بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

أبناء البرامكة و الزط: كيف شكل غجر تونس الهوية الموسيقية للبلاد؟

2026-07-27 58 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
أبناء البرامكة و الزط: كيف شكل غجر تونس الهوية الموسيقية للبلاد؟
حين تنظر إلى تاريخ إفريقية من الأعماق، من تلك التخوم التي لا تدونها المجلدات الرسمية ولا تحتفي بها قصور السلطة تدرك أن التاريخ الحقيقي إنما يكتبه العابرون بخطواتهم الواجفة على تراب الطرقات المنسية.
الحفر في جغرافيا الترحال داخل البلاد التونسية يستدعي الوقوف عند تلك الأرواح التي طوحت بها الأقدار من مجاري السند والبنجاب في أقصى الشرق الهندي بين القرن 6 والقرن 10 الميلاديين لتنسرب في سديم الزمان عبر الفارسية وبلاد الرافدين منشطرة إلى أجساد تبحث عن مستقر تحت الشمس وكان مقدر لها أن تنقسم إلى مجتمعين كبيرين أحدهما توغل في صقيع أوروبا ليصير الروما والآخر انداح في حرارة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحت اسم الدوم أو الدومر. ولئن عرفت بلاد الشام ومصر تجمعات ضخمة من هؤلاء ظلوا يعيشون في معازل قاسية تحرسها العزلة وتصونها الأعراف فإن الإيالة التونسية شهدت نسيجا مختلفا كليا حيث لم يتخذ هذا التواجد شكل القبيلة الصلبة المنكفئة على ذاتها بل جاء في صورة أمواج هجرية متقطعة وناعمة تسللت إلى حواشي المجتمع وإلى أطراف أسواقه وانصهرت في اليومي والمهني دون أن تثير ضجيجا عرقيا سافرا.
يتراءى للمتأمل في التكوين التاريخي للتواجد الغجري في تونس أنه أمام نهرين تغذيا من روافد متباينة في الجغرافيا والذاكرة.
النهر الأول هو المسار الشرقي العثماني الذي عبر من خلاله الدومر والنور أراضي طرابلس الغرب ومصر والشام حاملين في أجفتهم أوجاع التنقل الأول ورصيدا من اللغة الدومارية الشفهية التي ظلت لقرون تتنقل كهمس سرّي بين العائلات قبل أن تبتلعها اللهجة التونسية الحاضنة.
والنهر الثاني هو ذلك المسار الغربي الأندلسي الفاجع الذي انهمر عقب سقوط غرناطة عام 1492 حين قذفت قرارات الطرد القسري بالموريسكيين وجماعات الجيتانو الإيبيرية عبر البحر ليستقر بعضهم في مدن الشمال التونسي كبنزرت وتستور ونابل والعاصمة تونس.
وهناك، في تلك الحواضن المستقرة التقى الحزن الشرقي القادم من السند باللوعة الأندلسية القادمة من البشرات ليتشكل تراث فني وموسيقي خاص يتسلل فيه الإيقاع الغجري إلى المقام المغاربي موجدا صيغة فريدة للبقاء والاستمرار عبر الحرفة والنغم.
في مجتمع قبلي صارم يبني كبرياءه على المشجرات النسبية الممتدة كالعروش العتيدة للهمامة و الجلاص ودريد وماجر وجد هؤلاء الرحل أنفسهم خارج حسابات الشرف القبلي وملكيات الأرض.
غير أن الحياة في قسوتها تبدع دائما أدوات تكيّفها إذ شغل هؤلاء المساحات الاقتصادية الهامشية والوسيطة التي كان المجتمع الاستيطاني يتأفف من الخوض فيها لاعتبارات العرف والجاه.
توزعت أسرهم إلى تشكيلات وظيفية دقيقة أطلق عليها الناس ألقابا وكنايات شائعة فتولت مجموعات النومر والنور صيانة النحاس وتبييضه والحدادة المتجولة وتجارة الخيل والدواب محتمية بخيام خفيفة تقام على ظلال الأسواق. واستقلت مجموعات البرامكة والزط بالعروض الموسيقية الشعبية وإحياء الأعراس والموالد متجولة بصوتها بين المداشر والقرى.
بينما اختصت جماعات الفرطاس والصفارة بصناعة السكاكين وصيانة المعادن في الشمال والوسط الغربي.
وفي المقابل كانت النساء المعروفات بالنوارات يطفن بين الأحياء والأزقة الحضرية لممارسة رسم الوشم العشائري وقراءة الودع والكف.
كان هذا المنظوم المهني يحمى بأعراف داخلية قاسية تحرّم الزواج من خارج الجماعة لضمان بقاء السر الحرفي والتماسك السلالي في ظل نظام أسري تلعب فيه المرأة دور المحرك المالي والجامع للرزق اليومي بينما ينكفئ الرجال على رعاية الماشية وتشكيل الحديد.
دينامية الترحال عند هذه الجماعات لم تكن عشوائية قط بل كانت تخضع لخرائط غير مرئية ترسمها مواسم الخصب وفرص الكسب بعيدا عن صدام السلطة أو الاصطدام بشيوخ القبائل، وتوزع هذا الوجود عبر ثلاثة مجالات جغرافية مشهودة في الإقليم التونسي.
النطاق الأول تشكله الحزاميات الحضرية المحيطة بالمدن الكبرى كمنوبة وأريانة وغدير القلة في ضواحي العاصمة تونس إضافة إلى أطراف القيروان وصفاقس حيث أقيمت مخيمات القماش والصوف لتربية الأغنام ولتقديم الخدمات السريعة للمدينة.
أما النطاق الثاني فيتمثل في خط الحركة الفلاحية الموسمية في الوسط والشمال الغربي بين باجة والكاف وسيدي بوزيد حيث يتحرك الرحل بالتزامن مع مواسم الحصاد وجني الزيتون لتقديم الصيانة للأدوات الحديدية ولإحياء أعياد الفلاحين.
وفي النطاق الثالث كانت التخوم الحدودية المفتوحة مع الجزائر غربا وطرابلس شرقا تشكل ملاذا حرا يتنقل عبره هؤلاء للهروب من قيد الأوراق الرسمية ولتبادل المواشي والسلع الخفيفة مما جعلهم كائنات حدودية بامتياز تنتمي إلى الفضاء المفتوح لا إلى خطوط الخرائط.
ولكن قسوة التحول التاريخي لم تكن لتترك هذا الهامش المتنقل على حاله إلى الأبد فمع دخول الاستعمار الفرنسي للبلاد عام 1881 بدأت عين السلطة الحديثة تتوجس من هذه الأجساد العصية على المراقبة.
تكشف وثائق الأرشيف الوطني التونسي المحفوظة في رصيد قسم الدولة وسجلات الكتابة العامة للحكومة عن محاولات حثيثة لإخضاع الرحل لبصمات وسجلات التقييد الأمني للحد من حريتهم في العبور بين العمالات.
غير أن الزلزال الحقيقي الذي يعيد تشكيل الهوية لم يقع إلا عقب الاستقلال عام 1956 حين شيدت الدولة الوطنية الحديثة برئاسة الحبيب بورقيبة أركانها على مفهوم المواطنة الموحدة وتفكيك البنى العروشية والهامشية.
وجاء صدور قانون الحالة المدنية في 1 أوت 1957 تلاه قانون اللقب العائلي في 26 ماي 1959 ليمثلا اللحظة الفارقة التي أجبرت جميع سكان التراب التونسي على الدخول في طاعة الدفاتر الرسمية والتخلي عن أسماء الفضاء المفتوح لحساب اللقب العائلي الثابت.
في تلك الملحمة الإدارية الصامتة قادت أجهزة الدولة حملة واسعة لإسناد ألقاب مدنية لمن لا يملكون ألقابا قبلية مثبتة مترافقة مع توجه حاسم لتطهير الألقاب التي تحمل طابعا مهينا أو ترمز إلى المهن الهامشية.
أدى هذا التفتيت البيروقراطي إلى ذوبان الغجر تماما في النسيج الاجتماعي التونسي حيث منحوا ألقابا استُمدت من حرفهم التاريخية كألقاب الحداد والصفار والصفاري أو من أصولهم الجغرافية والإثنية المسكوت عنها كألقاب النواري والنوار والحلبي وبن حلب أو من النسبة إلى جهات الترحال القديمة كألقاب الطرابلسي والغربي.
كما حظي آخرون بألقاب وصفية استندت إلى لون البشرة أو الصفات الجسدية كألقاب الأسمر ولسود والفرطاس أو ألقاب تعود إلى التراث الفني والإنشادي كألقاب البرمكي والعماري والعواد.
ومع تعاقب العقود تداخلت هذه الألقاب في الدفاتر الرسمية مع ألقاب بقية المواطنين من العرب والأمازيغ والأندلسيين حتى لم يعد ممكنا التمييز بين أصل عرقي وآخر إلا بعين الأنثروبولوجيا التي تنقب في الذاكرة الحرفية والمكانية.

ولعل الأثر الأكثر عمقا لهذا الوجود لم يندثر في أوراق الحالة المدنية بل ظل ينبض في ذاكرة التراث المادي والشفهي للبلاد التونسية فذلك الصدى الشجي الذي يتردد في أغاني المواليا والموال التونسي يحمل في جذوره البعيدة نواح الموالي والبرامكة والرحالين الذين صاغوا أوجاعهم في قصائد طوافية أصبحت فيما بعد عماد الغناء البدوي والطرقي في الوسط والساحل.
كما أن عروض الحلقة التي أثثت أسواق القيروان وماطر وباجة لعقود طويلة بالعزف على الغيطة والزكرة والتلاعب بالأفاعي لم تكن سوى امتداد لهذا الفن الجوال الذي يطوع الخوف إلى دهشة.
وفي عمق الأرياف التونسية كانت خطوط الوشم التقليدي التي تزين جباه ونشاط الخدود لدى العجائز تحكي قصص النوارات اللاتي عبرن ذات ربيع ورسمن بالدخان والنيلي رموزا حامية من العين والردى.
كما أن ممارسات الفصل في النزاعات كاختبار البشعة بإمرار المعدن المحمى على اللسان ظلت تشهد على وجود قانون عرفي يتجاوز القضاء الرسمي ليصون سر الجماعة ويمتحن صدقها.
قراءة هذا الوجود اليوم في تونس ليس مجرد حفر في سير المنسيين بل هو استبصار لكيفية نجاح الدولة الحديثة في ابتلاع الهامش وتحويله إلى المواطنة الكاملة وكيف استطاع الإنسان المتنقل أن يترك أثره الأبدي في روح الأرض دون أن يترك خلفه شواهد قبور تحمل اسمه القديم.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال