بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

أرض الرماد و الموت الزعاف : صراع البقاء في تونس (1818-1945)

2026-09-01 62 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
أرض الرماد و الموت الزعاف : صراع البقاء في تونس (1818-1945)
تنبعث من ثنايا التراب التونسي الممتد بين البحر والحرداء حكايات دافئة وموجعة تروي كيف تضافرت قسوة الجغرافيا مع جشع السلطة لتنسج ملحمة مأساوية عاشتها أجيال متعاقبة بين عامي 1818 و1945.
لم تكن التسميات الشفهية المحفورة في الذاكرة الجمعية للأهالي مجرد أرقام باردة في سجال التاريخ الجاف بل كانت صرخات وجودية حية أرشفت الفجائع الإنسانية وألفت معجما شعبيا كاملا لمواجهة الموت.
في تلك الحقبة الطويلة الممتدة من أواخر العهد البايلي بكل تداعيه واضطرابه إلى بطش الحماية الفرنسية ومشاريعها الاستنزافية تقاطعت الأوبئة الفتاكة مع الجفاف الصارم وانضمت إليها السياسات الجبائية الجائرة والتغيرات العسكرية الجيوسياسية لتخلق طاحونة جهنمية من الأزمات المركبة التي اقتلعت البناء القبلي والاجتماعي من جذوره وأعادت رسم الخريطة الديمغرافية والهوية الثقافية والغذائية للإيالة برمتها.

بدأت المأساة تستبد بأوصال البلاد مع استباحة الأوبئة الوافدة التي عبرت الموانئ التجارية وسفن البحر الأبيض المتوسط وطرق القوافل الصحراوية مستغلة انعدام البنية الصحية الوقائية وانهيار المنظومات العلاجية التقليدية.
كان عام 1818 نقطة التحول الأكثر دموية حين اكتسح الطاعون الكبير العاصمة تونس والموانئ الرئيسية والسهول الداخلية متسببا في وفاة نحو 50000 نسمة ومدمرا القوى العاملة الزراعية في أوج عطائها مما قاد إلى نزوح جماعي حاد بين الأرياف والمدن المحصنة وأدخل البلاد في شلل تجاري وركود اقتصادي امتد لسنوات طويلة.
ولم تلبث البلاد أن وقعت في براثن الكوليرا الوافدة التي ضربت في موجات متتالية أعوام 1835 و1849 و1850 و1856 متسللة إلى المخيال الشعبي تحت اسم الموت الزعاف لسرعة حصدها للنفوس أو تسميتها بالعافية في محاولة سحرية لدرء الشر بالتفاؤل إلا أن موجة عام 1867 كانت الأشد هولا وتدميرا إذ التقت مباشرة مع جفاف قاحل وآثار قمع عسكري وحشي مما حصد عشرات الآلاف في المدن الساحلية مثل صفاقس وسوسة والتجمعات الحضرية والريفية الهشة واستهدف المساجين والفقراء الذين أنهكهم سوء التغذية.

ولم تتوقف طاحونة المرض عند هذا الحد بل واصلت فتكها مع مطلع القرن العشرين حيث شهدت الأرياف التونسية في عامي 1907 و1908 جائحة مزدوجة من التيفوس والملاريا بالتزامن مع صيف شديد الحرارة والجفاف وأطلق الأهالي على تلك الفترة عام بوبراك نسبة للحمى الحادة والإنهاك الفجائي الذي يجعل المصاب مقعدا بلا حركة كما أطلقوا عليه عام الشغاف للإشارة إلى إصابة شغاف القلب بالشلل والعجز الشامل مما أدى إلى تعطيل موسم الحصاد والعمل الفلاحي في مناطق التل والوسط.
ومع خبو أوزار الحرب العالمية الأولى أطلقت الإنفلونزا الإسبانية شرارتها بين عامي 1918 و1919 عبر الجنود العائدين من الجبهات الأوربية والموانئ المفتوحة لتفترس آلاف المواطنين في فترة زمنية وجيزة حيث وجدت الجائحة مجتمعا أنهكته سنون الحرب والنقص الحاد في المؤن وتوجيه الخيرات الفلاحية التونسية لخدمة المجهود الحربي الفرنسي.

ولم تكن الأوبئة سوى النصف الأول من المقصلة إذ تولت قرارات السلطة الحاكمة وسياساتها الجبائية تعميق الجراح وإسقاط المجتمع في الهاوية.
ففي عام 1864 اندلعت انتفاضة شعبية وقبلية عارمة بقيادة علي بن غذاهم شملت قبائل الوسط والتل والجنوب احتجاجا على قرار الصادق باي بمضاعفة ضريبة الرأس المعروفة بالمجبى رغبة في سداد الديون الأجنبية.
واجهت السلطة هذه الثورة بقمع عسكري لا يرحم عبر محلات التأديب وعلى رأسها محلة أمير اللواء زروق التي اعتمدت سياسة الأرض المحروقة فنهبت أملاك العشائر وجردتها من مواشيها ومحاصيلها وسسقت الشيوخ والوجهاء في السلاسل ومارست بحقهم التنكيل والتغريم مما دمر النسيج الاقتصادي الريفي وأفرغ القبائل الكبرى مثل الهمامة وماجر ومثاليث من وسائل إنتاجها.
أدى هذا التدمير الريفي والفساد المالي وتبديد القروض إلى إعلان إفلاس الدولة التونسية رسميا عام 1869 وتشكيل الكومسيون المالي الدولي في 5 جويلية 1869 لفرض الرقابة الأجنبية المباشرة على مالية البلاد مما أتبع بضغط جبائي رهيب وفقدان العملة الوطنية المسماة بالريال التونسي لقيمتها الشرائية وتكرر هذا الخناق بين عامي 1914 و1915 مع اندلاع الحرب العالمية الأولى وتضييق الحماية الفرنسية على حركة البضائع.
وفي غضون القحط المستمر وانهيار المنظومة الأمنية شهدت البلاد بين عامي 1869 و1870 ما عرف بعام النهب حين تحول الجوع إلى صراع أهلي وغارات قبلية مسلحة على المخزونات الغذائية وآبار المياه مما أعاد المجتمع إلى مربع البدائية الشاملة.

تساوقت الآفات البيئية مع السياسات الاستعمارية لتكمل دائرة الخراب إذ اجتاحت أسراب الجراد الصحراوي البلاد في موجتين هدامتين الأولى بين عامي 1891 و1892 والثانية بين عامي 1928 و1930 فقضت على المحاصيل الزراعية من القمح والشعير وبساتين الأشجار المثمرة في مناطق التل والساحل والإقليم الغربي متسببة في خسائر مالية فادحة لصغار المزارعين بالتزامن مع الأزمة الاقتصادية العالمية.
ولم يكد الفلاحون يستفيقون حتى حل عام السوس والتيفوس بين عامي 1920 و1921 ليتلف ما تبقى من المخزون الإستراتيجي للحبوب داخل المطامير التقليدية بفعل السوس والانحباس المطرائي مما رفع الأسعار إلى مستويات قياسية وأرهق القدرة الشرائية.
وخلال الحرب العالمية الثانية وخضوع البلاد لنظام التوزيع المحصص تحت إدارة الحماية بين عامي 1940 و1944 ظهر ما يسمى بعام البون حيث فرضت بطاقات التموين واستوردت السلطات الاستعمارية الأرز من الهند الصينية فيتنام حاليا لسد العجز القياسي في الحبوب وهي المرة الأولى التي يدخل فيها الأرز بشكل مؤسسي وموسع إلى النمط الغذائي اليومي للتونسيين.

بلغت المأساة ذروة القسوة في عام 1945 أو ما يسمى بعام الشر الكبير وعام التلاغودة حين ضرب البلاد جفاف حاد وغير مسبوق أدى إلى هلاك الماشية وانعدام محاصيل الحبوب تماما.
في مواجهة هذا الهول المباشر اضطر الأهالي في الأرياف والقرى إلى ابتكار وسائل يائسة للبقاء على قيد الحياة فنبشوا التربة لاستخراج جذور نبتة التلاغودة الجبلية الخشنة وطحنها لخبزها واستهلكوا نبات البروق واصطادوا الجراد لتجفيفه وشيه كما استخرجوا حبوب الصنوبر الحلبي المعروف بالزقوقو لتوفير السعرات الحرارية الأدنى لمنع طفولتهم من الفناء.

تثبت الدراسة التاريخية والأنثروبولوجية المعمقة لأعوام الشدة أن الأزمات الكبرى في تونس لم تكن محض مصادفات بيئية بل كانت نتاج تراكب هيكلي معقد يتوزع على ثلاثة مستويات رئيسية التأثيرات الطبيعية والصحية المباشرة ثم الاستجابات السياسية والمالية السلبية للسلطة الاستعمارية والبايليّة التي فاقمت الأزمة بدل احتواؤها وأخيرا التحولات الأنثروبولوجية والاجتماعية الممتدة.
أدّت هذه المحن المتتالية إلى تفكيك النظام القبلي الرعوي التقليدي وتحويل العشائر إلى مجتمعات ريفية هشة ودفع أعداد غفيرة نحو الهجرة القسرية لتشكيل أحياء الفقر وحزام العمالة الرخيصة حول المدن الكبرى، ومع ذلك أظهرت الذاكرة الثقافية قدرة خارقة على امتصاص الصدمات وتحويل أدوات الجوع والفرار من الموت إلى رموز هوية حية حيث تحولت عصيدة الزوو من طعام اضطرار ومجاعة في عام 1945 إلى طبق تقليدي احتفالي رفيع ترتبط به هوية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في تونس المعاصرة متوجة قدرة الإنسان على تحويل أوشام المعاناة إلى نشيد دائم للحياة والخلود.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال