بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

حين تتمرّد المدن: تونس بين قبضة القيروان وحلم السيادة في ملحمة عروس بن سندي

2026-04-24 95 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
حين تتمرّد المدن: تونس بين قبضة القيروان وحلم السيادة في ملحمة عروس بن سندي
في قلب الجغرافيا المتموجة وبين ثنايا التواريخ المنسية تقف إفريقية دائماً كمرآة تعكس صراع الهويات الكبرى حيث لا يكتفي المكان بكونه مسرحاً للأحداث بل يتحول إلى لاعب أساسي يشكل مصائر الإمبراطوريات.
في القرن الحادي عشر وتحديداً في تلك السنوات الفاصلة بين عامي 423 و426 للهجرة لم تكن تونس مجرد مدينة ساحلية تحتمي بأسوارها بل كانت بركاناً من الطموحات الجيوسياسية التي انفجرت في وجه المركزية القيروانية الصارمة.
قصة تمرد عروس بن سندي ليست مجرد واقعة في كتاب بل هي ملحمة تعكس ولادة الوعي بالاستقلال المحلي وحكاية مدينة قررت أن تنزع عنها عباءة التبعية لتدخل في مغامرة الدم والنار ضد سلطة الصنهاجيين الذين كانوا يحاولون لملمة شظايا ملكهم المتهالك.
كانت الدولة الزيرية في تلك الحقبة تعيش مخاضاً عسيراً فقد ورث المعز بن باديس عرشاً محاطاً بالذئاب من كل جانب.
من جهة كان الحنين إلى الخلافة الفاطمية في القاهرة يتلاشى ليحل محله ضغط الشارع السني المالكي ومن جهة أخرى كانت القيروان تلك الحاضرة المقدسة تحاول أن تفرض قبضتها الحديدية على الثغور الساحلية التي بدأت تتذوق طعم الثراء والحرية عبر المتوسط.
في هذا الفضاء المشحون بالتوتر كانت تونس تبرز كقطب بديل، مدينة لا تنظر إلى الصحراء بل تمد بصرها نحو صقلية والأندلس، مدينة لم تعد تكتفي بكونها مخزناً لغلال القيروان بل طمحت أن تكون رأساً لا ذيلاً.
عروس بن سندي هذا الاسم الذي يتردد في أروقة التاريخ كصدى لصراع مجهول لم يكن مجرد مغامر يبحث عن سلطة زائفة. كان نتاج اللحظة التاريخية، والياً وجد نفسه بين مطرقة السلطان الزيري في القيروان وسندان النخبة التونسية المتعطشة للسيادة.
عندما تسلم بن سندي مقاليد الحكم في تونس كان يدرك أن المدينة لم تعد تحتمل وطأة الضرائب التي كانت تُجبى لتمويل حروب الصنهاجيين العبثية في المغرب الأوسط ضد أبناء عمومتهم من بني حماد. كان يرى الأموال تخرج من أسواق تونس لتذهب إلى قصور المنصورية بينما تترك المدينة تواجه مصيرها أمام القراصنة والاضطرابات.

التحول في شخصية بن سندي من خادم للدولة إلى متمرد عليها يمثل في جوهره تحول المدينة من وظيفة إدارية إلى كينونة سياسية. استثمر في الغضب الشعبي وفي ذلك الشعور المتنامي بالاستعلاء الحضري تجاه البداوة الصنهاجية الحاكمة.
كان الفقهاء المالكية في تونس وهم حراس الوعي الجمعي يرون في التمرد وسيلة للتخلص من بقايا التأثير الشيعي ومن هيمنة العسكر الذين لا يفقهون في شؤون التجارة والبحر شيئاً. وهكذا تحالفت العمامة مع السيف المحلي ومع كيس التاجر لتعلن تونس في عام 423 للهجرة خروجها عن طاعة المعز بن باديس.
لم يكن الرد القيرواني متأخراً فالمعز بن باديس الذي كان يحاول إثبات شرعيته كحاكم سني مستقل لم يكن ليسمح بتمزق إقليمه الأساسي. بالنسبة له كان تمرد تونس طعنة في الظهر وتهديداً وجودياً قد يغري مدناً أخرى مثل سوسة وصفاقس باللحاق بها.
تحرك الجيش الزيري، تلك الكتلة البشرية الهائلة من فرسان صنهاجة والعبيد المشتريين ليضرب حصاراً لم تشهد له المنطقة مثيلاً. لم يكن حصاراً عسكرياً فحسب بل كان محاولة لخنق فكرة الاستقلال في مهدها.
تحت أسوار تونس بدأت واحدة من أكثر الصفحات مأساوية في تاريخ إفريقية. عروس بن سندي الذي حصن المدينة وجند أهلها كان يراهن على الوقت وعلى صمود الجبهة الداخلية. كانت تونس في ذلك الوقت تمتلك ترسانة من الروح المعنوية يغذيها شعور بالانتماء للمكان.
استخدم بن سندي كل دهاء القادة ،رمم الأسوار، خزن الحبوب، وأقام تحالفات سرية مع بعض القوى الزناتية المناوئة للزيريين. كانت المعارك تدور يومياً عند الأبواب في كر وفر يعكس شراسة الطرفين. الصنهاجيون بفروسيتهم التقليدية واجهوا مدينة تحولت بكل أزقتها وحرفييها إلى آلة حربية.
لكن التاريخ لا يرحم المدن المحاصرة عندما يطول أمد الانتظار. مع مرور الشهور والدخول في العام الثاني والثالث من الحصار بدأت تونس تأكل نفسها من الداخل.
المجاعة، ذلك العدو الصامت الذي لا تردعه الأسوار بدأت تتسلل إلى البيوت.
يصف المؤرخون تلك الأيام بمرارة حيث وصل الحال بالناس إلى أكل ما لا يؤكل وغلت الأسعار حتى صار الرغيف حلم الصغار والكبار.
هنا برزت الفجوة بين طموح القائد المتمرد وواقع الرعية المنهكة. بن سندي كان يرى في الاستمرار كبرياءً سياسياً بينما كان الناس يرون فيه فناءً بيولوجياً.
في القيروان كان المعز بن باديس يراقب ذوبان قوة جيشه أيضاً. الحصار الطويل استنزف خزائن الدولة وأنهك خيول صنهاجة. كان الصراع بين القيروان وتونس صراعاً بين نموذجين، نموذج الدولة المركزية التي تعيش على الجباية ونموذج المدينة الثغر التي تريد العيش على التجارة.
وفي ربيع عام 426 للهجرة وصلت المأساة إلى فصلها الختامي.
مقتل عروس بن سندي سواء كان في ساحة المعركة أو بغدر من داخل صفوفه كان اللحظة التي انكسر فيها عمود الخيمة التونسية.
سقوط تونس لم يكن نصراً خالصاً للمعز بن باديس بل كان انتصاراً بطعم الهزيمة. لقد استعاد مدينة محطمة وسكاناً يملؤهم الحقد على المركز وجيشاً فقد رغبته في القتال.
هذا الاستنزاف هو الذي مهد الطريق للكارثة الكبرى التي كانت تختبئ خلف أفق الصحراء: الزحف الهلالي.
لو لم تستهلك الدولة الزيرية قوتها في قمع تمرد بن سندي وتأديب تونس لربما كانت قادرة على مواجهة جحافل بني هلال وبني سليم التي اجتاحت البلاد بعد سنوات قليلة لتغير وجه الديموغرافيا والجغرافيا للأبد.

تمرد بن سندي يطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة السلطة في المغرب العربي، هل يمكن للقبيلة أن تحكم المدينة دون أن تقتلها؟
وهل يمكن للمركز أن يزدهر دون أن يمتص دماء الأطراف؟

كانت تونس تبحث عن هويتها الخاصة، تلك الهوية التي ستتحقق لاحقاً مع بني خراسان ثم في العهد الحفصي حيث ستصبح تونس هي الدولة والقيروان هي الذاكرة.

بالنظر إلى التفاصيل الاقتصادية نجد أن تونس في القرن الحادي عشر كانت قد بدأت تخرج من نمط الإنتاج الزراعي المرتبط بالداخل لتصبح ورشة صناعية كبرى.
المنسوجات التونسية والزيوت كانت تجوب البحار وهذا الازدهار خلق طبقة من الأعيان لم تعد ترى في القائد الصنهاجي القادم من القيروان حامياً بل شريكاً مضارباً في الأرباح.
عروس بن سندي كان الواجهة العسكرية لهذا الطموح البرجوازي الناشئ. حاول أن يحول تونس إلى جمهورية تجارية على غرار المدن الإيطالية لكنه اصطدم بواقع العصبية القبلية التي كانت لا تزال تمتلك القوة العسكرية الغاشمة.

الاستقلالية المحلية في إفريقية لم تكن مجرد نزوة بل كانت ضرورة تفرضها التحولات الجيوسياسية في المتوسط.
تونس كانت تشعر أنها جزء من عالم أكبر بينما كانت القيروان تتقوقع حول شرعيتها المذهبية المتصلبة.
هذا الصدام المذهبي والاجتماعي هو الذي جعل من حصار تونس ملحمة إنسانية وسياسية بامتياز.
الناس في تونس لم يقاتلوا من أجل بن سندي كشخص بل قاتلوا من أجل كرامة مدينتهم ومن أجل حقهم في تقرير مصيرهم بعيداً عن أهواء القصور في المنصورية.

عندما دخل المعز بن باديس تونس منتصراً كان يظن أنه أغلق صفحة التمرد لكنه في الحقيقة كان يفتح أبواب الجحيم على دولته. الجدران التي هُدمت والأنفس التي أُزهقت كانت هي الحصن الحقيقي للدولة الزيرية.
وبمجرد أن ضعفت تونس انفتحت الثغور أمام كل طامع.
التاريخ يعلمنا أن إضعاف الحواضر الكبرى من أجل الحفاظ على هيبة المركز هو أقصر طريق لانتحار الدول.
بن سندي رغم مقتله زرع البذرة الأولى لما سيعرف لاحقاً
بالدولة التونسية حيث ستنتقل العاصمة نهائياً من قلب القيروان إلى ضفاف المتوسط لتكتمل الدورة التاريخية التي بدأها هذا القائد المتمرد.
كان القرن الحادي عشر في إفريقية قرن التحولات الكبرى حيث تصادمت بقايا الإرث الفاطمي مع طموحات الاستقلال الصنهاجي وتصادمت السلفية المالكية مع الواقع الاجتماعي المتغير.
وفي وسط هذا الزحام يقف تمرد عروس بن سندي كعلامة فارقة تذكرنا بأن المدن تمتلك أرواحاً لا تقبل القيد
وأن صرخة الاستقلال التي انطلقت من أسوار تونس
عام423 للهجرة كانت هي الصدى الأول لتاريخ طويل من
البحث عن الذات والسيادة في هذه الأرض التي لا تهدأ.

بن سندي لم يكن وحيداً بل كان مدعوماً بشبكة معقدة من المصالح التي امتدت إلى خارج حدود إفريقية.
هناك إشارات إلى تواصله مع القوى البحرية في المتوسط، ومحاولاته لاستقطاب العناصر الساخطة من الجيش الزيري الذين رأوا في المعز بن باديس حاكماً شاباً يفتقر للحكمة التي كان يتمتع بها أسلافه.
الحصار لم يكن مجرد طوق عسكري بل كان حرباً إعلامية ونفسية حيث كان الفقهاء من كلا الطرفين يتبادلون الرسائل والاتهامات وكل طرف يحاول إضفاء الشرعية الدينية على موقفه.
تظل قصة تونس والقيروان في العهد الزيري هي قصة التوتر الدائم في الشخصية التونسية بين الانتماء للداخل والارتباط بالخارج، بين قداسة المركز وحيوية الأطراف.
عروس بن سندي دفع حياته ثمناً لهذه الرؤية المبكرة لكن مقتله كان الولادة الحقيقية لأسطورة المدينة التي لا تُقهر المدينة التي ستنهض من رماد الحصار لتصبح بعد قرون العاصمة التي تختصر في داخلها كل جراح وآمال إفريقية.

تونس في تلك السنوات ورغم الجوع والموت كانت تبتكر صيغة جديدة للعيش المشترك بين العرب والأمازيغ والأندلسيين، صيغة صهرتها المحن في بوطقة واحدة ضد عدو مشترك.
هذا الانصهار هو الذي جعل المدينة تصمد ثلاث سنوات أمام أقوى جيش في المنطقة. إنها قوة الروح الحضرية التي تتجاوز العصبية القبلية الضيقة.
وعندما نمعن النظر في مآلات الدولة الزيرية بعد هذه الواقعة ندرك أن الانكسار لم يكن في تونس وحده بل كان انكساراً في وجدان الدولة التي فقدت بوصلتها وبدأت تتخبط في صراعاتها الداخلية حتى جاء الهلاليون ليكملوا مشهد الدمار.

كانت إفريقية في عهد المعز بن باديس تعيش وهم القوة بينما كانت القواعد التحتية تنهار.
تمرد بن سندي كان جرس الإنذار الذي لم يسمعه أحد في القيروان أو ربما سمعوه وحاولوا إخراسه بالقوة ظناً منهم أن السيطرة على الأرض تكفي للسيطرة على القلوب.
لكن تونس علمتهم أن الأرض بلا ناس هي مجرد تراب وأن السيادة التي لا تستند إلى رضا الرعية هي مجرد وهم سيبدده أول ريح قادمة من الشرق. وهكذا يظل عروس بن سندي شخصية إشكالية، بطلاً في نظر تونس ومتمرداً في نظر القيروان ومحطة إجبارية لكل من يريد فهم كيف تشكلت الدولة في هذا الجزء من العالم.

يبرز تمرد عروس بن سندي كأحد أعقد الفصول في التاريخ الوسيط لبلادنا، فصل يختزل صراع البقاء والطموح ويكشف عن الهشاشة البنيوية للدول التي تقوم على الغلبة العسكرية وحدها.
تونس تلك العروس التي تمردت على سنديها وسلطانها ظلت تنزف لسنوات لكن نزيفها كان هو الثمن الضروري لتنحت ملامحها المستقلة في صخر التاريخ.
إنها حكاية لا تنتهي بانتهاء الحصار بل تبدأ منها رحلة البحث عن وطن يتسع لكل أبنائه بعيداً عن مركزية السلطان وعصبية القبيلة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال