بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

حين يصبح تراثنا غنيمة للآخرين : من سرقة الوصفات إلى إبتلاع الذاكرة

2026-09-16 42 قراءة مقالات رأي عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
حين يصبح تراثنا غنيمة للآخرين : من سرقة الوصفات إلى إبتلاع الذاكرة
المصيبة لم تعد في قطعة أثرية تُسرق من متحف ولا في وصفة تُنسب إلى غير أصحابها ولا في لباس تقليدي يظهر في بلد آخر تحت اسم مختلف.
تلك مجرد مظاهر سطحية لمعركة أعمق بكثير.
المعركة الحقيقية هي على الذاكرة والذاكرة في عالم اليوم ليست ترفا ثقافيا.إنما جزء من السيادة.
من يملك تراثه ويوثقه ويعرف كيف يقدمه للعالم لا يحمي الماضي فقط بل يحمي حقه في تعريف نفسه وفي كتابة موقعه داخل التاريخ ومن يترك تراثه بلا توثيق ولا رواية علمية ولا حضور دولي يترك جزءا من سيادته الرمزية معلقا في الهواء ينتظر من يلتقطه ويعيد صياغته وفق روايته ومصالحه.
تغير معنى القوة في العالم فلم تعد القوة تقاس بالدبابات والطائرات والحدود وحدها. هناك قوة أخرى أكثر هدوءا وأطول نفسا ( القوة الناعمة) أي قدرة الدولة على أن تجعل الآخرين يرون ثقافتها وتاريخها وصورتها وهويتها بالطريقة التي تريدها هي.
المطبخ و الموسيقى و اللباس و العمارة و الحرف و اللهجة
والمواقع الأثرية و الشخصيات التاريخية وحتى الحكايات الشعبية كلها يمكن أن تتحول إلى أدوات تأثير.
ولذلك فإن الدول التي تفهم عصرها لا تتعامل مع التراث ككومة مقتنيات قديمة بل كرصيد استراتيجي يمكن أن يخدم التعليم والسياحة والاقتصاد والصورة الدولية والدبلوماسية الثقافية.
وهنا تبدأ المشكلة التونسية الحقيقية فنحن نملك رصيدا تاريخياً وثقافيا هائلا لكن امتلاك الرصيد شيء وإدارته كقوة وطنية شيء آخر تماما.
يمكن أن تكون لديك كنوز لا تقدر بثمن ثم تخسر قيمتها لأنك لم توثقها ولم تبحث في أصولها ولم تحفظ روايات أصحابها ولم تحولها إلى معرفة ولم تبن حولها خطابا وطنيا قادرا على مخاطبة العالم.
الثروة التي لا تدار تصبح مجرد ثروة مهملة والتراث الذي لا يوثق يصبح ذاكرة قابلة لإعادة الكتابة.

والأمر أكثر تعقيدا في المغرب العربي لأن الحدود السياسية ليست حدودا للذاكرة.
هناك مطبخ مشترك ولهجات متقاربة وحرف متداخلة وألحان ورقصات وعادات امتدت تاريخيا عبر مناطق أصبحت اليوم دولا مختلفة ولذلك فإن المعركة الذكية ليست أن نصرخ في وجه كل جار ونقول: «هذا لنا وحدنا».
ذلك خطاب ساذج لا يخدم تونس.
المعركة الحقيقية هي أن نعرف بدقة ما هو مشترك وما هو تونسي بخصوصيته وكيف تشكلت العناصر المشتركة داخل المجتمع التونسي ومن حملها وطوّرها وحافظ عليها عبر الأجيال. هنا يصبح التوثيق أداة سيادة وليس مجرد عمل أرشيفي.
فالحرب على الرواية التاريخية لا تبدأ دائما بتزوير وثيقة أو اختراع تاريخ من العدم. أحيانا تبدأ بطريقة أكثر نعومة.
تبدأ باختيار رواية واحدة و تكرارها في الكتب والمعارض والمهرجانات والمنصات الرقمية ثم تقديمها للعالم باعتبارها الرواية الطبيعية والمكتملة وبعد سنوات تتحول الرواية المتكررة إلى «حقيقة» في الوعي العام حتى لو كانت الوقائع أكثر تعقيدا.
ومن هنا تأتي أهمية الحضور التونسي.
إذا لم نكتب روايتنا بأبحاثنا ووثائقنا وشهاداتنا سيكتب الآخرون أجزاء منها بدلا منا.
وهنا تحديدا تصبح وزارة الثقافة أمام امتحان دولة لا أمام امتحان إدارة ثقافية.
السؤال ليس فقط كم مهرجانا نظمنا؟ وكم معرضا افتتحنا؟ وكم نشاطا ثقافيا أقيم؟
السؤال الحقيقي هو هل تملك تونس استراتيجية للسيادة الرمزية؟
هل لدينا جرد وطني شامل للتراث المادي واللامادي؟
هل لدينا أرشيف رقمي يحفظ الصور والتسجيلات والمخطوطات والشهادات والروايات الشفوية؟
هل لدينا فرق بحثية تشتغل على تاريخ الأزياء والحرف والأغاني والأطعمة والتقنيات والعادات؟
هل نتابع الملفات المقدمة إلى المنظمات الدولية؟
وهل نملك ملفات علمية جاهزة عندما يصبح عنصر من تراثنا موضوعاً لنقاش دولي؟
إذا كانت الإجابة بالنفي أو بالنقص فالمشكلة ليست أن الآخرين «سرقوا» ذاكرتنا إنما المشكلة أن الدولة لم تحول الذاكرة إلى ملف سيادي والفرق بين الأمرين هائل لأن الدولة التي تدخل معركة التراث بعد اشتعالها تدخلها من موقع الدفاع أما الدولة التي توثق مسبقا فتدخلها وهي تملك الأدلة والأرشيف والرواية والباحثين والوثائق.

ولذلك لا أريد من وزارة الثقافة بيانا غاضبا (و هذا أمر مستحيل حاليا)كلما اندلع جدل على وسائل التواصل الاجتماعي.
نريد منها شيئا أكثر جدية ،نريد مشروعا وطنيا للسيادة الثقافية ،نريد مشروعا يبدأ بجرد شامل للتراث ثم رقمنته وأرشفته وتوثيق حملته وممارسيه وإجراء بحوث تاريخية وأنثروبولوجية دقيقة وبناء قاعدة بيانات وطنية مفتوحة للباحثين ثم التنسيق مع السياحة والخارجية والتجارة والملكية الفكرية من أجل تحويل التراث إلى قوة ناعمة تونسية حقيقية.
لأننا إذا فهمنا المسألة بهذه الطريقة سنكتشف أن الدفاع عن الهريسة أو السلاطة المشوية أو البقلاوة ..... أو المقروض الفخار أو الشاشية أو الجبة أو السفساري أو الحرف أو الأغاني أو المواقع التاريخية ليس دفاعا عن «أشياء قديمة».

نحن ندافع عن حق تونس في تعريف ذاتها وعن قدرتها على إنتاج صورتها في الخارج وعن حصتها من اقتصاد الثقافة والسياحة وعن روايتها التاريخية وعن السيادة الرمزية التي لا تظهر على الخرائط لكنها تؤثر في صورة الشعوب ومكانتها.

يا وزارة الثقافة، القوة الناعمة لا تبنى بالخطب و السيادة الرمزية لا تحمى بالحنين والرواية التاريخية لا تنتصر بالصراخ(و هذا ما لن تفعلوه ابدا اليوم) إنما تبنى بالوثيقة والبحث والأرشيف والمؤسسات والباحثين والوجود الدولي والاستمرارية.
ومن لا يفهم ذلك(و لن تفهمو ) سيستيقظ ذات يوم ليكتشف أن بلاده ما زالت تملك التراث لكنها لم تعد تملك الرواية التي تشرحه للعالم.
وهذه هي المفارقة التي يجب أن تخيفنا فعلا.
قد لا تسرق الذاكرة من خزائننا بل قد تنتزع منا بهدوء عبر إعادة تعريفها.
وعندما يصبح الآخر هو الذي يحدد للعالم أصل الحكاية واسمها وسياقها وصورتها فإن الخسارة لا تكون في قطعة فخار أو طبق أو أغنية.
الخسارة تكون في شيء أعمق ،الخسارة في جزء من السيادة الرمزية لتونس.
فيا وزارة الثقافية استيقظي(صعب جدا اليوم ) لا لأن هناك لصا يقف أمام الباب فقط بل لأن العالم دخل منذ زمن إلى عصر جديد أصبحت فيه الذاكرة نفسها مجالا من مجالات القوة.
ومن يترك بيته بلا أرشيف ولا توثيق ولا رواية ولا استراتيجية لا يحق له أن يتفاجأ عندما يجد الآخرين يروون حكايته بطريقتهم(و هذا تماما ما يحصل اليوم).
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال