بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

من الثغر إلى الكورنيش: جغرافيا الولاية والسياحة عند الباجي وبوجعفر وسيدي ظريف

2026-08-01 50 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
من الثغر إلى الكورنيش: جغرافيا الولاية والسياحة عند الباجي وبوجعفر وسيدي ظريف
ينتصب البحر الأبيض المتوسط في الذاكرة الحضارية المغاربية ليس فقط كمجال حيوي للتبادل والتجارة بل كمسرح جيوتاريخي مفتوح على شهوة الغزاة وتقلبات الصراع الإمبراطوري المتواصل عبر القرون.
وعلى هذا الشريط الساحلي لإفريقية الذي يمتد كوتر مشدود بين الشرق والغرب تبلورت واحدة من أعقد الظواهر السوسيومجالية في تاريخ الفكر الإسلامي ألا وهي جغرافيا الولاية والرباط .
لم تكن الرباطات الدفاعية مجرد حصون جدارية صماء اقتطعت من صخر الساحل لتصد غارات الأساطيل البيزنطية أو الفرسان الصليبيين بل كانت كائنات مجالية حية تتنفس عبر ثنائية وظيفية فذة تجمع بين اليقظة العسكرية لمراقبة الثغور البحرية وبين الاعتكاف الروحي والتصوف والزهد.
أفرزت هذه الدينامية ما يمكن تسميته بالمجال المقدس حيث تحولت التلول العارية والهضاب المرتفعة والشواطئ الموحشة إلى نقاط ارتكاز لرجال نذروا أرواحهم لحراسة الملة والدولة غير أن الصدمة الحداثية التي استهلت بالتغلغل الاستعماري في القرن التاسع عشر ثم مأسستها الدولة الوطنية في القرن العشرين أحدثت قطيعة بنيوية أدت إلى تجريد هذا المجال من حمولته القدسية والقتالية وإعادة إنتاجه عبر مسارات التثمير التراثي والاستهلاك السياحي ليتحول المرابط العابد من حارس للثغر إلى علامة تجارية وعنوان لمنتجع ترفيهي.
تستدعي دراسة هذا الانزياح السوسيومجالي غوصا أنثروبولوجيا في سير ثلاث قمم روحيّة تشكل أضرحتها اليوم مرتكزات للتمدد السياحي والعقاري وعلى رأسها الشيخ العالم الزاهد أبو سعيد خلف بن يحيى التميمي الباجي المولود سنة 1156 في قرية باجة القديمة الواقعة آنذاك بأحواز تونس العاصمة قرب منوبة قبل أن تندثر معالمها في غياهب التاريخ.
لم يكن الباجي في بواكير حياته سوى خياط بسيط في منزل مجاور لمسجد باب بحر بحاضرة تونس يفر من أضواء الشهرة والجاه مستعملا يده في الكسب العفيف بينما يستغرق عقله في أروقة جامع الزيتونة المعمور لتلقي العلوم الشرعية. نضجت شخصيته الروحية عبر مجالسة كبار أقطاب التصوف في عصره كأبي مدين الغوث وأبي مروان البوني وعبد العزيز المهدوي قبل أن يشد الرحال سنة 1207 إلى المشرق لأداء فريضة الحج حيث أقام بمكة المكرمة ثلاثة أعوام كاملة ثم زار الشام ليعود إلى تونس سنة 1209 محتملا متون ابن الجوزي والقشيري ومبشرا بتصوف معتدل ينبذ الشطح ويقترن بالعمل الشرعي.
أثمرت حلقة تدريسه عن تخرج قمم صوفية تشربت المنهج الشاذلي في بداياته وفي مقدمتهم أبو الحسن الشاذلي والسيدة المنوبية.
لكن الملمح الجيوسياسي الأكثر عمقا في سيرة الباجي تجسد في قراره الاستراتيجي بالانتقال إلى جبل المنار المعروف قديما بجبل المرسى وهو المرتفع الصخري الشاهق الذي يطل بزاوية كاشفة على خليج تونس بأكمله.
لم يكن اختياره لهذا الموقع عزلة صومعية مجردة من الحس الواقعي بل كان استجابة لضرورة رباطية عسكرية حاسمة
إذ كان الجبل منذ العهد البوني والفتوحات الإسلامية الأولى يتخذ برج مراقبة متقدما لرصد السفن المعادية والقراصنة. أنشأ الباجي خلوته وزاويته في أعالي الجبل ليمارس الرباط المزدوج ،التبتل الصوفي في ساعات الليل ومشاركة الحراس المجاهدين استطلاع أفق البحر في ساعات النهار لمواجهة أي إنزال عسكري يستهدف حاضرة تونس الحفصية.
ومن رحم هذه الممارسة الميدانية أسبغت الذاكرة الجمعية التونسية عليه لقب رايس الأبحار وهي كنية ذات دلالة سيميائية بالغة العمق تدمج بين السلطة الروحية والولاية على البحر وبين شخصية الخبير بالعلوم الدقيقة وحركة الملاحة. وبعد وفاته سنة 1231 عن عمر يناهز السابعة والسبعين ودقنه في خلوته بأعالي الجبل تحول الضريح إلى نقطة جذب روحية لكن الجغرافيا كانت تخبئ للمكان مصيرا آخر كليا.
بدأت أولى عمليات إعادة تشكيل هذا المجال المقدس مع صعود الدولة الحسينية في القرن الثامن عشر حين أمر مؤسسها حسين بن علي سنة 1713 ببناء جامع وزاوية تضم ضريح أبي سعيد الباجي مستفيدا من الرمزية الروحية للمكان للشرعنة السياسية.
وفي أعقاب القرن التاسع عشر شيد محمود باي مسكنا له بجوار الزاوية وهو دار ثامر لاحقا مما فتح الباب أمام الأسر الأرستقراطية التونسية المعروفة بالبلدية لتشييد منازل وفيلات صيفية على التل الساحر.
وهنا حدث التحول الوظيفي الأول من حصن دفاعي وخلوة زهدية إلى منتجع اصطيافي يجمع بين التسلية والورع الأرستقراطي، غير أن التحول الحاسم باتجاه مأسسة الجمال والتسليع الفني وقع سنة 1893 مع إنشاء بلدية سيدي بوسعيد، ليحل اسم الولي رسميا محل التسمية الجغرافية التاريخية جبل المنار.
ثم جاء استقرار البارون الموسيقولوجي والرسام الإنجليزي رودولف ديرلانجي بالقرية سنة 1912 وبناؤه لقصر النجمة الزهراء بين سنتي 1912 و1922 ليحسم المسار الجمالي للقرية إذ استصدر بفضل علاقاته النافذة مع السلطات الاستعمارية مرسوم حماية معمارية صادر في أوت 1915 وهو الأول من نوعه لحماية المدن في العالم حيث فرض الطراز المعماري الأندلسي وألزم الأهالي باللونين الأبيض والأزرق والنوافذ المزخرفة.
تحول سيدي بوسعيد إثر ذلك إلى مغناطيس للنخب الاستشراقية والفنانين العالميين مثل الرسام بول كلي الذي زار القرية سنة 1914 واستلهم من ضوئها المتوسطي تحولا جذريا في مساره الفني لتتم الاستعادة الاستهلاكية للشواهد الروحية بالكامل.
أصبحت مقهى العالية التاريخية التي بنيت في عهد البايات فوق درجات الزاوية وكانت فضاء لراحة الزوار والمريدين المفروشة بالحصائر التقليدية مقهى سياحيا عالميا يرتاده السياح لاحتساء الشاي بالنعناع والبندقية.
وعلى المنحدر الصخري المباشر للبحر شيد مقهى سيدي شبعان أواخر ستينيات القرن العشرين بجوار مقام ولي آخر من أتباع الباجي ليصبح تحت مسمى مقهى النعم الشائع سياحيا رمزا للحياة السياحية والترفيهية.
ورغم هذا الاجتياح التسليعي تحاول الذاكرة المحلية استعادة شفرتها الأولى سنويا من خلال موكب خرجة سيدي بوسعيد في شهر أوت حيث تخترق الفرق الصوفية التابعة للطريقتين العيساوية والشاذلية الشوارع السياحية بالطبول والأذكار في محاولة طقوسية لإعادة تقديس مجال جرى امتصاصه بالكامل داخل رأس المال السياحي.
وعلى امتداد الساحل التونسي نحو الجنوب تتكرر هذه المأساة السوسيومجالية ذاتها مع شخصية العابد العالم أبي جعفر أحمد بن زياد الأربطي المنحدر أصلا من مدينة الأربس التاريخية الواقعة قرب الكاف في الشمال الغربي.
انتقل الأربطي في القرن الثالث الهجري أي خلال العصر الأغلبي إلى مدينة سوسة التي كانت تخوض آنذاك مواجهة جيوسياسية كبرى بصفتها القاعدة البحرية الرئيسية لإفريقية ونقطة انطلاق الفتوحات نحو صقيلة سنة 827.
ارتبط اسم أبي جعفر برباط سوسة الشهير حيث جسد النموذج المغاربي للمرابط الذي يجمع بين التفقّه في الدين والاعتكاف العبادي والوقوف العسكري الصارم على أسوار الرباط لحماية ثغور إفريقية من الغزوات البحرية البيزنطية. غير أن تأسيس الدولة الوطنية الحديثة وبناء خياراتها الاقتصادية المرتكزة على السياحة الشاطئية أديا إلى انزياح مجالي حاد حول مقام أبي جعفر الأربطي.
الواجهة البحرية والمنطقة الشاطئية المتاخمة لأسوار سوسة العتيقة التي كانت تشكل خط الدفاع الأول وثغر الرباط الأغلبي تعرضت لعملية إعادة هيكلة جذرية إذ تحول هذا المجال القتالي إلى كورنيش بوجعفر وشاطئ بوجعفر ليغدو المرفق الترفيهي والسياحي الأبرز في الساحل التونسي. انتشرت الفنادق العصرية الممتدة على طول الشريط الشاطئي مثل فندق سكن بو جعفر إلى جانب المطاعم والملاهي الليلية واختزلت الذاكرة التاريخية للشيخ المرابط في عنوان للسباحة الاستجمامية والصيفية والنشاط الترفيهي الجماهيري، بل إن البلدية قامت بتحويل الفضاء المتاخم للمقام التاريخي للولي إلى حديقة عمومية تعرف بحديقة الطيور محولة إياه من مجال للرهبة والاعتكاف إلى مرفق تنزه حضري.
ولا تبتعد هضبة سيدي ظريف عن هذا المنطق الحاكم لإعادة إنتاج الفضاء حيث عاش سيدي ظريف خلال العصر الوسيط كشخصية زهدية آثرت النسك الفردي والانقطاع التام فوق الهضبة المرتفعة بين سيدي بوسعيد وقرطاج والمرسى.
لم يسجل التاريخ لسيدي ظريف أدوارا عسكرية أو تأسيس طرق صوفية بل كانت رمزيته تتلخص في التأمل والابتعاد عن صخب السلطة والحواضر مجسدا صفاء العزلة بجوار المسجد المطل على البحر، غير أن الدولة الوطنية في النصف الثاني من القرن العشرين أعادت توظيف هذا الاسم الروحي ضمن استراتيجية عصرنة الاقتصاد الوطني إذ أُنشئ في 25 أكتوبر 1976 المعهد العالي للدراسات السياحية بسيدي ظريف تحت إشراف الديوان الوطني التونسي للسياحة ليتحول اسم الناسك الزاهد إلى عنوان لأهم مؤسسة أكاديمية متخصصة في تكوين إطارات الفندقة وتقنيات الضيافة والتسيير السياحي.
كما تعرضت الهضبة لعملية ارتقاء عقاري كبرى لتتحول إلى حي سكني أرستقراطي يضم أحدث الفيلات و القصر الرئاسي بسيدي الظريف والمطاعم السياحية الفاخرة.
تؤكد هذه التحولات السوسيومجالية المتعاقبة أن التراث التونسي خضع لعملية إعادة إنتاج منظمة عبر ثلاث مراحل تاريخية بدأت بالأرستقراطية البايلية التي زاوجت بين التبرك بالزوايا والاصطياف المترفه مرورا بالمرحلة الاستعمارية التي نزعت الغطاء الجهادي عن الأمكنة وغلفته بغلاف الجمال الاستشراقي والمحميات التراثية وصولا إلى الدولة الوطنية الحديثة التي حولت الجغرافيا المقدسة إلى مادة للاستهلاك الاقتصادي وتسويق الصورة الوطنية.
هذا الانزياح من صرامة الرباط العسكري والزهد إلى سيولة السياحة والاستجمام يعكس مرونة فائقة للتراث التونسي في التكيف مع متطلبات العصر لكنه في الوقت ذاته يطرح تفكيكا نقديا لكيفية استهلاك الذاكرة التاريخية حيث تحولت البركة التي كان يبحث عنها المريد القديم عبر مكابدة السهر والرباط إلى رأس مال رمزي يستوعبه السائح المعاصر في هيئة شاي بالنعناع أو إقامة فندقية مطلة على شاطئ كان يوماً ثغرا للأمة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال