تقديم:
على امتداد عقود طويلة، لم تكن الوظيفة العمومية مجرد مورد رزق أو إطار قانوني للعمل، بل كانت أحد أهم آليات الحراك الاجتماعي في تونس. فقد ارتبطت في المخيال الجماعي بالاستقرار والأمان والوجاهة الاجتماعية، وأصبحت حلمًا يراود آلاف الأسر التي رأت فيها طريقًا مضمونًا للخروج من الهشاشة وتحقيق الترقي الاقتصادي. وكان النجاح الدراسي ينتهي غالبًا بالحصول على وظيفة قارة تضمن راتبًا شهريًا منتظمًا، يمكّن الموظف من بناء منزل، واقتناء سيارة، وتكوين أسرة، وتعليم الأبناء، وتحسين موقعه داخل السلم الاجتماعي.
غير أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها المجتمع خلال العقود الأخيرة أعادت تشكيل هذه المعادلة بصورة عميقة، فأصبح السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت الوظيفة العمومية ما تزال تؤدي دورها التاريخي كمصعد اجتماعي أم أنها تحولت إلى ما يشبه "القفص الحديدي" الذي يمنح الاستقرار لكنه يحدّ من إمكانات الصعود. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تفكيك التحولات التي مست مكانة الوظيفة العمومية وعلاقتها بالحراك الاجتماعي والانتماء والأمل في المستقبل.
1. الوظيفة العمومية كمصعد للحراك الاجتماعي:
ساهمت الدولة الوطنية بعد الاستقلال في توسيع الجهاز الإداري وتعميم التعليم، فارتبطت الشهادة المدرسية بالاندماج في الوظيفة العمومية. وقد مثّل هذا المسار نموذجًا لما يسميه بيير بورديو (Pierre Bourdieu, 1979) بتحويل الرأسمال الثقافي إلى رأسمال اقتصادي واجتماعي، حيث كانت الدراسة والاستحقاق المدرسي يفتحان أبواب الترقي الاجتماعي أمام أبناء الفئات الشعبية والوسطى.
ولم يكن الموظف العمومي يتمتع فقط بدخل قار، بل كان يحظى أيضًا بمكانة رمزية واحترام اجتماعي جعل من الوظيفة العمومية هدفًا جماعيًا تسعى إليه الأسر والأفراد على حد سواء. وكانت الأجرة الشهرية، رغم تواضعها أحيانًا، تسمح بالتخطيط للمستقبل، واقتناء مسكن، وبناء الثروة العائلية تدريجيًا، وهو ما جعل الوظيفة العمومية إحدى أهم أدوات الإدماج الاجتماعي خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
كما لعبت المدرسة العمومية دور الحلقة الوسيطة بين الأصل الاجتماعي والترقي المهني، إذ كانت الشهادة العلمية تمثل في كثير من الحالات جسرًا فعليًا للانتقال من أوضاع اجتماعية متواضعة إلى أوضاع أكثر استقرارًا. ولذلك ارتبطت الوظيفة العمومية في الوعي الجماعي بفكرة الاستحقاق والعدالة الاجتماعية، وأصبحت أحد الأعمدة التي قامت عليها الطبقة الوسطى الحديثة في تونس.
2. تآكل القدرة الشرائية وانكسار الوعد التاريخي:
شهدت العقود الأخيرة تغيرات اقتصادية عميقة تمثلت في ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار العقارات والسيارات والخدمات الأساسية بوتيرة أسرع من نمو الأجور. ونتيجة لذلك، تراجعت قدرة الراتب الشهري على تحقيق ما كان يحققه سابقًا من مشاريع وأهداف حياتية. فأصبح بناء منزل أو اقتناء مسكن أو توفير مستوى عيش مريح يتطلب موارد إضافية تتجاوز الدخل الوظيفي التقليدي.
وهكذا بدأت الوظيفة العمومية تفقد جزءًا من قدرتها التاريخية على تحويل الاستقرار الوظيفي إلى ارتقاء اقتصادي فعلي، ما أدى إلى اهتزاز الصورة التي ارتبطت بها لعقود طويلة.
ولم يقتصر الأمر على تراجع القدرة الشرائية فحسب، بل ارتبط أيضًا بإحساس متزايد باختلال العدالة الاجتماعية داخل منظومة الأجور نفسها. فالمستوى التعليمي والشهادات العلمية لا يبدوان دائمًا العامل الحاسم في تحديد الأجرة الشهرية، إذ تتفاوت المداخيل بصورة لافتة بين أسلاك ومؤسسات عمومية مختلفة رغم تقارب المؤهلات العلمية أو المسؤوليات المهنية.
وقد أفرزت تراكمات تاريخية ونظم أساسية قطاعية ومنظومات منح وتعويضات خاصة فجوات كبيرة في الأجور بين موظفي الدولة، بحيث أصبح الانتماء إلى قطاع معين أكثر تأثيرًا أحيانًا من مستوى التكوين الأكاديمي في تحديد الدخل.
ولم تتشكل هذه الفوارق فقط بفعل الأنظمة الأساسية والمنح القطاعية، بل ساهمت فيها أيضًا موازين القوى التفاوضية داخل الحقل النقابي. فقد تمكنت بعض القطاعات من تحقيق مكاسب مالية وتحسينات في الأجور أكبر من غيرها، تبعًا لقدرتها على الضغط والتفاوض وموقعها داخل أولويات العمل النقابي. وفي المقابل، ظلّت قطاعات أخرى، ومن بينها قطاع التعليم في فترات عديدة، تعتبر أن حجم التضحيات المهنية والحراك الاحتجاجي الذي خاضته لم ينعكس بالقدر نفسه على مستوى الأجور والمنح مقارنة بقطاعات أخرى.
وهو ما غذّى شعورًا متناميًا بأن التفاوتات لا تُفسَّر فقط بمعايير الكفاءة أو المؤهلات العلمية، بل أيضًا بقدرة كل قطاع على فرض مطالبه داخل فضاء التفاوض الاجتماعي.
ويزداد هذا الإحساس حدة عندما يتعلق الأمر ببعض المنح الاجتماعية التي لم تواكب التحولات الاقتصادية ولا الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة. فما تزال بعض المنح، مثل منحة الأجر الوحيد ومنحة الأبناء، قائمة على مقادير مالية تعود في جزء من فلسفتها وقيمتها إلى عقود طويلة مضت، دون مراجعات جوهرية تضمن الحفاظ على دورها الاجتماعي الأصلي.
ومع تراجع قيمة العملة وارتفاع الأسعار بصورة متواصلة، فقدت هذه المنح جزءًا كبيرًا من قدرتها الفعلية على دعم الأسر، وأصبحت أقرب إلى مكاسب رمزية محدودة الأثر منها إلى أدوات حقيقية لتحسين القدرة الشرائية أو التخفيف من الأعباء المعيشية.
وفي سياق تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة، لم يعد راتب الموظف العمومي يُستخدم فقط لتغطية الحاجيات الشهرية، بل أصبح في حالات عديدة مرتبطًا بمنظومة واسعة من الالتزامات المالية المسبقة، وعلى رأسها القروض البنكية والسلفات ومختلف أشكال التداين الاستهلاكي.
فأعداد متزايدة من الموظفين باتت تجد نفسها مضطرة إلى تخصيص جزء مهم من الدخل الشهري لخلاص أقساط قروض السكن أو السيارة أو القروض الشخصية، بما يجعل جزءًا من الراتب مستهلكًا قبل الحصول عليه فعليًا. وبهذا المعنى، لم يعد الأجر يمثل دخلًا حرًا يتيح توسيع هامش الاختيار أو الاستثمار، بل أصبح في كثير من الأحيان دخلًا مقيدًا بسلسلة من الالتزامات المالية طويلة الأمد.
ولا يقتصر أثر هذا الوضع على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى الجانب النفسي والاجتماعي، حيث يتراجع الإحساس بالأمان الذي كانت الوظيفة العمومية توفره تاريخيًا، ليحل محله شعور دائم بالضغط المالي والخوف من الطوارئ غير المتوقعة. وهكذا يتحول الاستقرار الوظيفي نفسه إلى استقرار هش، لا يمنع الإحساس بعدم اليقين تجاه المستقبل.
ومن ثمّ لا يعود النقاش مقتصرًا على ضعف الأجور في حد ذاته، بل يمتد إلى مسألة العدالة في توزيعها، وما يترتب عن ذلك من إحباط مهني وتراجع الثقة في قدرة الوظيفة العمومية على تجسيد المساواة وتكافؤ الفرص بين موظفيها.
3. معضلة الإنتاجية وتآكل معنى العمل:
لا تتوقف أزمة الوظيفة العمومية عند حدود الأجور أو العدالة التوزيعية، بل تمتد إلى بنية العمل داخلها، حيث تتراجع الإنتاجية الفعلية لصالح منطق الاستمرارية الإدارية. فالبيروقراطية بما تفرضه من إجراءات وتدرجات، تجعل جزءًا من العمل أقرب إلى إعادة إنتاج اليومي منه إلى خلق القيمة. وفي هذا السياق، تتسع ظاهرة "البطالة المقنعة"، حيث لا يعكس المنصب بالضرورة حجم الإضافة الفعلية، بقدر ما يعكس القدرة على التكيف مع النسق الإداري.
ويؤدي هذا الوضع إلى انفصال تدريجي بين الجهد المبذول والمعنى المكتسب من العمل، بحيث يفقد الموظف الإحساس بأن ما يقوم به يترجم أثرًا اجتماعيًا ملموسًا. وقد أشار كارل ماركس (Karl Marx, 1867) إلى هذا الشكل من الاغتراب الذي يجعل العامل منفصلًا عن معنى إنتاجه، كما يوضح إميل دوركايم (mile Durkheim, 1893) كيف يمكن لتفكك الروابط العضوية داخل العمل أن يضعف الإحساس بالقيمة الجماعية للفعل المهني. وهكذا يتحول العمل إلى روتين مستمر أكثر من كونه مساهمة فعالة في مشروع اجتماعي مشترك.
ولا يقتصر الأمر على الأفراد فحسب، بل ينعكس أيضًا على صورة المؤسسة العمومية نفسها. فكلما اتسعت الفجوة بين الجهد المبذول والنتائج المحققة، وبين الإجراءات والنجاعة، تراجع الإحساس العام بقدرة الإدارة على إنتاج قيمة اجتماعية تتناسب مع حجم الموارد البشرية والمالية التي توظفها.
ويزداد هذا التحدي عمقًا مع التحول الرقمي المتسارع وصعود تطبيقات الذكاء الاصطناعي، إذ أصبحت العديد من المهام الإدارية الروتينية القائمة على معالجة الملفات والوثائق وإدارة الإجراءات قابلة للمعالجة الآلية بدرجات متفاوتة. ومن ثمّ لا تواجه الوظيفة العمومية فقط أزمة مردودية أو تراجعًا في القدرة الشرائية، بل تواجه أيضًا تحديًا يتعلق بإعادة تعريف أدوارها ووظائفها في سياق تكنولوجي جديد.
4. صعود اقتصاد المهارة والعمل الحر:
في المقابل، برزت خلال السنوات الأخيرة مسارات جديدة للحراك الاجتماعي خارج الإدارة العمومية. فقد أتاح الاقتصاد الرقمي والأسواق المفتوحة وازدياد الطلب على الخدمات التقنية والحرفية فرصًا جديدة لتحقيق الدخل والثروة. وأصبحت بعض المهن اليدوية المتخصصة والحرف التقنية والأنشطة الحرة تدرّ مداخيل تفوق أحيانًا ما يحصل عليه أصحاب الشهادات العليا في القطاع العمومي.
ويشير أولريش بيك (Ulrich Beck, 1986) إلى أن المجتمعات الحديثة تعرف تحولات تجعل المسارات المهنية أقل ارتباطًا بالمؤسسات التقليدية وأكثر ارتباطًا بقدرة الأفراد على التكيف والمبادرة. لذلك لم تعد الشهادة وحدها كافية لضمان النجاح الاقتصادي، بل أصبحت المهارة والخبرة والقدرة على استثمار الفرص عناصر حاسمة في بناء المكانة الاجتماعية.
كما ساهمت المنصات الرقمية والعمل عن بعد في توسيع هذه الإمكانات، حيث أصبح بالإمكان تقديم خدمات مهنية أو تقنية لأسواق عالمية دون مغادرة البلد. وبذلك لم يعد الارتقاء الاجتماعي مرتبطًا حصريًا بالمؤسسات الوطنية الكبرى أو بالإدارة العمومية، بل بات مرتبطًا بشكل متزايد بالقدرة على اكتساب المهارات المطلوبة عالميًا وتحويلها إلى قيمة اقتصادية.
وم ذلك، فإن هذه المسارات الجديدة لا تخلو من المخاطر، فهي تقوم غالبًا على منطق المنافسة المستمرة وعدم الاستقرار النسبي للدخل، بما يجعلها فضاءات تجمع بين فرص الصعود السريع وإمكانية التعثر السريع في الوقت نفسه.
5. الاستقرار في مواجهة الطموح:
رغم هذه التحولات، ما تزال الوظيفة العمومية تحتفظ بعناصر جاذبية مهمة تتمثل في الاستقرار القانوني والتغطية الاجتماعية والحقوق المهنية. غير أن هذا الاستقرار قد يتحول أحيانًا إلى ما وصفه ماكس فيبر (Max Weber, 1922) بـ"القفص الحديدي"، أي حالة من التنظيم العقلاني الصارم الذي يوفر الأمن لكنه يحدّ من المبادرة والمرونة.
فالموظف يجد نفسه داخل منظومة تمنحه ضمانات مهمة، لكنها لا تتيح دائمًا فرصًا كبيرة لتحسين دخله أو تطوير مساره المهني بالوتيرة التي تسمح بها بعض الأنشطة الخاصة. وهنا ينشأ التوتر بين البحث عن الأمان من جهة، والرغبة في تحقيق طموحات اقتصادية واجتماعية أكبر من جهة أخرى.
ورغم تراجع قدرة الوظيفة العمومية على تحقيق الصعود الاقتصادي الذي كانت توفره في السابق، فإنها ما تزال تحتفظ بقوة رمزية وثقافية كبيرة داخل المخيال الاجتماعي التونسي. فالثقافة الشعبية ما تزال تنظر إلى الوظيفة القارة وهو ما يعبر عنه ب "مسمار في الحيط"، أي ضمانة ضد المخاطر والتقلبات وعدم اليقين. لذلك لا يُفسَّر الإقبال المستمر على المناظرات العمومية فقط بعوامل اقتصادية أو مهنية، بل أيضًا باستمرار منظومة من القيم الموروثة التي تربط النجاح الاجتماعي بالاستقرار الوظيفي أكثر مما تربطه بالمبادرة الفردية أو روح المغامرة الاقتصادية.
وفي هذا السياق، يجد كثير من الشباب أنفسهم بين منظومتين قيميّتين متعارضتين: الأولى موروثة من أجيال سابقة عاشت زمن صعود الدولة الوطنية وكانت ترى في الوظيفة العمومية المسار الطبيعي للنجاح الاجتماعي، والثانية تفرضها تحولات الاقتصاد المعاصر الذي يكافئ المرونة والمهارة والمبادرة والقدرة على اقتناص الفرص. ومن ثمّ لا يتعلق الأمر بمجرد اختيار مهني بين القطاعين العام والخاص، بل بصراع أعمق بين ثقافة الأمان وثقافة المخاطرة، وبين نموذج اجتماعي آخذ في الأفول ونموذج جديد لم تتحدد ملامحه النهائية بعد.
وتزداد حدة هذا التوتر كلما اتسعت الفجوة بين الصورة التاريخية للوظيفة العمومية والواقع الاقتصادي الجديد. فالأجيال الجديدة تتلقى من الأسرة والمحيط الاجتماعي رسائل متناقضة؛ إذ يُطلب منها السعي وراء الاستقرار الوظيفي من جهة، بينما تكشف التجارب اليومية أن فرص الارتقاء الاقتصادي أصبحت تتشكل بدرجة متزايدة خارج الفضاء الإداري التقليدي.
وهكذا لم تعد الوظيفة العمومية تمثل بالنسبة إلى الجميع أفقًا للنجاح، بل أصبحت بالنسبة إلى فئات متزايدة أفقًا للاستقرار فقط، وهو تحول عميق في معناها الاجتماعي والتاريخي.
6. تحولات القيم الاجتماعية وسقوط الطبقة الوسطى:
لم تتغير الأوضاع الاقتصادية فقط، بل تغيرت أيضًا نظرة المجتمع إلى النجاح والعمل، في سياق أعمق يمس البنية الاجتماعية نفسها. ففي السابق كان الموظف العمومي يمثل نموذج النجاح والاستقرار، أما اليوم فقد برزت نماذج جديدة ترتبط بريادة الأعمال والابتكار والعمل الحر والاستثمار. ويذهب آلان تورين (Alain Touraine, 1969) إلى أن التحولات الاجتماعية الكبرى تعيد تشكيل القيم والمعايير التي تحدد المكانة الاجتماعية للأفراد.
وفي هذا السياق، برزت أيضًا دينامية جندرية واضحة تتمثل في تزايد "تأنيث" الوظيفة العمومية، خاصة في قطاعات التعليم والصحة والإدارة. فقد أصبحت هذه الوظائف تمثل بالنسبة لعدد متزايد من النساء فضاءً يوفر الأمان القانوني والاجتماعي، واستقرارًا في أوقات العمل، وإمكانات أفضل للتوفيق بين الحياة المهنية والحياة الأسرية. في المقابل، اتجه عدد أكبر من الرجال نحو القطاع الخاص أو الهجرة أو العمل الحر بحثًا عن مداخيل أعلى وفرص صعود أسرع.
وهكذا لم تعد الوظيفة العمومية مجرد اختيار مهني، بل أصبحت أيضًا انعكاسًا لإعادة توزيع صامتة للأدوار الجندرية داخل سوق الشغل، حيث يتحول منطق الأمان إلى عنصر موجه لاختيارات النساء بشكل أكبر، بينما تُسند طموحات الصعود الاقتصادي إلى مسارات خارجها.
وفي العمق، يكشف هذا التحول عن مسار أكثر بنيوية يتمثل في تآكل الطبقة الوسطى، تلك التي كانت الوظيفة العمومية أحد أهم مصانعها. فقد كانت هذه الطبقة تمثل صمام توازن اجتماعي يخفف من حدة الفوارق ويضمن استقرارًا نسبيًا في السلم الاجتماعي. غير أن تراجع قدرتها على الاستمرار بنفس القوة أدى إلى إعادة فرز اجتماعي أكثر حدة، حيث تتسع الفجوة بين فئات تستفيد من الاقتصاد الحر أو الموازي، وأخرى تبقى محصورة داخل دخل ثابت لا يواكب التحولات.
وبهذا المعنى، لا يتعلق الأمر فقط بتغير مهني، بل بإعادة تشكيل البنية الطبقية نفسها داخل المجتمع. فكلما ضعفت قدرة الوظيفة العمومية على إنتاج الطبقة الوسطى، تراجعت إحدى أهم آليات الاستقرار الاجتماعي التي قامت عليها الدولة الوطنية خلال عقود طويلة.
7. تراجع منسوب الانتماء والهجرة كخروج رمزي:
لم تعد العلاقة بين الموظف ووظيفته العمومية تُبنى فقط على عقد قانوني أو مقابل مادي، بل كانت تقوم أيضًا على شعور بالانتماء إلى مؤسسة تؤدي وظيفة اجتماعية ووطنية. غير أن هذا الشعور تراجع تدريجيًا تحت ضغط الفجوة بين الجهد والمردود، وتراجع الاعتراف الرمزي، وتآكل صورة الوظيفة العمومية كمجال للترقي الاجتماعي.
ويشير إميل دوركايم (mile Durkheim, 1893) إلى أن تماسك المجتمعات يقوم على أشكال من التضامن تجعل الفرد يشعر بالاندماج داخل كيان أكبر منه. لكن عندما تضعف هذه الروابط يتراجع الإحساس بالانتماء.
ومن هذا المنظور، لا تبدو الهجرة مجرد انتقال جغرافي نحو فضاء اقتصادي أكثر جاذبية، بل تعبيرًا عن بحث أعمق عن الاعتراف والانتماء في فضاءات يُعتقد أنها أكثر إنصافًا. ولذلك يمكن فهم جزء من موجات هجرة الكفاءات والموظفين العموميين بوصفها رد فعل على تآكل الأفق المهني والاجتماعي داخل المجال الوطني.
فالهجرة هنا لا تعني فقط مغادرة مكان إلى آخر، بل تمثل أيضًا شكلًا من أشكال الخروج الرمزي من منظومة لم تعد قادرة، في نظر كثيرين، على تحقيق ما وعدت به سابقًا من استقرار وترقٍ واعتراف اجتماعي.
وعندما تصبح الهجرة حلمًا متناميًا داخل قطاعات كانت تاريخيًا عنوانًا للاستقرار، فإن ذلك يكشف عن تحول عميق في علاقة الأفراد بالمؤسسات العمومية، وعن اهتزاز الرابط الرمزي الذي كان يشد الموظف إلى دولته ومجتمعه ومهنته.
خاتمة:
لا يبدو أن أزمة الوظيفة العمومية تكمن فقط في البيروقراطية أو محدودية الأجور، بل في التحول العميق الذي أصاب موقعها داخل البنية الاجتماعية والاقتصادية والرمزية للمجتمع. فقد كانت في مرحلة تاريخية معينة مصعدًا فعّالًا للحراك الاجتماعي، لكنها تواجه اليوم تحديات تمس قدرتها على إنتاج العدالة والمعنى والانتماء والطبقة الوسطى نفسها.
لقد أدى تراجع القدرة الشرائية، واتساع الفوارق بين القطاعات، وتنامي التداين، وتآكل بعض المكاسب الاجتماعية، إلى إضعاف الوعد التاريخي الذي حملته الوظيفة العمومية لأجيال متعاقبة. كما ساهمت البيروقراطية والبطالة المقنعة وتراجع الإحساس بجدوى العمل في إضعاف المعنى الرمزي للمهنة العمومية.
وفي المقابل، فتحت التحولات الرقمية والاقتصاد القائم على المهارة والعمل الحر آفاقًا جديدة للصعود الاجتماعي خارج المؤسسات التقليدية، بينما دفعت الهجرة أعدادًا متزايدة من الكفاءات إلى البحث عن الاعتراف والفرص في فضاءات أخرى.
وفي الوقت نفسه، ما تزال الوظيفة العمومية تحتفظ بجاذبية ثقافية قوية باعتبارها رمزًا للأمان والاستقرار، وهو ما يجعلها تقف اليوم عند مفترق طرق بين نموذج اجتماعي قديم يقوم على الضمان الوظيفي، ونموذج جديد يقوم على المبادرة والمرونة والمهارة.
وهكذا يصبح السؤال أعمق من مجرد إصلاح إداري أو مراجعة للأجور، إذ يتعلق بإعادة تعريف دور الوظيفة العمومية داخل مجتمع يتغير بسرعة، وبقدرتها على التكيف مع التحولات التكنولوجية والاقتصادية والثقافية التي تعيد رسم معاني النجاح والحراك الاجتماعي.
فهل ما تزال الوظيفة العمومية قادرة على إنتاج الطبقة الوسطى كما في السابق؟ أم أن الاقتصاد الجديد يعيد توزيع فرص الصعود خارجها؟ وهل نحن أمام تعديل في النموذج الاجتماعي أم أمام تحوله الجذري؟
وأخيرًا:
هل يمكن إعادة بناء "القفص الحديدي" ليصبح إطارًا للإبداع والإنتاج والابتكار بدل أن يكون حدًا للحركة والطموح؟
المراجع:
1. Bourdieu, P. (1979). La Distinction : Critique sociale du jugement. ditions de Minuit.
2. Weber, M. (1922). conomie et Société. Plon.
3. Marx, K. (1867). Le Capital. ditions sociales.
4. Durkheim, . (1893). De la division du travail social. Presses Universitaires de France.
4. Beck, U. (1986). La Société du risque. Aubier.
5. Touraine, A. (1969). La Société post-industrielle. Denoël.
القفص الحديدي للوظيفة العمومية: حين فقد المصعد الاجتماعي قدرته على الصعود
2026-06-02
35 قراءة
مقالات رأي
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال