بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

مسيرة 20 اوت 2026 في تونس... هل تتحول مبادرة «نَفَس» إلى ميثاق لأخلقة العمل السياسي؟

2026-08-21 156 قراءة مقالات رأي حنان الحيدري
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
لم تكن مسيرة 20 أوت 2026 مجرد تحرك احتجاجي جديد في تونس بل حملت دلالة سياسية تتجاوز شعاراتها المباشرة، بالنظر إلى طبيعة القوى والشخصيات التي حضرتها تحت مظلة مبادرة «نَفَس».

فقد اجتمعت أطراف سياسية ومدنية تنتمي إلى اتجاهات مختلفة وبعضها كان إلى وقت قريب على طرفي نقيض، في مشهد يعكس حجم التحولات التي عرفتها الساحة التونسية منذ 25 جويلية 2021.

ولذلك فإن السؤال الذي تطرحه المسيرة لا يتعلق فقط بحجم الحضور أو بالشعارات المرفوعة بل بما إذا كانت مبادرة «نَفَس» بصدد بناء أرضية مشتركة بين قوى المعارضة يمكن أن تتطور إلى ميثاق جديد لأخلقة العمل السياسي في تونس.

حين يجتمع الخصوم في ساحة واحدة

تكمن أهمية المبادرة في أنها لا تحاول على الأقل في هذه المرحلة، إلغاء الاختلاف بين مكوناتها.

فالنهضة ليست الدستوري الحر، واليسار ليس التيارات الليبرالية، والقوى المدنية ليست الأحزاب السياسية وبين هذه الأطراف تاريخ طويل من الصراع والاتهامات المتبادلة، فضلا عن اختلافات جوهرية حول الدولة والاقتصاد والهوية وتجربة الانتقال الديمقراطي.

ومع ذلك، استطاعت مبادرة «نَفَس» أن توفر مساحة يلتقي فيها هؤلاء حول مجموعة من المطالب المشتركة في مقدمتها الدفاع عن الحريات، والحق في المعارضة، ورفض الإقصاء، والمطالبة بظروف اجتماعية واقتصادية تحفظ كرامة المواطن.

وهذا المعطى مهم لأن السياسة الديمقراطية لا تقوم على اختفاء الخلاف، بل على إدارة الخلاف دون تحويله إلى صراع لإلغاء الآخر.

من مواجهة السلطة إلى حماية قواعد اللعبة

منذ 25 جويلية 2021 أصبح جزء أساسي من الصراع السياسي في تونس يدور حول طبيعة النظام السياسي نفسه وحدود السلطة الرئاسية ومستقبل التعددية الحزبية.

وفي هذا السياق، أصبحت قضايا حرية التعبير والعمل الحزبي والتظاهر والمحاكمة العادلة واستقلال القضاء في صلب الخطاب المعارض.

لكن أهمية «نَفَس» تكمن في أنها تطرح المسألة من زاوية أوسع: ليس المطلوب فقط تغيير السلطة وإنما حماية قواعد اللعبة السياسية من أي طرف يصل إلى الحكم.

وهنا تنتقل المعارضة من سؤال «كيف نواجه السلطة الحالية؟» إلى سؤال أكثر عمقا «كيف نضمن ألا يعيد أي حاكم مستقبلي إنتاج ممارسات الإقصاء نفسها؟».

هل يمكن أن تصبح «نَفَس» ميثاقا؟

من الناحية التنظيمية لا يمكن حتى الآن اعتبار «نَفَس» ميثاقا سياسيا بالمعنى الدقيق فهي ليست حزبا موحدا ولا جبهة انتخابية، ولا تملك برنامجا سياسيا واقتصاديا مشتركا يجمع كل المشاركين.

لكن يمكن النظر إليها باعتبارها بداية محتملة لميثاق أخلاقي للعمل السياسي.

وهذا الميثاق يمكن أن يقوم على مجموعة من القواعد البسيطة لا تجريم للمعارضة، لا إقصاء بسبب الانتماء السياسي، لا استعمال للدولة لتصفية الخصوم، احترام حرية التعبير والتنظيم والتظاهر الاحتكام إلى الانتخابات وقبول التداول السلمي على السلطة.

لكن الأهم من كل ذلك هو أن يلتزم السياسي بهذه المبادئ عندما يصبح في موقع القوة، وليس فقط عندما يكون في موقع المعارضة.

المشكلة في تونس ليست فقط من يحكم

تاريخ التجربة السياسية التونسية بعد الثورة يبين أن المشكلة لم تكن دائمًا في غياب الانتخابات أو التعددية وإنما في ضعف ثقافة التوافق والقبول بالخصم.

ففي كثير من المراحل تحول التنافس السياسي إلى معركة صفرية إما أن يفوز طرف ويهيمن، أو يعتبر الآخر أن خسارته تهديد لوجوده.

وهذه العقلية هي التي تحتاج إلى مراجعة.

فالديمقراطية الحقيقية لا تعني أن يفوز طرف في الانتخابات ثم يتعامل مع خصومه باعتبارهم أعداء للدولة كما لا تعني أن المعارضة تتعامل مع كل حكومة منتخبة باعتبارها غير شرعية.

الديمقراطية تعني أن الحكومة والمعارضة طرفان داخل النظام نفسه، وأن تداول الأدوار بينهما أمر طبيعي.

ومن هنا قد يكون الدرس الأهم الذي تحمله «نَفَس» لا يمكن بناء ديمقراطية مستقرة من دون بناء أخلاق سياسية جديدة.

البعد الاجتماعي.. حين تلتقي الحرية بالكرامة

لا يمكن أيضا فصل مسيرة 20 أوت عن الوضع الاجتماعي والاقتصادي.

فالتونسي الذي يواجه ارتفاع الأسعار، أو البطالة، أو مشاكل النقل والصحة والماء والكهرباء قد لا يرى في الخلافات الحزبية أولوية.

لذلك فإن ربط «نَفَس» بين الدفاع عن الحريات والمطالبة بالعيش الكريم يمثل محاولة للخروج من المعارضة السياسية التقليدية التي تركز على المؤسسات والانتخابات فقط.

فالحرية السياسية تصبح أكثر معنى عندما يشعر المواطن أن صوته قادر على تغيير واقعه وأنه يستطيع مساءلة المسؤول عندما تفشل الدولة في توفير الخدمات الأساسية.

وبهذا المعنى فإن الكرامة الاجتماعية والديمقراطية ليستا قضيتين منفصلتين بل وجهان لأزمة واحدة تتعلق بعلاقة المواطن بالدولة.

هل تستطيع «نَفَس» تجاوز الحسابات الحزبية؟

هنا يكمن الاختبار الأصعب.

فاجتماع أطراف مختلفة في مسيرة واحدة أسهل من استمرار التعاون بينها على المدى الطويل.

فما يجمع هذه القوى اليوم قد يكون رفض الإقصاء والدفاع عن الحريات، لكن ما يفرق بينها ما يزال واسعا الاقتصاد، والهوية وشكل النظام السياسي والسياسات الاجتماعية وحتى تقييم مرحلة ما بعد الثورة.

ولهذا فإن نجاح المبادرة لن يقاس فقط بقدرتها على تنظيم تحركات احتجاجية وإنما بقدرتها على خلق ثقافة مشتركة تحافظ على استقلال كل طرف دون أن تمنع التعاون في القضايا الكبرى.

فالمطلوب ليس تحويل الجميع إلى حزب واحد، بل الاتفاق على قواعد تمنع أي حزب أو تيار من احتكار المجال العام.

الميثاق الحقيقي يبدأ بعد الوصول إلى السلطة

إذا أرادت «نَفَس» أن تتحول فعلا الى نواة لميثاق سياسي فإن عليها أن تذهب أبعد من إعلان رفض السلطة الحالية.

الميثاق الحقيقي هو أن تتعهد القوى المشاركة اليوم بأنها إذا وصلت إلى الحكم غدا لن تستخدم الدولة لإقصاء خصومها، ولن تعتبر الفوز الانتخابي تفويضًا مطلقا ولن تنظر إلى المعارضة باعتبارها خيانة.

وهنا يمكن أن يصبح «نَفَس» اختبارا أخلاقيا للمعارضة نفسها.

فليس من الصعب أن تدافع عن الحريات عندما تكون خارج السلطة الأصعب أن تحافظ عليها عندما تصبح السلطة في يدك.

من «من يحكم؟» إلى «كيف نحكم؟»

ربما تكون هذه هي الخلاصة الأهم لمسيرة 20 أوت.

فالسؤال السياسي التونسي لا ينبغي أن يبقى محصورا في: من يحكم؟

بل يجب أن ينتقل إلى سؤال أكثر أهمية كيف نحكم؟ وما الحدود التي لا يجوز لأي حاكم تجاوزها؟

إذا استطاعت «نَفَس» أن تجعل هذا السؤال محور عملها، وأن تحول التقارب بين الأطراف المختلفة إلى مبادئ مكتوبة وملزمة أخلاقيا فقد تتحول من مجرد مبادرة احتجاجية إلى مساحة لإعادة تأسيس الحياة السياسية على قواعد جديدة.

أما إذا بقيت مجرد مظلة ظرفية لجمع المعارضين فقد تنتهي بانتهاء الظرف الذي ولدت فيه.

وفي النهاية، فإن قيمة مسيرة 20 أوت لا تكمن فقط في أنها جمعت خصوم الأمس في شارع واحد بل في أنها فتحت نقاشا حول إمكانية بناء ديمقراطية يتعايش فيها المختلفون دون أن يسعى أحدهم إلى إلغاء الآخر.

فالمطلوب اليوم ليس أن تتفق كل القوى السياسية التونسية على كل شيء فهذا غير واقعي.

المطلوب أن تتفق على شيء أكثر جوهرية أن تونس ليست ملكا لأي حزب أو رئيس أو تيار، وأن السلطة تتداول وأن المعارضة حق وأن الاختلاف ليس جريمة.

ومن هنا، قد تكون «نَفَس» أمام فرصة تتجاوز المسيرة نفسها فرصة لصياغة ميثاق أخلاقي يقول بوضوح إن من يطلب الديمقراطية لنفسه، عليه أن يضمنها أيضًا لخصمه.

فالديمقراطية لا تقاس فقط بكيفية وصولنا إلى السلطة، وإنما بكيفية تعاملنا مع من يختلف معنا عندما نصل إليها.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال