بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

من غزة إلى واشنطن... هل دخل العالم عصر «حرب الظلال»؟

2026-07-13 5 قراءة مقالات رأي صدقي الزهدي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
من غزة إلى واشنطن... هل دخل العالم عصر «حرب الظلال»؟
من غزة إلى واشنطن... هل دخل العالم عصر «حرب الظلال»؟

لم تعد الحرب في غزة حدثًا عسكريًا محليًا، ولا مجرد فصل جديد من الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بل تحولت إلى نقطة ارتكاز في مشهد دولي تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى، وتتشابك فيه أدوات الصراع التقليدية مع أشكال جديدة من المواجهة. فمنذ السابع من أكتوبر، لم تعد الحرب تُدار بالصواريخ والطائرات وحدها، بل باتت تُخاض أيضًا عبر أجهزة الاستخبارات، والعقوبات الاقتصادية، والهجمات السيبرانية، والحرب النفسية، وإدارة السرديات الإعلامية. وبذلك دخل العالم، على ما يبدو، مرحلة يمكن وصفها بـ«حرب الظلال»، حيث لا تكون كل المعارك معلنة، ولا كل الرسائل مباشرة.

وفي هذا السياق، اكتسبت وفاة السناتور الجمهوري الأمريكي ليندسي غراهام أهمية استثنائية، ليس بسبب موقعه السياسي فحسب، بل أيضًا لما مثّله من رمزية داخل تيار المحافظين الأمريكيين بوصفه أحد أبرز الداعمين لإسرائيل، ومن أكثر السياسيين دفاعًا عن استمرار العمليات العسكرية في قطاع غزة، فضلًا عن مواقفه المتشددة تجاه إيران وروسيا.

وقد أعلنت السلطات الأمريكية أن الوفاة ناجمة عن أسباب طبية، غير أن توقيتها، المتزامن مع تصاعد التوتر الإقليمي، ومع صدور تصريحات من مجتبى خامنئي أكد فيها أن المسؤولين عن استهداف القيادة الإيرانية «سيدفعون الثمن»، فتح الباب أمام موجة واسعة من التأويلات والتكهنات. ومع ذلك، فإن أي ربط مباشر بين الحدثين يبقى، في غياب أدلة معلنة أو نتائج تحقيقات رسمية، ضمن دائرة الفرضيات التي لا ترقى إلى مستوى الحقيقة المثبتة.

ولم يكن هذا الحدث الوحيد الذي غذّى مناخ الغموض. فقد أثار قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استخدام طائرة رئاسية مختلفة خلال رحلة العودة من قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة موجة من التساؤلات. فبينما رأت بعض التحليلات أنه إجراء أمني احترازي، ذهبت قراءات أخرى إلى ربطه بتقديرات أمنية مرتبطة بتصاعد التوتر مع إيران. وحتى الآن، لم يصدر تفسير رسمي يحسم أسباب هذا القرار، الأمر الذي يعكس طبيعة المرحلة التي أصبحت فيها الوقائع المحدودة تنتج روايات متنافسة تتجاوز حجم الحدث نفسه.

وفي الإقليم، جاءت وفاة الأمير الوالد لدولة قطر، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لتعيد إلى الواجهة مرحلة مفصلية من تاريخ القضية الفلسطينية، إذ ارتبط اسمه بأول زيارة يقوم بها زعيم عربي إلى قطاع غزة عام 2012، في خطوة حملت آنذاك دلالات سياسية وإنسانية عميقة، ورسخت حضور قطر لاعبًا رئيسيًا في ملفات الوساطة وإعادة الإعمار.

أما في مصر، فقد أثارت بعض المشاهد البروتوكولية خلال استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي بعثة المنتخب الوطني تفاعلات واسعة على المنصات الرقمية، حيث قرأها البعض بوصفها إجراءات بروتوكولية معتادة، بينما منحها آخرون دلالات سياسية ورمزية تتجاوز إطارها الرسمي. ويؤكد هذا الجدل أن عصر الإعلام الرقمي جعل كل صورة وكل حركة قابلة لإنتاج عشرات القراءات، في زمن أصبحت فيه الصورة جزءًا من أدوات الصراع السياسي والإعلامي.

إن الرابط الحقيقي بين هذه الوقائع ليس وجود مؤامرة واحدة تجمعها، ولا خيطًا سببيًا مباشرًا يفسرها، وإنما وقوعها جميعًا في مرحلة انتقالية يشهد فيها النظام الدولي تغيرات عميقة. فالتوازنات التي حكمت العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تتعرض اليوم لاختبارات متزايدة، بينما تتقدم قوى إقليمية ودولية لإعادة رسم خرائط النفوذ وموازين القوة.

ومن هذا المنطلق، تبدو الحرب في غزة أكثر من مجرد معركة على الأرض؛ فهي أصبحت مختبرًا سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا تتداخل فيه حسابات الولايات المتحدة وروسيا والصين وتركيا وإيران، كما باتت ساحة يُختبر فيها مستقبل النظام الدولي نفسه، وحدود قدرة المؤسسات الدولية على إدارة الأزمات، وفاعلية القانون الدولي في مواجهة الوقائع الجديدة.

لقد أظهرت هذه الحرب أن القوة العسكرية لم تعد وحدها تصنع الانتصارات، وأن المعلومة قد تكون أشد تأثيرًا من الصاروخ، وأن الشائعة قد تُحدث من الارتباك ما تعجز عنه الجيوش. لذلك أصبحت السيطرة على الرواية، وصناعة الإدراك، وإدارة الفضاء الإعلامي، جزءًا لا يتجزأ من معادلات القوة في القرن الحادي والعشرين.

ولعل أهم ما تكشفه هذه المرحلة هو أن العالم يغادر تدريجيًا منطق الحروب التقليدية نحو فضاء أكثر تعقيدًا، تختلط فيه الحدود بين السلم والحرب، وبين الحقيقة والدعاية، وبين الردع العسكري والردع النفسي. وفي مثل هذا السياق، يصبح التحقق من الأخبار، والتمييز بين الوقائع والتأويلات، ضرورة علمية وسياسية، لا مجرد التزام مهني.

إن «حرب الظلال» ليست حربًا بلا سلاح، بل هي حرب تتعدد فيها الأسلحة، وتتخفى فيها خطوط المواجهة، وتتسع ساحاتها من ميادين القتال إلى الفضاء الرقمي، ومن غرف العمليات إلى شاشات الهواتف. وربما يكون هذا هو العنوان الأبرز للمرحلة التي دخلها العالم منذ حرب غزة: مرحلة تتغير فيها قواعد الصراع، ويعاد فيها تشكيل النظام الدولي على وقع معارك لا يُرى معظمها بالعين المجردة، لكنها تترك آثارًا عميقة في السياسة والاقتصاد والأمن ومستقبل العلاقات الدولية.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال