بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

نحن وعقدة "القاوري" وعقدة الدّونيّة

2026-07-30 5 قراءة مقالات رأي فتحي الزغل
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
السّلام عليكم...
في مجال عملي، وهو التكوين والتدريب، أُعِدُّ ضمن متطلّبات العمل والإنتاج العادي، ما يسمّى في المجال بــ "برامج التدريب" وهي المنهاج الرّسمي للتكوين في الاختصاص ذي العلاقة بذاك البرنامج. وتلقى تلك البرامج، والحمد لله، استحسان كلّ المتدخّلين في القطاع سواء في بلدي تونس، أو في بلدان أخرى تعبّر دائما عن رغبتها في اقتنائها واعتمادها في دورات التكوين التي تنظّمها في اختصاصات تلك البرامج. وهذا ما يجعل المؤسّسة التي أنتمي إليها، ويجعلني أنا شخصيا، معتزّين بانتمائنا إلى بلدنا ومعتزّين بما نحن فيه من مستوى وما نقدّمه في مجال نشاطنا.
وليس من باب الغرور أو التعالي إذا ذكرتُ أنّنا ندرك ذاك المستوى، وتلك القيمة في كلّ مقارنة نقوم بها بين ما ننتجه نحن من برامج، مع برامج أخرى تكون معتمدةً من مراكز تدريب أجنبيّة، تسمع لها جعجعة في بلدها وحتى خارج بلدها.
ومن تلك الجهات التي نقارن ما لدينا بما تنتجه هي، جمعيةٌ في أستراليا تعرّف نفسها بأنّها تساعد مراكز التدريب في بلدها وحتى في دول العالم الأخرى، على صياغة برامج تدريب، تقول هي أنها تصير بعد تدخّلها "عالمية"، و"دولية"، وإلى غير ذلك من الأوصاف والنعوت الرنّانة، مع كثير من الدعاية الإعلامية، واللعب على الصور كما يقولون هنا في ثقافتنا التونسية الشعبية. وما يجعل في الأمر غصّة، هو أنّ من يريد أن ترضى عليه هذه الجمعية الفارغة، يدفع لها مبالغ مالية في شكل رسوم، ليظهر في محيطه الشّغلي، أنّه قد تلقّى منها مساعدة في إعداد البرامج، أو في أي تفصيلة أخرى في مجاله. وتراه يفتخر بتعليق شعار تلك الجمعية الفارغة في مكتبه، أو في موقعه على الانترنت، وكأنّ ذاك الشعار شهادة له بأنّه من أهل الجنّة. في سلوك دونيّ يعكس عُقدا لا متناهية من "القاوري" (وهو الرجل الغربي) وانبطاحا أمام كلّ ما يأتي منه، ولو كان من مستوى رديء جدا، بل لا يرتقي إلى مستوانا، ومستوى ما نقدّمه نحن -أهل البلد – في بلدنا، ونحن فخورون جدا بذلك.
وحتى لا أطيل عليكم، أورد لكم الاتصال الذي وقع بيني وبين تلك الجمعية... الذي، وبعد أن قدّم المتصل نفسه وجمعيته فيه، بدأ في نفخها وتفخيمها، وأنها الرائدة في بلدها، وفي كل العالم، وأنها لا يُعجزها شيء في الدنيا والآخرة، وأنهم الوحيدون الذين وصلوا إلى ما وصلوا إليه من علم وقيمة ومعرفة في قطاع التدريب والتكوين، وأنّهم لا مثيل لهم في الأرض، وأنهم لا يشبههم شيء، ولا يمكن لأي شخص أو مؤسّسة أن تصل إلى مستواهم الجهبوذي، وأنّهم بسبب هذه المكانة المرموقة جدا، هم يفرضون على من يريد أن يأخذ منهم اعتمادا، دفع رسوم ذلك الرضاء، ورسوما مقابل تعليق شعارهم عنده ورسوما مقابل العمل ببرامجهم (الفارغة أصلا). ثم سألني عن حاجتي بالضبط من عبقريتهم، وعن كيفية الدفع.
- لا احتاج منكم شيئا، فقد اطّلعت على برامجكم، وهي هزيلة في محتواها، وفي طرقها البيداغوجية، ويفترض نجاحها توفّر إمكانيات مادّيّة رهيبة، قد لا تتوفّر في البلدان التي لم يسبق لها ان استعمرت بلدانا أخرى في تاريخها فأضحت باستعمارها ذاك من البلدان الغنية الآن مثل بلدكم (رغم ان استراليا ليست من البلدان المستعمرة لكنّ سكّانها اغتصبوا أرض السّكّان الأصليين واغتصبوا مقدّراتهم).
- كيف تقول هذا الكلام ونحن مُعتمدون من كل البلدان، ومن منظمات دولية ذات العلاقة؟
- نحن نعلم جيدا كيف تُمنح هذه الاعتمادات ولمن تمنح، فمن يعمل في مناصب عليا في تلك المنظمات، يوزعها على أهل جلدته ممّن يعرفهم، ولا ينظر أبدا إلى حقيقة مستويات البلدان التي يراها أقلّ من بلده في كل شيء، في عقدة استعلاء معلومة.
- وكيف ستدخلون الأسواق الخارجية في البرامج إذا كنتم ترفضون شراء اعتمادنا؟
- نحن موجودون في الأسواق الخارجية بفضل ما نقدّمه، وليس بفضل شعاركم الذي نراه يفتقد إلى النزاهة.
- لكنكم غير معتمدين من عندنا... فكيف تبيعون البرامج؟
- وهل لا نبيع البرامج إلا باعتمادكم؟ لقد اطلعت فعلا على بعض برامجكم و وجدتُها هزيلة بالفعل، ولا يمكن مقارنتها بما لدينا نحن في اختصاصها. وأنصحكم بأن تتطّلعوا على ما نقدّم نحن، وما ننتجه نحن في مجالكم، لتدركوا الفارق في المحتوى وفي المنهجية وفي النتائج. فأنتم تبيعون التبعيّة والشعارات والصّور، والتدريب بحاجة إلى برامج فعلية وإلى منهجيات مجرّبة ناجعة.
- يظهر أنّكم لن تدفعوا لنا رسوم خدماتنا.
- نحن نقترح عليكم دفع رسومات لنا إذا كنتم ترغبون في تحسين ما عندكم من برامج، ودفع رسومات أخرى مقابل سماحنا لكم بتعليق شعار مركزنا عندكم.
- هذه أوّل مرّة يكلّمنا فيها ممثّل من مركز تدريب في دول العالم الثالث بهكذا كلام.
- تصنيف الثالث والثاني والأوّل في دول العالم قمتم به أنتم، وتستعملونه أنتم، ولا أفهمه أنا ولا أعتمده في عملي وفي تقييمي لإنتاج غيري من البشر، فمن يتقن عمله هو الأوّل ومن يبيع الوهم لا أراه سوى في الأخير من المراتب. ولكم أن تتصلوا بنا إذا احتجتم لخدمتنا التي نحترم.

وانتهت المكالمة، وبدأت أفكّر في هؤلاء الذين دفعوا ويدفعون من مالهم ليملؤوا جيوب هؤلاء المعربدين، الذين، وبعد أن يصلهم المال من الفقراء نفسا...يحتقرونهم لا محالة.
فكيف لا يحتقرون من كانت به عُقدُ؟

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال