بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الصندوق الأسود للأقسام: حين يتحول “الترويض” إلى جهاز لإخفاء الأعطاب وإنتاج وهم التربية في عصر الشاشات

2026-04-23 24 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تمهيد: من داخل الحصة… حيث لا يبدأ التعلم

في حصة هذا اليوم، لم يكن السؤال: ماذا سيتعلم التلاميذ؟ بل كيف يمكن الحفاظ على حدّ أدنى من التماسك داخل فضاء مهدد بالانفجار في كل لحظة. بدا القسم مستقراً، لكن هذا الاستقرار ليس علامة حياة تربوية، بل شكل من أشكال “تجميد” التوتر داخل زمن مدرسي لا يُستثمر في إنتاج المعنى بقدر ما يُستهلك في إدارة الإمكان المستمر للفوضى. هنا لا يبدأ التعلم بقدر ما يبدأ ضبطه، ويتحول الزمن إلى ما يشبه “زمنًا معطّل الدلالة”، حيث تمر الحصة دون أن تُنتج أثرًا معرفيًا حقيقيًا. وهذا ما يجعل القسم أقرب إلى “صندوق أسود” يسجل الوقائع دون أن يكشف بنيتها، وهو منطق يقترب من تحليل (Michel Foucault, 1975) حول اشتغال المؤسسات بوصفها أجهزة ضبط تعمل في العمق أكثر مما تظهر على السطح.

1. القسم كصندوق أسود: تسجيل بلا فهم

داخل هذا الفضاء، لا تختفي الأعطاب بل تتراكم في شكل وقائع صامتة: تلميذ لا يفهم لكنه لا يسأل، آخر يرفض لكنه يُجبر على الامتثال اللحظي، وثالث حاضر بجسده وغائب بوعيه. الظاهر هو انتظام القسم، لكن الباطن هو تفكك العلاقة بين الفعل التعلمي ومعناه. هنا يتحول القسم إلى جهاز تسجيل للفشل أكثر من كونه فضاء لتجاوزه، حيث تُدار التوترات بدل تفكيكها، ويُنتج الصمت كبديل عن الفهم. وهذا يقربنا من منطق المحاكاة كما يصفه (Jean Baudrillard, 1981)، حيث تصبح الصورة بديلاً عن الواقع وتغطي فراغه.

2. تلميذ "الشاشة": حين يصطدم التدفق الرقمي برتابة القسم

لا يمكن فهم الأعطاب المسجلة في الصندوق الأسود دون استحضار المتغير الرقمي الهيكلي. تلميذ اليوم هو نتاج "تنشئة سيبرانية" مفرطة؛ حيث تشكل الشاشات وتدفق الفيديوهات القصيرة (تيك توك، ريلز) أجهزته الإدراكية. تعود هذا الجيل على "السرعة" و"الإثارة البصرية" و"الإشباع الفوري"، وحين يصطدم بجدران القسم ورتابة الدرس التقليدي، يحدث نوع من القطيعة الأنطولوجية. يصبح الصمت المدرسي بالنسبة إليه "حرماناً حسياً"، وتتحول الكتابة والتحليل إلى مهام "شاقة" مقارنة بسهولة "التمرير" (Scrolling). هنا، يضطر المدرس لممارسة "الترويض" ليس لضبط السلوك فحسب، بل لكبح "التشتت الذهني" الهيكلي، محاولاً السيطرة على عقول هاجرت جسدياً إلى "الواقع الفائق" (Jean Baudrillard, 1981) الرقمي.

3. الترويض كبديل عن التدريس: من المعرفة إلى الضبط

حين يتحول الترويض إلى منطق يومي، لا يعود التدريس فعلًا معرفيًا بل ممارسة لضبط السلوك. يتراجع بناء المفاهيم لصالح إدارة الحركة داخل القسم: الجلوس، الصمت، الاستجابة، الامتثال. في هذا السياق، يصبح المدرس فاعلًا داخل جهاز ضبط أكثر منه منتجًا للمعرفة، ويتحول التعلم من علاقة بالمعنى إلى علاقة بالامتثال. هذا التحول ينسجم مع تحليل (Michel Foucault, 1975) الذي يبيّن كيف تُنتج المؤسسات الحديثة “أجسادًا طيّعة” عبر تقنيات المراقبة والتطبيع. لكن الأهم أن هذا الضبط لا ينتج انسجامًا معرفيًا، بل يخفي تفككًا أعمق في علاقة التلميذ بالمدرسة.

4. التلميذ: من ذات متعلمة إلى أثر داخل نظام متشظٍ

السلوكيات التي تظهر داخل القسم ليست مجرد انحرافات فردية، بل علامات على انقطاع العلاقة بين التلميذ والمعنى التربوي. التلميذ لا يعارض النظام بقدر ما يعبر عن فراغه الداخلي. لكن هذا التعبير يُقابل بمزيد من الترويض بدل الفهم، مما يعمق الانفصال بين الفعل التعلمي ومعناه. وهنا يتقاطع التحليل مع (Louis Althusser, 1970) الذي يرى أن المؤسسات لا تعيد إنتاج الطاعة فقط، بل تعيد إنتاج التناقضات داخل الذوات نفسها.

5. اللامعيارية: تفكك القاعدة لا غيابها

ما يحدث داخل الأقسام يجد تفسيره في سياق أوسع يتمثل في اللامعيارية، أي تفكك المرجعيات المشتركة التي تنظّم السلوك. لم تعد الأسرة والمدرسة تتقاسمان نفس القيم، ولم يعد الخطاب الاجتماعي يمنح سلطة واضحة للمربي. يدخل التلميذ إلى القسم وهو يعيش تعددًا متصادمًا بين مرجعيات مختلفة، مما يجعل الامتثال نفسه هشًا ومؤقتًا. وهذا ما يحلله (mile Durkheim, 1897) حين يربط اللامعيارية بتفكك الإطار القيمي الذي يمنح الفعل الاجتماعي استقراره.

6. القوانين وحماية الطفل: اختلال التوازن التربوي

رغم أهمية حماية الطفل كمنجز حقوقي، فإن تطبيقها داخل المدرسة أحدث أحيانًا اختلالًا في توازن السلطة التربوية. حين تُفهم الحماية كتحييد لسلطة المدرس، يصبح هذا الأخير أقل قدرة على التدخل وأكثر ترددًا في إدارة السلوك. في هذا السياق، يتحول الترويض إلى بديل سريع لإدارة الفوضى، لأنه يحقق الاستقرار الظاهري دون معالجة الأسباب. وهو ما ينسجم مع تحليل (Louis Althusser, 1970) لأجهزة الدولة حين تعمل على إعادة إنتاج النظام عبر آليات غير مباشرة.

7. سقوط هيبة المربي: انهيار العلاقة قبل السلطة

سقوط هيبة المدرس لا يُختزل في فقدان الاحترام، بل هو تحول أعمق في بنية العلاقة التربوية نفسها. لم يعد المدرس مرجعًا معرفيًا أو رمزيًا، بل فاعلًا محدود التأثير داخل منظومة تتجاوزه. هذا التآكل الرمزي يجعل الترويض محاولة لتعويض سلطة مفقودة، لكنه تعويض هش لأنه لا يقوم على اعتراف، بل على ضغط ظرفي. وهنا يتقاطع التحليل مع (Michel Foucault, 1975) الذي يربط السلطة بكونها علاقة لا تشتغل إلا داخل شبكة من الاعترافات المتبادلة.

8. وهم التربية: حين يتحول الظاهر إلى بديل عن الحقيقة

ما يبدو داخل القسم—هدوء، انتظام، صمت—ليس بالضرورة علامة على التعلم، بل قد يكون غطاءً لفراغ معرفي عميق. يتم قياس ما هو مرئي (السلوك) بدل ما هو غير مرئي (الفهم)، فتتحول التربية إلى مظهر إداري أكثر منها فعلًا معرفيًا. وهنا تكتمل قراءة (Jean Baudrillard, 1981): ما نعيشه ليس تعليمًا بقدر ما هو محاكاة للتعليم، حيث يُستبدل الأصل بالتمثيل والمعنى بالصورة.

9. الترويض كجهاز: من الانضباط إلى إنتاج التشظي

الترويض لم يعد تقنية ظرفية، بل أصبح جهازًا يشتغل عبر: اختزال التعلم في الامتثال، تحويل الصمت إلى معيار للجودة، إدارة السلوك بدل إنتاج المعنى، وإخفاء الأعطاب بدل تفكيكها. لكن المفارقة أن هذا الجهاز لا ينتج وحدة، بل يزيد من التشظي الداخلي بين التلميذ والمعرفة، وبين المدرس ومهمته، وبين المدرسة ووظيفتها. وهنا يمكن فهمه لا فقط كجهاز انضباطي عند (Michel Foucault, 1975)، بل أيضًا كـ“آلة اجتماعية” بالمعنى الذي يطوره (Gilles Deleuze, 1980)، حيث لا يهم انسجام النتائج بقدر ما يهم استمرار الاشتغال رغم التناقض.

خاتمة: هل نربي أم نؤثث العدم؟

إنّ ما يحدث داخل الأقسام اليوم يتجاوز مجرد "صعوبات تعلم" أو "مشاكل انضباط"؛ إنه إعلان عن تحول المدرسة إلى "ثقب أسود" يبتلع المعنى ويعيد إنتاج الصمت. نحن لا نفتح عقولاً، بل نؤثث فضاءات بالتماثيل، ولا نبني ذواتاً، بل نروض أجساداً مبرمجة سلفاً خلف الشاشات. وإذا كان الترويض هو الحل الإجرائي المتاح، فإنّ الجريمة التربوية الكبرى هي استلاب إنسانية التلميذ والمدرس معاً لصالح "استقرار شكلي" كاذب. لقد نجحنا في إنتاج "وهم التربية"، لكننا فشلنا في بناء "الحدث التربوي"، واكتفينا بمشاهدة السطح الهادئ للصندوق الأسود، متناسين أنّ ما بداخله ليس سوى حطام معرفي وأعطاب تُدار بصمت، بانتظار لحظة الانفجار الكبرى خارج أسوار المدرسة.
هذا الواقع يضعنا أمام أسئلة المواجهة مع الذات:
إذا كان الترويض قد نجح في فرض الصمت، فهل نجح في بناء المعنى؟
هل النظام الظاهر داخل القسم يعكس فعلاً تعلماً، أم مجرد محاكاة لاستقرار غير موجود؟
هل نحمي الطفل فعلاً حين نُضعف موقع المربي، أم أننا نتركه فريسة لهشاشة أعمق داخل "زمن مدرسي ميت"؟
إلى أي حد أصبح التلميذ يطيع دون أن يتعلم، والمدرس يضبط دون أن يُدرّس؟
وأخيراً، السؤال لم يعد: كيف نُدرّس؟ بل: هل نملك الشجاعة للاعتراف بأننا توقفنا عن التربية وبدأنا في إدارة التشظي؟ وهل نملك الجرأة لفتح هذا الصندوق الأسود، أم سنظل نؤثث العدم وننتظر معجزة لن تأتي؟

المراجع:

1. Michel Foucault (1975), Surveiller et punir

2. mile Durkheim (1897), Le Suicide

3. Louis Althusser (1970), Idéologie et appareils idéologiques d’tat

4. Jean Baudrillard (1981), Simulacres et simulation

5. Gilles Deleuze (1980), Mille plateaux (avec Félix Guattari)

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال