو طالب منقطع عن واقعه وعن العالم من حوله، حيث أنه لا يراه إلا من المنظور الفرنسي الذي يعادي الاختلاف ولا يقبل بتعدد الثقافات ويؤمن بالوصاية والأبوية (Paternism). والسؤال الموجه لهم هل العالم بعد عشرين سنة سيكون مثل العالم اليوم؟ والذكي من يستقرأ المستقبل ويعد الأجيال لذلك.

ألا يعلم التونسيون أن المنظومة التعليمية الفرنسية ليست موجودة ضمن أفضل عشر منظومات تعليمية في العالم ويمكنكم الاطلاع على هذا التصنيف http://www.edudemic.com/learning-curve-report-education-2/ كما أنها ليست أيضا ضمن افضل عشرين منظومة تعليمية في العالم حسب تصنيف آخرhttp://www.mbctimes.com/english/20-best-education-systems-world. فلماذا هذا الإصرار على تحطيم أمال ومستقبل أبنائنا بمنظومة تعليمية اعترف الفرنسيون أنفسهم بفشلها ويحاولون جاهدا ترقيعها.
أليس من الأولى الضغط الجماعي للتونسيين والتونسيات لتغيير المناهج التعليمية الحالية، لضمان مستقبل أبنائهم وبناتهم.

إن كنتم تنتظرون أن تبادر الدولة أو الطبقة السياسية بذلك فهذا من المستحيلات. أنظروا إلى أغلب السياسيين وعموم المسؤولين الإداريين هل يتقنون اللغة الإنجليزية؟ هل يحتاجون إلى اللغة الإنجليزية؟ هل هم واعون بأهمية التعليم باللغة الإنجليزية؟ الإجابة عموما "لا". بل على العكس فإن اللغة الفرنسية تمثل لهم منطقة رفاهية“Comfort Zone” ولا أحد يريد الخروج منها.

هل رأيتم وزيرا أو مديرا عاما أو حزبا سياسيا أو حتى نائبا في البرلمان يعد بتغيير المنظومة التعليمية والخروج بها من تحت العباءة الفرنسية السوداء إلى الانفتاح على العالمية؟ هل وعدكم حزب سياسي واحد بأنه سيغير لغة التدريس من الفرنسية إلى الإنجليزية لإدخال تونس إلى القرن الواحد والعشرين حقيقة؟

لماذا هذا الخوف من التغيير نحو الأفضل نحو العالمية نحو العلم نحو الانعتاق من براثن فرنسا واستعمارها الثقافي والاقتصادي؟ لماذا لا نريد مستقبلا مشرقا لأبنائنا وبناتنا لا تكون فيه اللغة الإنجليزية حاجزا أمامهم نحو البحث والتطوير والتجديد والعالمية و التميز؟

إن الاستثمار في تعليم تلاميذنا وطلبتنا باللغة الفرنسية هو استثمار فاشل ومحدود الإمكانيات والنتائج، واذا كان الاقتصاد التونسي يتطلب اللغة الفرنسية الآن فقد لا يحتاجها البتة خلال عشرين عاما. لذلك على الأولياء وخاصة أولئك الذين يُدجنون أباءهم تدجينا لتعلم الفرنسية أن يعوا أن العالم يتغير وأن العلم والمعرفة والبحث والتطور وضمان المستقبل يكون بإتقان لغة العلم والمعرفة.

إن بناء مستقبل تونس العلمي يكون بتنشئة الأجيال على التشبع بلغتهم العربية أولا، ثم فتح أفاق العالم أمامهم بتمكينهم من التعلم و التواصل باللغة الإنجليزية مع تربيتهم على النزاهة وحب الاطلاع والبحث وعدم الركون للمسلمات لاسيما إذا كانت موروثة عن المستعمر. لذلك على كل التونسيين و التونسيات و كل الجهات الفاعلة في البلاد أن تكون واعية بخطورة هذا التحدي. فإما أن نبقى دويلة صغيرة بلا علم و لا معرفة و لا مستقبل، يتعلم فيه أبناءنا فتات ما تجود به علينا فرنسا من مواد مُترجمة، وإما أن نبدأ بالتغيير تدريجيا نحو العالمية والأخذ بنواصي العلم و المعرفة و نرسم مستقبلا مشرقا لأبنائنا و بناتنا تكون أفاق العلم و البحث و التميز أمامهم مفتوحة يؤثرون و يتأثرون.

------------
كريم السليتي
كاتب و باحث تونسي


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، اللغة العربية، التعليم، الفرنكفونية، التبعية، التبعية لفرنسا، بقايا فرنسا،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 27-09-2016  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك
شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د - محمد عباس المصرى، فهمي شراب، مصطفي زهران، أحمد ملحم، د. صلاح عودة الله ، رحاب اسعد بيوض التميمي، حميدة الطيلوش، د - مصطفى فهمي، أحمد الغريب، سامح لطف الله، د.محمد فتحي عبد العال، صلاح الحريري، أنس الشابي، المولدي الفرجاني، يحيي البوليني، د - المنجي الكعبي، ماهر عدنان قنديل، د. الحسيني إسماعيل ، حسن الطرابلسي، د- هاني ابوالفتوح، الهيثم زعفان، صباح الموسوي ، د. ضرغام عبد الله الدباغ، صلاح المختار، حسن عثمان، د. طارق عبد الحليم، عبد الرزاق قيراط ، طلال قسومي، محمد أحمد عزوز، د- هاني السباعي، محمود صافي ، أحمد بوادي، تونسي، صفاء العربي، أشرف إبراهيم حجاج، سيد السباعي، خالد الجاف ، ابتسام سعد، أحمد النعيمي، الهادي المثلوثي، أبو سمية، محمود سلطان، صفاء العراقي، محمد الياسين، د . قذلة بنت محمد القحطاني، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، صالح النعامي ، حمدى شفيق ، عبد الغني مزوز، د - أبو يعرب المرزوقي، عصام كرم الطوخى ، محمد شمام ، منجي باكير، حاتم الصولي، الشهيد سيد قطب، فوزي مسعود ، معتز الجعبري، د - غالب الفريجات، محرر "بوابتي"، د. مصطفى يوسف اللداوي، د. نانسي أبو الفتوح، رمضان حينوني، مصطفى منيغ، د - مضاوي الرشيد، رأفت صلاح الدين، علي الكاش، حسني إبراهيم عبد العظيم، شيرين حامد فهمي ، عمر غازي، محمد اسعد بيوض التميمي، خبَّاب بن مروان الحمد، إيمان القدوسي، د. عبد الآله المالكي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د - صالح المازقي، محمود فاروق سيد شعبان، د. أحمد بشير، د - شاكر الحوكي ، منى محروس، د. محمد مورو ، نادية سعد، محمد تاج الدين الطيبي، عبد الله زيدان، وائل بنجدو، د- محمد رحال، محمد العيادي، علي عبد العال، د. الشاهد البوشيخي، د. عادل محمد عايش الأسطل، فتحي الزغل، الناصر الرقيق، جمال عرفة، كريم السليتي، فاطمة عبد الرءوف، عبد الله الفقير، سامر أبو رمان ، د. جعفر شيخ إدريس ، عواطف منصور، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د. خالد الطراولي ، فراس جعفر ابورمان، حسن الحسن، فاطمة حافظ ، إياد محمود حسين ، محمود طرشوبي، سعود السبعاني، هناء سلامة، فتحـي قاره بيبـان، محمد عمر غرس الله، د - محمد سعد أبو العزم، رافد العزاوي، سوسن مسعود، سفيان عبد الكافي، أحمد الحباسي، العادل السمعلي، د- محمود علي عريقات، أحمد بن عبد المحسن العساف ، كريم فارق، إيمى الأشقر، سلوى المغربي، يزيد بن الحسين، د. نهى قاطرجي ، محمد الطرابلسي، إسراء أبو رمان، عدنان المنصر، د - محمد بنيعيش، رافع القارصي، كمال حبيب، د. أحمد محمد سليمان، سيدة محمود محمد، مراد قميزة، جاسم الرصيف، فتحي العابد، سحر الصيدلي، د - احمد عبدالحميد غراب، رضا الدبّابي، عزيز العرباوي، د - الضاوي خوالدية، د. محمد عمارة ، مجدى داود، د - محمد بن موسى الشريف ، سلام الشماع، عراق المطيري، ياسين أحمد، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د. محمد يحيى ، د.ليلى بيومي ، بسمة منصور، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، محمد إبراهيم مبروك، د- جابر قميحة، رشيد السيد أحمد، أ.د. مصطفى رجب،
أحدث الردود
... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

لكي يكون المقال ذا فائدة أكبر، كان يحسن ان تذكر إسم السياسي الأب المقصود، لأن الناس لا تدري ما قرأت وبما تتحدث عه...>>

نتيجة ما تعانيه بناتنا في الاتجاة نحو طريقا لانحبذة ولانرضه لكل فتاة أي كانت غنية اوفقيرة ولكن مشكلتنا في الدول العربية الفقر ولذاعلي المنظمات الاجتما...>>

من صدق مجتمع رايح فيها انا متزوج مغربيه بس مو عايشين هنا ولا ابغى ارجع المغرب رحتها يوم زواجي وماعدتها بلد دعاره بامتياز حتى الاسره المغربيه منحله الب...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضات من طرفه أومن طرف "بوابتي"

كل من له ملاحظة حول مقالة, بإمكانه الإتصال بنا, ونحن ندرس كل الأراء