ومع صعود الدولة الحسينية، شهدت هذه التشكيلات عملية تونسة وظيفية حولتها إلى العمود الفقري لنظام المخزن، حيث برز دور الصبايحية كأداة قمعية وجبائية في قلب آلية المحلة الموسمية. كانت المحلة هي الطقس السيادي الذي يمارسه الباي لتأكيد سلطته، فمن محلة الصيف في الشمال لجمع قمح باجة والكاف، إلى محلة الشتاء في الجنوب لانتزاع ضرائب التمور والزيوت، كان الصبايحية هم الجناح المتحرك الذي يرهب القبائل السايبة ويفرض اللززمة بقوة السيف. في هذه المرحلة، تحول الصبايحي إلى إقطاعي محلي يمتلك الهناشير الشاسعة، خاصة في مناطق الشمال الخصبة، ليتشكل بذلك جيل من أعيان الصبايحية الذين لعبوا دور الوسيط الاستراتيجي بين قصر الباردو وعمق القبائل، مدافعين عن النظام ضد أي اهتزاز اجتماعي قد يهدد امتيازاتهم الطبقية. لكن هذا المسار التاريخي اصطدم بمنعطف جذري سنة 1881، حين أدركت العبقرية الاستعمارية الفرنسية أن تفكيك هذا الجسم العسكري هو مخاطرة غير محسوبة، فقررت إعادة تدويره ضمن جيش أفريقيا ليكون خنجراً في خاصرة المقاومة المحلية. بموجب قانون عام 1886، وُلد الفوج الرابع للصبايحية التونسيين، متخذاً من منوبة وصفاقس ومدنين قلاعاً له، ليتحول من خيالة الباي إلى قوة تأمين حدودية تحت الراية الفرنسية، تستهدف كبح الغارات القادمة من الشرق الليبي وتثبيت أركان الحماية.
اعتمدت فرنسا في هندستها الاجتماعية لهذا الفوج على سياسة الخيام الكبيرة، وهي استراتيجية تهدف لتوريط أبناء الشيوخ والأعيان في المنظومة العسكرية، مشترطة أن يوفر المجند حصانه الخاص، مما حصر الانتساب في طبقة ميسورة تضمن ولاء القبائل الكبرى لفرنسا مقابل الرتب والنيشين. وصبغت فرنسا هذا الولاء بزي عسكري ذي دلالات رمزية عميقة، حيث البرنس الأحمر الفاخر والشاشية التونسية العالية والصدرية المطرزة بالحرير، وهو زي كان يهدف لإظهار عظمة الإمبراطورية في استعراضات باريس، بينما كان يثير الرهبة والاشمئزاز في القرى التونسية كرمز لسلطة الرومي. وفي خضم الحرب العالمية الأولى، انفتح الجرح الغائر في ذاكرة هذا الفوج، حيث ظهرت تناقضات الولاء بشكل دموي، ففي تمرد بنزرت عام 1914، رفض الصبايحية والرماة التحول إلى طعام للمدافع في الجبهات الأوروبية بعد مجازر شارلروا، وهو ما واجهته فرنسا بإعدامات ميدانية حاولت طمسها في أرشيفات الخدمة التاريخية للدفاع في فانسان. ولم تتوقف التناقضات عند هذا الحد، بل تجلت في انتفاضة الجنوب عام 1915، حين كُلف الصبايحية بمطاردة الثائر خليفة بن عسكر وقبائل الودارنة، ليجد الصبايحي نفسه في مواجهة دموية مع بني جلدته، ورغم حالات الفرار الجماعي للالتحاق بالمقاومة، إلا أن الفوج ظل الأداة الفتاكة لتصفية بؤر التمرد الصحراوي.
تعدى دور الصبايحية الميدان العسكري ليكونوا الذراع الأمني للاستعمار الزراعي، حيث كانوا يرافقون المراقبين المدنيين في عمليات مسح الأراضي، مشكلين القوة التي انتزعت هنشير النفيضة وغيرها من الأراضي من أيدي الفلاحين لتسليمها للمعمرين، بل ووصل الأمر إلى مداهمة بيوت المضربين وترويع النساء في أحداث سوق الأربعاء عام 1937. كما أنيطت بهم مهمة تجريد القبائل من السلاح، مستغلين معرفتهم بخبايا النجوع لكسر شوكة المقاومة الريفية، مما جعل لفظ صبايحي في الوجدان الشعبي التونسي مرادفاً للخيانة والوشاية، وغصت الأشعار الملحونة بهجائهم ووصف قلوبهم السوداء التي تختبئ خلف البرانس الحمراء الزاهية. ومع وصول نيران الحرب العالمية الثانية إلى الأرض التونسية، تآكل عصر الخيالة ليحل محله عصر المدرعات، حيث تم تزويد الفوج الرابع بدبابات ستيوارت الأمريكية، ليقاتلوا قوات رومل في مدنين ومطماطة، ثم يُساقوا لتحرير أوروبا، حيث وقع الكثير منهم في الأسر الألماني، في مأساة إنسانية وثقتها مراسلات جمعية البرنس التي تكشف زيف الدعاية الفرنسية حول وضعهم كأبطال منتصرين.
إن التمييز بين الصبايحية والزواف والرماة ضروري لفهم كيفية تقسيم فرنسا للمجتمع التونسي، فالصبايحي هو الأرستقراطي الميسور، والرماة هم الفلاحون الفقراء الذين يُدفع بهم في الخطوط الأمامية، بينما الزواف تحولوا إلى قوة للمستوطنين. واليوم، حين نبحث عن الحقيقة في هذا الملف الشائك، علينا التنقيب في أرشيفات فانسان وإيكس أون بروفانس، حيث السجلات العسكرية التي تفضح من حصل على الجنسية ومن ظل رعية، وصولاً إلى الأرشيف الوطني في تونس الذي يكشف كيف تحولت الأراضي من ملكية عامة إلى إقطاعات للصبايحية منذ العهد الحسيني. بعد الاستقلال عام 1956، ورغم حل الفوج عسكرياً، إلا أن السلطة البورقيبية ومن بعدها النوفمبرية اختارت الحفاظ على القشرة الخارجية لهذا التراث، بإعادة تدوير زي الصبايحية ليكون لباساً لخيالة الحرس الرئاسي في المشاهد البروتوكولية، في محاولة لتطهير الرمز من حمولته الاستعمارية وربطه بالفروسية الوطنية. يبقى تاريخ الصبايحية في تونس هو قصة المؤسسة التي اختارت أن تكون جندي السلطة بامتياز، ممزقة بين بريق الرتبة ومرارة الوشاية، وهي قصة تحتاج ليقظة بحثية تنبش في الأراشيف العائلية بعيداً عن الروايات الرسمية، لفهم كيف صُنعت هذه الذاكرة الممزقة في قلب الهوية التونسية.
تعليق على مقال