المقدمة: أيّ مربي نريد؟
حين نتحدث عن أزمة التعليم، غالبًا ما تتجه الأنظار إلى البرامج والمناهج والامتحانات والبنية التحتية، لكن هناك سؤالًا أكثر عمقًا يسبق كل هذه الأسئلة: من هو الفاعل الذي يحمل المدرسة؟ وكيف يتم بناؤه؟
فالمدرّس ليس مجرد وسيط بين الكتاب والمتعلم، ولا مجرد منفذ لمحتوى جاهز، بل هو حجر الزاوية في أي مشروع تربوي. وقد بيّن مايكل فولان (Michael Fullan) أن الإصلاحات التعليمية لا تنجح بمجرد تغيير القوانين أو المناهج، بل بقدرة الفاعلين التربويين على تجسيد هذا التغيير داخل المدرسة، لأن المعلم هو حامل الإصلاح الحقيقي (Fullan, 2007).
ومن هذا المنطلق، لم يكن تكوين المربي مجرد مرحلة تقنية تسبق الانتداب، بل كان بناءً لهوية مهنية متكاملة، تجمع بين المعرفة العلمية، والتكوين البيداغوجي، والخبرة الميدانية، والقدرة على فهم الطفل والمدرسة والمجتمع. فالتدريس ليس مجرد امتلاك معرفة في مادة معينة، بل هو القدرة على تحويل هذه المعرفة إلى فعل تعليمي ناجح، وهو ما أطلق عليه لي شلمان (Lee Shulman) مفهوم "المعرفة البيداغوجية للمحتوى" (Pedagogical Content Knowledge)، أي امتلاك المدرس للقدرة على معرفة ماذا يدرّس وكيف يدرّسه ولماذا يختار طريقة دون أخرى (Shulman, 1987).
لكن المتأمل في مسار إعداد المدرسين في تونس يلاحظ تحولًا تدريجيًا في فلسفة التكوين: انتقالًا من منطق هندسة التكوين إلى منطق هندسة النقص. ففي النموذج الأول كان السؤال المركزي: كيف نبني مربيًا قادرًا على صناعة التعلم؟ أما في النموذج الثاني فيبدو أن السؤال أصبح: كيف نغطي حاجيات المنظومة ونسدّ الشغورات؟
وهنا يظهر أحد أهم "الثقوب الدودية" في المنظومة التربوية التونسية: تلك الفجوة بين خطاب يرفع شعار جودة التعليم، وبين اختيارات عملية قد تؤدي إلى إضعاف الشروط التي تجعل هذه الجودة ممكنة. فحين يصبح تكوين المدرس مجالًا للتقليص والاختصار، فإن القضية لا تعود مرتبطة فقط بعدد المدرسين الموجودين داخل الأقسام، بل بطبيعة المدرس الذي نريد أن نضعه أمام أجيال كاملة.
إن المدرسة التي تريد بناء مواطن قادر على التفكير والنقد والإبداع تحتاج إلى مدرس يمتلك تكوينًا عميقًا، لا إلى مجرد حامل شهادة. فكما يؤكد إدغار موران (Edgar Morin)، فإن التربية الحقيقية لا تقوم على تجميع المعارف فقط، بل على بناء قدرة الإنسان على فهم التعقيد وربط المعارف بالسياقات الإنسانية والاجتماعية (Morin, 1999).
لذلك فإن السؤال الجوهري اليوم ليس: كم نحتاج من المدرسين؟ بل: كيف نصنع المدرس الذي تحتاجه المدرسة التونسية؟ لأن أي اختلال في مسار إعداد المربي سينعكس بالضرورة على المدرسة وعلى المتعلم وعلى المجتمع.
ومن هنا تبدأ رحلة تفكيك أحد التحولات العميقة في المنظومة: كيف انتقل تكوين المدرس من مسار يقوم على الممارسة الميدانية والتدرّب تحت إشراف المختصين، إلى مسار بدأ يفقد تدريجيًا إحدى أهم حلقاته: التربص الميداني؟
1. التربص الميداني: حين يُستبدل بناء الخبرة المهنية باختصار مسار التكوين
لم يكن التربص الميداني في تكوين المدرسين مجرد إجراء إداري أو مرحلة شكلية تسبق التخرج، بل كان يمثل القلب النابض لبناء الهوية المهنية للمربي. ففيه ينتقل الطالب من فضاء المعرفة النظرية إلى فضاء الممارسة الحية، حيث يكتشف أن الفعل التربوي أكثر تعقيدًا من مجرد تطبيق قواعد أو استرجاع معارف. فالقسم فضاء تتداخل فيه الفروق الفردية، والديناميات النفسية والاجتماعية، وصعوبات التعلم، وإكراهات الزمن المدرسي، وهي عناصر لا يمكن اكتساب القدرة على التعامل معها إلا من خلال الاحتكاك المباشر بالواقع.
وقد أكد دونالد شون (Donald Schn) أن تكوين المهنيين لا يكتمل عبر المعرفة النظرية وحدها، بل يحتاج إلى ما سماه "الممارسة التأملية" (Reflective Practice)، حيث يتعلم الفرد من خلال الفعل والمراجعة المستمرة لتجاربه داخل المجال المهني (Schn, 1983). فالمعلم لا يصبح مربيًا بمجرد معرفة نظريات التعلم، بل من خلال تحويل هذه النظريات إلى قرارات بيداغوجية داخل وضعيات حقيقية.
كما أن التربص كان يمثل فضاءً للانتقال التدريجي من صفة "الطالب" إلى صفة "الممارس"، تحت إشراف فاعلين يمتلكون الخبرة المهنية، بما يسمح بتصحيح التصورات الخاطئة، وتطوير الممارسات، وبناء الثقة في مواجهة القسم. وهو ما ينسجم مع تصور فيغوتسكي (Lev Vygotsky) للتعلم باعتباره سيرورة اجتماعية تقوم على التفاعل والمرافقة، حيث يلعب الوسيط الخبير دورًا أساسيًا في نقل الفرد من مستوى الأداء الحالي إلى مستوى أكثر تقدمًا (Vygotsky, 1978).
غير أن التخلي التدريجي عن التربص الميداني وتعويضه أحيانًا بمشاريع تخرج في شكل دراسات حالات يطرح إشكالًا جوهريًا حول معنى التكوين نفسه. فدراسة الحالة يمكن أن تكون أداة بحثية مهمة لفهم ظواهر تربوية محددة، لكنها لا يمكن أن تحل محل المعايشة اليومية للقسم، لأن تحليل وضعية تربوية على الورق يظل مختلفًا عن مواجهة طفل حقيقي، وقسم حقيقي، ومشكلات تربوية حقيقية.
إن الخطر لا يكمن في اعتماد البحث أو المشاريع العلمية، بل في أن تتحول هذه الآليات من أدوات داعمة للتكوين إلى بدائل عن الممارسة الميدانية. فعندما يصبح إعداد المدرس ممكنًا دون احتكاك كافٍ بالمدرسة، فإننا نكون أمام تحول عميق: من تكوين المربي الذي يعيش المهنة قبل ممارستها إلى تكوين حامل شهادة يكتشف المهنة بعد الالتحاق بها.
وهنا يظهر أحد "الثقوب الدودية" في مسار إعداد المدرسين: كيف يمكن لمنظومة تطالب بجودة التعليم أن تقلص تدريجيًا الفضاء الذي تُبنى داخله الكفاءة المهنية؟ وهل كان التخلي عن التربص الميداني مجرد تغيير بيداغوجي، أم أنه مؤشر على تحول أعمق في فلسفة تكوين المربي؟
لكن التربص الميداني لم يكن قائمًا بذاته، بل كان يعتمد على فاعلين متخصصين يؤطرونه ويضمنون صلته بالواقع المدرسي... فما موقع جهاز التفقد البيداغوجي في هذا التحول؟
2. جهاز التفقد البيداغوجي: حين يُقصى الخبير من صناعة المربي
لم يكن حضور جهاز التفقد البيداغوجي في تكوين المدرسين حضورًا إداريًا أو رقابيًا فحسب، بل كان يمثل أحد أهم أشكال الوساطة المهنية بين المعرفة النظرية والممارسة الصفية. فالمتفقد، بحكم تكوينه وخبرته الطويلة داخل المدرسة، كان يحمل معرفة دقيقة بتعقيدات الفعل التربوي، وبكيفية تحويل المبادئ البيداغوجية إلى ممارسات قابلة للتنفيذ داخل القسم.
إن تكوين المدرس لا يحتاج فقط إلى من يشرح له النظريات التربوية، بل يحتاج إلى من يرافقه في لحظة الانتقال من النظرية إلى الفعل، وهي الوظيفة التي كان يضطلع بها التفقد البيداغوجي من خلال الإشراف على التربصات، وملاحظة الأداء، وتقديم التوجيهات، ومساعدة الطالب المدرس على بناء كفاءاته المهنية تدريجيًا. فالمهنة التربوية، كما يبين فيليب بيرنو (Philippe Perrenoud)، لا تُختزل في امتلاك المعارف، بل تقوم على بناء كفاءات مركبة تتشكل عبر الممارسة والتحليل والتكوين المستمر (Perrenoud, 1997).
ومن هذا المنظور، فإن إبعاد المتفقدين عن الإشراف على التكوين لا يمثل مجرد تغيير في توزيع الأدوار، بل يطرح سؤالًا حول موقع الخبرة المهنية داخل منظومة إعداد المدرسين. فعندما يُستبعد الفاعل الذي راكم تجربة ميدانية طويلة من عملية بناء المدرس الجديد، فإن المسافة بين التكوين والواقع المدرسي تصبح أكبر، ويصبح خطر إنتاج تكوين منفصل عن حاجات المدرسة أكثر احتمالًا.
وتزداد حساسية هذا التحول عندما يرتبط الأمر بحقوق مهنية لمتفقدين تم تكليفهم بمهام تكوينية، ثم وُعدوا بتسوية مستحقاتهم المالية دون أن يتحقق ذلك في حالات عديدة، الأمر الذي أدى إلى مقاطعة بعضهم لمهام التكوين باعتبارها وسيلة مشروعة للدفاع عن حقوقهم ومكانتهم المهنية. فالقضية هنا لا تتعلق فقط بمقابل مادي، بل بمسألة أعمق: الاعتراف بالدور الذي يؤديه الخبير التربوي داخل منظومة إعداد المربي.
إن ما يحدث يكشف مفارقة لافتة: في الوقت الذي ترفع فيه المنظومة شعارات تثمين الجودة والخبرة، يتم تدريجيًا إضعاف أحد أهم حوامل هذه الجودة، أي الفاعلين الذين يمتلكون المعرفة العملية بتعقيدات التدريس. وهو ما يذكرنا بتحليل بيير بورديو (Pierre Bourdieu) حول علاقة الحقول المهنية بالرأسمال الرمزي؛ إذ إن تهميش أصحاب الخبرة لا يؤدي فقط إلى تغيير تنظيمي، بل قد يؤدي إلى فقدان المهنة جزءًا من مكانتها ومعاييرها الداخلية (Bourdieu, 1980).
وهكذا يصبح السؤال أكبر من مجرد خلاف حول مهام أو مستحقات: هل نحن أمام إعادة تنظيم عقلاني لأدوار الفاعلين في التكوين؟ أم أمام مسار يؤدي تدريجيًا إلى تفكيك العلاقة بين التكوين والخبرة الميدانية؟
وبعد تراجع التربص الميداني وتهميش دور التفقد البيداغوجي، يظهر تحول ثالث لا يقل خطورة: هل بدأنا نشهد تقليصًا ممنهجًا لمسار تكوين المدرسين نفسه من خلال تراجع مكانة شعبة التربية والتعليم؟
3. شعبة التربية والتعليم: حين يتراجع الاستثمار في صناعة المربي
لا يقتصر التحول في منظومة تكوين المدرسين على مضمون التكوين أو على أدوار المشرفين عليه، بل يمتد إلى موقع شعبة التربية والتعليم ذاتها داخل منظومة إعداد المربين. فهذه الشعبة لم تكن مجرد مسار جامعي عادي، بل كانت تمثل خيارًا استراتيجيًا لإعداد جيل من المدرسين الذين يدخلون المهنة وهم يحملون ثقافة تربوية مشتركة، وتكوينًا متخصصًا، ووعيًا بطبيعة الدور الذي سيضطلعون به داخل المدرسة.
لكن المؤشرات الأخيرة، وخاصة ما يتعلق بالتقليص التدريجي من عدد الطلبة الموجهين نحو هذه الشعبة، تطرح أسئلة عميقة حول مستقبل هذا المسار. فحين تقلص الدولة عدد المنتسبين إلى مسار مخصص لتكوين المدرسين، فإن الأمر لا يتعلق فقط بالأرقام، بل يعكس تحولًا في الأولويات: من الاستثمار طويل المدى في بناء رأس مال بشري تربوي، إلى البحث عن حلول أكثر ظرفية لتلبية الحاجيات الآنية للمنظومة.
وقد بيّن بيير بورديو (Pierre Bourdeu) أن المدرسة لا تنقل المعارف فقط، بل تقوم أيضًا بإنتاج أنماط من الكفاءات والمكانات الاجتماعية من خلال مؤسساتها ومساراتها المهنية (Bourdieu & Passeron, 1970). ومن هذا المنظور، فإن إضعاف مسار تكوين المربين لا يؤثر فقط على عدد المدرسين القادمين من تكوين متخصص، بل قد يغير طبيعة المهنة نفسها ومعايير الانتساب إليها.
فالمسألة ليست في قيمة خريجي المسارات الأخرى أو في إمكانية اكتساب الكفاءة خارج شعبة التربية والتعليم، وإنما في السؤال المتعلق بفلسفة الإعداد: هل نريد مدرسًا يتشكل داخل مسار مهني واضح منذ البداية؟ أم مدرسًا يلتحق بالمهنة ثم يكتشف لاحقًا تعقيداتها؟
إن التجارب المقارنة في مجال تكوين المدرسين تؤكد أن الدول التي نجحت في تحسين أداء أنظمتها التعليمية أولت أهمية كبرى لجاذبية مهنة التدريس، وانتقائية الولوج إليها، وجودة التكوين الأولي والمستمر. فقد أشارت تقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) إلى أن تكوين المدرسين ودعمهم المهني يمثلان من العوامل الأساسية المرتبطة بجودة التعليم ونتائج المتعلمين (OECD, 2018).
لكن التوجه نحو تقليص مسارات التكوين المتخصصة قد يفتح الباب أمام منطق مختلف: منطق يعتبر المدرس مجرد حاجة عددية يجب توفيرها عند الضرورة، لا فاعلًا استراتيجيًا يحتاج إلى استثمار طويل في تكوينه. وهنا يظهر الانتقال من هندسة التكوين إلى هندسة النقص؛ إذ يصبح السؤال المركزي ليس: كيف نبني أفضل المدرسين؟ بل: كيف ندبر العجز بأسرع طريقة؟
وهذا التحول يثير مفارقة كبرى: كيف يمكن لمنظومة تربوية تسعى إلى مقاومة الهدر المدرسي وتحسين جودة التعلمات أن تقلص الاستثمار في المسار الذي ينتج من سيقود العملية التعليمية داخل الأقسام؟
لكن إذا كان تقليص شعبة التربية والتعليم يمثل وجهًا من وجوه التحول في فلسفة إعداد المدرسين، فإن السؤال الأوسع يتعلق بالنموذج الذي يقف خلف هذه التحولات: هل نحن أمام إصلاح تقني للتكوين، أم أمام انتقال نحو منطق اقتصادي جديد في إدارة المدرسة العمومية؟
4. منطق الخوصصة: حين تتحول آليات الانتداب من انتقاء الكفاءة إلى تدبير العجز
لا يظهر التحول في فلسفة تكوين المدرسين فقط في إضعاف مسارات الإعداد والتقليص من التكوين المتخصص، بل يتجلى أيضًا في الطريقة التي أصبحت بها المنظومة تتعامل مع الانتداب. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بمن يمتلك الكفاءة اللازمة لممارسة مهنة التعليم، بل أصبحت مرتبطة بكيفية سدّ الحاجيات العددية للمدرسة في أسرع وقت وبأقل كلفة.
لقد كان الانتداب عبر مناظرة الكفاءة المهنية (CAPES) يمثل، رغم بعض النقائص، آلية تقوم على مبدأ الاختيار والتقييم والاعتراف بالكفاءة، حيث يخضع المترشح لمسار انتقائي يختبر معارفه وقدراته المهنية قبل الالتحاق بالمهنة. فالمبدأ الأساسي لهذا النموذج هو أن التدريس مهنة لها خصوصيتها، وأن الدخول إليها يجب أن يمر عبر بوابة الكفاءة وليس فقط عبر توفر الشغور.
لكن التخلي التدريجي عن هذا النموذج وتعويضه بآليات أكثر هشاشة، وفي مقدمتها النيابات المسترسلة، أحدث تحولًا عميقًا في طبيعة العلاقة بين التكوين والانتداب. فقد تحولت النيابة من حلّ استثنائي ومؤقت لسدّ حاجيات ظرفية إلى مسار شبه دائم ينتظر من خلاله آلاف المدرسين فرصة الإدماج.
ولم تقف المسألة عند حدود هشاشة الوضعية المهنية، بل ارتبطت أيضًا بما رافق منظومة النيابات من غموض في معايير الاختيار في بعض الفترات، حيث أصبحت العلاقات والتدخلات الإدارية والنقابية والاجتماعية تلعب دورًا في مسار بعض الانتدابات، وهو ما خلق شعورًا لدى عدد من المترشحين بأن معيار الكفاءة وحده لم يعد كافيًا للعبور إلى المهنة. فحين تغيب الشفافية الكاملة في المسارات الانتقائية، يصبح صاحب الكفاءة الذي لا يمتلك شبكة علاقات أو سندًا اجتماعيًا في وضعية أكثر هشاشة من غيره.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: فقد تم في البداية تبخيس وضعية النيابة نفسها، من خلال أجور متدنية، وتأخر في صرف المستحقات المالية لأشهر، وغياب الاستقرار المهني والاجتماعي، بما جعل النائب يعيش حالة انتظار دائم. ثم تحولت هذه الوضعية نفسها، وبشكل تدريجي، إلى المعيار الأساسي للانتداب، فأصبح المرور عبر مدة زمنية من النيابة- قد تمتد لأيامات معدودة - وكأنه شرط غير معلن للحصول على وظيفة قارة.
ومن نتائج هذا التحول ظهور سؤال العدالة في وجه آخر: ما ذنب المترشح الذي لم يسلك طريق النيابة أصلًا لأنه رفض وضعية مهنية لا توفر له الحد الأدنى من الاستقرار؟ وما ذنب من عُرضت عليه نيابة فاختار عدم قبولها بسبب ضعف الأجر، أو تأخر المستحقات، أو ظروف العمل غير الملائمة؟ هل يصبح رفض وضعية هشة في مرحلة معينة سببًا للإقصاء النهائي من فرصة الانتداب؟
إن تحويل النيابة من حلّ مؤقت إلى معيار وحيد للانتداب جعل آلاف المترشحين يجدون أنفسهم أمام مفارقة غير عادلة: فإما أن يقبلوا شروطًا مهنية صعبة وغير مستقرة لسنوات حتى يحافظوا على حظوظهم في الإدماج، أو يرفضوا هذه الشروط دفاعًا عن حقوقهم وكرامتهم المهنية فيُنظر إليهم لاحقًا وكأنهم خارج مسار الاستحقاق.
ولا يمكن فهم هذا التحول في آليات الانتداب بمعزل عن السياق الاقتصادي العام الذي عرفته الدولة التونسية خلال العقود الأخيرة، حيث فرضت ضغوط الموازنة العمومية وتزايد أعباء كتلة الأجور، إلى جانب تأثير برامج الإصلاح الهيكلي وتوصيات المؤسسات المالية الدولية، منطقًا جديدًا في إدارة الوظيفة العمومية يقوم على التحكم في الانتدابات وتقليص كلفة الموارد البشرية.
غير أن الإشكال لا يكمن في ضرورة عقلنة التصرف المالي، فكل دولة مطالبة بحسن إدارة مواردها، بل في تحويل مقتضيات الظرف الاقتصادي إلى منطق دائم يعيد تشكيل المهن العمومية، ومنها مهنة التدريس، على أساس المرونة والهشاشة بدل الاستثمار في الجودة.
فحين يصبح التحكم في الكلفة هو المحدد الأول للسياسات العمومية، قد تتحول الحلول الاستثنائية إلى آليات دائمة: تتراجع الانتدابات القارة، وتتوسع أشكال التشغيل الهش، وتصبح المدرسة مطالبة بأداء وظائفها الاجتماعية الكبرى بأقل الموارد الممكنة. وهنا لا يعود السؤال متعلقًا فقط بكيفية توفير مدرسين، بل بكيفية الحفاظ على شروط تكوينهم واستقرارهم ومكانتهم المهنية.
إن هذا التحول يطرح سؤالًا حول معنى العدالة في الولوج إلى مهنة التعليم. فحين تنتقل المنظومة من مناظرة وطنية تقوم على التقييم إلى مسار طويل من الانتظار، فإنها لا تغيّر فقط آلية الانتداب، بل تعيد تشكيل صورة المدرس نفسه: من كفاءة يتم انتقاؤها وفق معايير مهنية، إلى مورد بشري يتم تدبيره حسب حاجات ظرفية.
وقد أشار ماكس فيبر (Max Weber) إلى أن الإدارة الحديثة تقوم على العقلنة والاحتكام إلى قواعد واضحة ومعايير موضوعية، وأن تراجع هذه القواعد يفتح المجال أمام تأثير العلاقات الشخصية والولاءات غير الرسمية في توزيع الفرص (conomie et société, 1971). لذلك فإن غياب مسارات واضحة وشفافة لا يمس فقط حقوق المترشحين، بل يمس ثقة المجتمع في المؤسسة التربوية وفي مبدأ تكافؤ الفرص.
إن أخطر ما في هذا التحول ليس فقط هشاشة وضعية النواب، بل جعل الهشاشة نفسها جزءًا من مسار بناء المهنة. فبدل أن يكون التكوين والانتقاء أساس الدخول إلى التدريس، أصبح الانتظار الطويل وإثبات القدرة على تحمل ظروف غير مستقرة جزءًا من الطريق نحو الاستقرار.
وهكذا يتحول النقص من مشكلة ظرفية إلى طريقة في إدارة المنظومة: يُنتج العجز، ثم تُبنى آليات الانتداب على أساس هذا العجز.
لكن إذا كانت آليات الانتداب الجديدة قد غيّرت علاقة المدرس بالمهنة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف انعكس هذا التحول على مكانة المدرس الاجتماعية، وعلى صورة المربي داخل المدرسة والمجتمع؟
5. من إضعاف التكوين إلى تبخيس المهنة: كيف تغيّرت صورة المربي في المجتمع؟
إن أخطر نتائج التحولات التي مست مسار إعداد المدرسين وانتدابهم لا تكمن فقط في الجانب الإداري أو التنظيمي، بل في التحول العميق الذي أصاب المعنى الاجتماعي لمهنة التدريس. فالمهنة لا تستمد مكانتها فقط من الأجور أو الوضعيات القانونية، بل أيضًا من المسار الذي يسبق الولوج إليها، ومن درجة الاعتراف الاجتماعي بالكفاءة التي يحملها صاحبها.
فعندما كانت مهنة التعليم ترتبط بمسار تكويني واضح، وانتقاء مهني، وتربص ميداني تحت إشراف مختصين، كان المدرس يدخل القسم وهو يحمل شرعية مهنية ورمزية قائمة على فكرة أن المربي خضع لإعداد خاص يؤهله لحمل مسؤولية بناء الأجيال. وهذا ما ينسجم مع تحليل إميل دوركايم (mile Durkheim) الذي اعتبر أن التربية ليست مجرد نقل للمعارف، بل فعل اجتماعي تقوم به مؤسسات وأفراد يحملون سلطة رمزية وأخلاقية داخل المجتمع (ducation et sociologie, 1922).
لكن عندما يتم إضعاف مسار التكوين، ثم الانتقال إلى آليات انتداب هشة، فإن ذلك يؤثر تدريجيًا على صورة المهنة نفسها. فالمجتمع لا ينظر فقط إلى ما يفعله المدرس داخل القسم، بل ينظر أيضًا إلى الطريقة التي أصبح بها مدرسًا. وعندما يصبح الانتساب إلى المهنة مرتبطًا بالانتظار الطويل، أو بالهشاشة المهنية، أو بمسارات غير واضحة، فإن جزءًا من القيمة الرمزية للمهنة يبدأ في التراجع.
وهنا يظهر تناقض عميق: فالمدرس يُطلب منه أن يكون صاحب رسالة، ومكوّنًا للأجيال، وحاملًا لقيم المواطنة، لكنه يجد نفسه أحيانًا داخل مسار مهني لا يمنحه الاستقرار ولا الاعتراف الذي يتناسب مع حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه. وهذا التناقض قد يؤدي إلى ما يسميه ريتشارد سينيت (Richard Sennett) بتآكل العلاقة بين الفرد ومهنته عندما تصبح ظروف العمل قائمة على عدم الاستقرار واللايقين، بما يؤثر على الهوية المهنية والانتماء (The Corrosion of Character, 1998).
إن تبخيس المهنة لا يحدث فقط عبر الخطاب المجتمعي، بل قد يبدأ من داخل السياسات العمومية نفسها عندما تتحول المهنة من مشروع تكوين واستثمار إلى مجرد آلية لتغطة النقص. فحين يصبح السؤال المركزي: "كم نحتاج من مدرس؟" بدل "أي مدرس نريد؟"، فإن ذلك يعكس تحولًا من منطق الجودة إلى منطق التدبير الكمي.
ولا يعني ذلك أن كل من دخل المهنة عبر مسارات غير تقليدية يفتقد الكفاءة، فالكفاءة يمكن أن تُبنى بطرق متعددة، لكن الإشكال يكمن في غياب مسار مؤسساتي واضح يضمن للجميع تكوينًا قويًا وانتقاءً عادلًا ودعمًا مهنيًا مستمرًا. فالمشكلة ليست في الأشخاص، بل في النظام الذي يجعل بناء الكفاءة مسألة فردية بدل أن تكون مسؤولية مؤسساتية.
وهنا يظهر "الثقب الدودي" الأكبر: كيف نطالب المدرس بأن يعيد الاعتبار للمدرسة، في الوقت الذي لا تمنح له المنظومة دائمًا المسار الذي يعيد الاعتبار لمهنته؟
لكن أزمة صورة المربي لا تنفصل عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية الأوسع التي أعادت تعريف دور الدولة في القطاعات العمومية... فهل يمثل ما يحدث في تكوين وانتداب المدرسين جزءًا من تحول أعمق نحو منطق جديد في إدارة المدرسة العمومية؟
6. من هندسة التكوين إلى هندسة العجز: أيّ مستقبل للمربي والمدرسة التونسية؟
إن المسار الذي تتبعه منظومة إعداد المدرسين وانتدابهم يكشف أن النقص لم يعد مجرد حالة ظرفية تفرضها متغيرات ديمغرافية أو حاجيات طارئة، بل أصبح في كثير من الأحيان جزءًا من طريقة إدارة المنظومة نفسها. فبدل أن يكون العجز في الإطار التربوي إشكالًا استثنائيًا تتم معالجته عبر التخطيط والاستثمار في التكوين، أصبح يُدار بآليات ظرفية تتكرر حتى تحولت إلى نمط دائم من التدبير.
وهنا يكمن جوهر الانتقال من هندسة التكوين إلى هندسة العجز: فالأولى تقوم على الاستباق وبناء المسارات المهنية قبل ظهور الحاجة، من خلال تكوين العدد المناسب من المدرسين وفق رؤية واضحة، وضمان امتلاكهم للكفاءات الضرورية قبل دخول القسم. أما الثانية فتقوم على انتظار ظهور الشغورات ثم البحث عن حلول سريعة لتغطيتها، ولو كان ذلك على حساب الاستقرار المهني وجودة الإعداد.
وقد أشار أنتوني غيدنز (Anthony Giddens) إلى أن المؤسسات الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على التعامل مع الأزمات، بل بقدرتها على بناء أنظمة تخطيطية تقلل من المخاطر وعدم اليقين (The Constitution of Society, 1984). ومن هذا المنظور، فإن استمرار الاعتماد على الحلول الظرفية يكشف عن انتقال من منطق التخطيط الاستراتيجي إلى منطق إدارة الأزمة.
إن الخطر الأكبر في هذا المسار هو أن النقص قد يصبح منتجًا لنقص جديد: فتراجع التكوين يؤدي إلى إضعاف جاذبية المهنة، وهشاشة المسار المهني تؤثر على صورة المدرس، وتراجع المكانة الاجتماعية للمهنة يجعل استقطاب الكفاءات أكثر صعوبة. وهكذا تدخل المنظومة في حلقة مفرغة تعيد إنتاج الأزمة بدل تجاوزها.
لذلك فإن إعادة بناء المدرسة التونسية تبدأ من إعادة بناء صورة المربي نفسه. فلا يمكن إصلاح التعليم دون إعادة الاعتبار لمسار إعداد المدرس، باعتباره استثمارًا في رأس المال البشري وليس كلفة مالية. فالمعلم الذي نحتاجه اليوم ليس مجرد منفذ للبرامج، بل فاعل قادر على التفكير في ممارسته، وتطويرها، والتفاعل مع التحولات التي يعرفها المجتمع والمتعلمون.
وقد أكد أندي هارغريفز (Andy Hargreaves) أن الأنظمة التعليمية الناجحة لا تبني الإصلاحات على مراقبة المدرسين فقط، بل على بناء مهنيتهم وتعزيز قدرتهم على التطور والإبداع (Teaching in the Knowledge Society, 2003). فالمربي القوي لا يُصنع بالاختصار، بل بمسار طويل يجمع بين التكوين والممارسة والتأمل والخبرة.
إن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه ليس فقط: كيف نعالج نقص المدرسين؟ بل: كيف نعيد بناء منظومة تعتبر تكوين المربي أساسًا لبناء المستقبل؟
الخاتمة: حين يصبح الدفاع عن تكوين المربي دفاعًا عن مستقبل المدرسة
تكشف رحلة تفكيك "الثقوب الدودية" في مسار تكوين المدرسين أن الأزمة ليست في إجراء منفرد، ولا في قرار معزول، بل في تحول تدريجي أصاب معنى المهنة التربوية نفسها. فمن التخلي عن التربص الميداني، إلى تراجع دور التفقد البيداغوجي، إلى تقليص مسارات التكوين المتخصصة، وصولًا إلى آليات انتداب تقوم على الهشاشة والانتظار، نجد أنفسنا أمام انتقال من منطق صناعة المربي إلى منطق تدبير النقص.
إن المدرسة لا تُبنى فقط بالمناهج والبرامج، بل بمن يحملون هذه المناهج داخل القسم. ولذلك فإن أي مساس بتكوين المدرس هو مساس غير مباشر بجودة التعلمات وبقدرة المدرسة على أداء وظيفتها الاجتماعية. وكما يبين إميل دوركايم (mile Durkheim)، فإن التربية ليست عملية تقنية لنقل المعارف فقط، بل هي فعل اجتماعي يساهم في بناء الفرد وإدماجه داخل المجتمع (ducation et sociologie, 1922).
إن إعادة الاعتبار للمربي لا تعني العودة إلى الماضي، بل تعني بناء مستقبل أكثر عقلانية: تكوين أولي قوي، ممارسة ميدانية حقيقية، إشراف من أصحاب الخبرة، انتداب شفاف قائم على الكفاءة، ومسار مهني يمنح المدرس المكانة التي تتناسب مع حجم مسؤوليته. فالمجتمع الذي يريد مدرسة ذات جودة لا يبدأ إصلاحه من الكتب والامتحانات فقط، بل يبدأ من السؤال الأكثر جوهرية: كيف يصنع من سيصنع أجياله القادمة؟
وهنا يعود السؤال الذي يختصر كل هذا المسار:
هل ستختار المنظومة التربوية التونسية إعادة بناء هندسة التكوين وصناعة المربي، أم ستواصل إدارة العجز حتى يصبح العجز نفسه قدرًا دائمًا للمدرسة؟
المراجع:
1. Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La Reproduction : léments pour une théorie du système d’enseignement. Paris : Les ditions de Minuit.
2. Bourdieu, P. (1980). Le Sens pratique. Paris : Les ditions de Minuit.
3. Bernstein, B. (2000). Pedagogy, Symbolic Control and Identity: Theory, Research, Critique. Lanham: Rowman & Littlefield Publishers.
4. Durkheim, . (1922). ducation et sociologie. Paris : Félix Alcan.
5. Fullan, M. (2007). The New Meaning of Educational Change. New York: Teachers College Press.
6. Giddens, A. (1984). The Constitution of Society: Outline of the Theory of Structuration. Cambridge: Polity Press.
7. Hargreaves, A. (2003). Teaching in the Knowledge Society: Education in the Age of Insecurity. New York: Teachers College Press.
8. Laval, C. (2003). L’cole n’est pas une entreprise : Le néo-libéralisme à l’assaut de l’enseignement public. Paris : La Découverte.
9. Meirieu, P. (1991). Le Choix d’éduquer : thique et pédagogie. Paris : ESF éditeur.
10. Morin, E. (1999). La Tête bien faite : Repenser la réforme, réformer la pensée. Paris : Seuil.
11. Morin, E. (2011). La Voie : Pour l’avenir de l’humanité. Paris : Fayard.
12. Perrenoud, P. (1997). Construire des compétences dès l’école. Paris : ESF éditeur.
13. Schn, D. A. (1983). The Reflective Practitioner: How Professionals Think in Action. New York: Basic Books.
14. Shulman, L. S. (1987). “Knowledge and Teaching: Foundations of the New Reform”. Harvard Educational Review, 57(1), 1-22.
15. Vygotsky, L. S. (1978). Mind in Society: The Development of Higher Psychological Processes. Cambridge, MA: Harvard University Press.
16. Weber, M. (1971). conomie et société. Paris : Plon.
الثقوب الدودية في المنظومة التربوية التونسية (5): من هندسة التكوين إلى هندسة النقص... من صناعة المربي إلى تدبير العجز التربوي
2026-07-23
34 قراءة
مختلفات
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال