شاهدت فلما قصيراً مضاد للعنصرية، مفاده، أن شخصاً ذو ملامح هندية، يرتدي الملابس الوطنية لبلاده، يقف في انتظار دوره عند سيطرة الجوازات في مطار لندن،، إثنان من رجال البوليس الحمقى، اعتقدا أنهما وجداً صيداً يمكن أن يلتهون به، ويثبتان قدارتهما العقلية، فأبديا شكوكهما السخيفة بالرجل انطلاقاً من سحنته السمراء وملابسه الوطنية، إذن هو مرشح لأن يكون إرهابي، نقبضه وننال خيطاً كترفيع / مكافئة. تطور الأمر إلى إهانته والاعتداء عليه، وفي خلال هذه الدقائق، نودي بالميكرفون أن كان هناك طبيب جراح اخصائي في المطار حالاً لإنقاذ حياة مسافر، مع ذكر العارض الطبي المستعجل، فأفلت الرجل الهندي من أيدي البوليس وهرع راكضاً بسرعة ووصل إلى المريض خلال دقائق، وعلى الفور شخص حالة المريض الذي يمر بحالة اختناق بين الحياة أو الموت، على مبعدة دقيقتان لا أكثر، طلب الرجل سكيناً بسيطة، تمكن بها من إحداث فتحة في حنجرة المصاب، وبقصبة مشروب تمكن من ضخ الهواء لرئة المصاب، وحين جاءت سيارة الإسعاف، كان المصاب قد أسترد وعيه، وأنقذت حياته من موت مؤكد.
الشرطيان ما يزالان واقفان وقد حاولا في البداية منع الرجل من إنقاذ المصاب ليواصلا العبث معه، والطبيب المسعف البريطاني الذي حضر، لم يكن ما يفعله سوى نقل المصاب للمستشفى، ولكنه سأل الرجل " سيدي ألست أنت البروفسور الجراح العالمي الهندي، المشهور بالعمليات الإنقاذية السريعة، فأجابه الرجل " نعم أنا هو ومدعو لحضور المؤتمر العالمي للجراحة السريعة في جامعة لندن غداً ".
ما كان للشرطيان وقد حازا بجدارة على بطولة العالم بالغباء، سوى التقدم والاعتذار من البروفسور الطبيب الهندي العالمي، اللذان لا يبلغ عقلهما مدى أوسع إلا من خلال تشخيص الناس من لون بشرتهم، أو ثيابهم. وبسبب غباءهما كانا سيقتلان مواطنا بريطانيا من دافعي الضرائب وهذا هو الشيئ الوحيد الذي يفهمانه .... أغلب الظن أن هذا الفلم مخصص ضد العنصرية واعتبارها غباءاً قد يؤدي إلى الموت،
ولكن هل ستنتهي العنصرية التي قد تكون قاتلة بهذا الفلم التثقيفي على روعته ... بالطبع لا، فالعنصرية قد غدت تياراً واسعاً، ومن المدهش، والمؤسف جداً القول، أن التعصب العنصري/ الديني هو وباء قد أستفحل حتى في البلدان " المتقدمة "، وضعت كلمة المتقدمة بين مزدوجتين، دلالة لشكي بمصطلح التقدم، فهل يمكننا أن نعتبر مستوى إنسانية الإنسان وعلمه وفهمه بلون بشرته، أو بعنصره، أو دينته أو طائفته ...؟ بالطبع لا يمكننا ذلك .. وبالتالي فإن الشرطيان البريطانيان، اظهرا من الغباء والحماقة درجة لا تؤهلهما إلا لمكب النفايات.
سأشير إلى أمر يبدو أنه مهم ..! ففي الدول الأقل دخلاً، الأقل تقدماً، مع أني لا أعتبر التقدم الاقتصادي دليل مطلق على التقدم، لا توجد عنصرية مطلقاً، ووفي أقطارنا لم نكن نعرف الطائفية، وبالدقة، لم يكن لها سوى إشعاع بسيط، لا يكاد يذكر، وكنا نعتبر أن من يتحدث بها، متخلفاً وبائساً.
اليوم نقول أن تقديراتنا تلك لم تكن خاطئة، بل كانت مصيبة واليوم يتكتل في معسكر العنصرية، اليمين والرجعية، والفئات الاجتماعية التي لا تدخل الثقافة من بين قيمها، بل، ملايس وأناقة الشخص، وسيارته، وبيوته ومنتجعاته ... وتحلله التام من الاخلاق، وشيوع الفساد الأسري / العائلي والجنسي والإباحية والشذوذ الجنسي . هذه مترافقة من التطرف العنصري والطائفي.
العنصري، والطائفي، قاصر التفكير، لأنه يفكر بجزء من عقله، ويصغر نفسه ليدخل مداخل ضيقة وصغيرة، عجباً ... يهجر الفضاء الواسع الرحيب، الذي يجعله صديقاً لكل ذكي ومثقف ومتحضر، وهذا البيت الإنساني الكبير الرائع، ليدخلك إلى غرف ضيقة مظلمة لا تليق بإنسان واع متنور .... وهذا الضيق والظلام لا توفر له الفرص ليتعلم ويدرس ويشاهد ويسمع، فهو قد كرس روحه لثقافة الظلام .. عيونه مصابة بالحول لا ينظر إلا من هم مصابين بالحول مثله ... وفوق هذا يزعم بأنه ديمقراطي ومتقدم ....!
تباً لتقدم كهذا ...!
تباً للطائفية والعنصرية
2026-06-22
21 قراءة
مقالات رأي
د. ضرغام عبد الله الدباغ
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال