المدن كالبشر تماما تفقد روحها حين تصادر ذاكرتها وتجبر على ارتداء ثياب لا تشبه تاريخها ولا طينتها.
هكذا كانت تونس حين دهمتها العساكر الفرنسية عام 1881 حيث لم يكتف الغزاة باحتلال الأرض بل شرعوا في هندسة اغتيال مكاني بطيء يهدف إلى مسخ هوية الحاضرة وكسر كبريائها العتيق.
لم يكن شق الطرقات وتشييد المباني في ما سمي Ville Nouvelle مجرد استجابة لضرورات التوسع العمراني بل كان ترجمة حجرية لغطرسة القوة وإعلانا صريحا بأن فضاء المدينة لم يعد ملكا لأهلها.
كان المخطط الصارم بخطوطه المستقيمة وكتله الخرسانية الباردة بمثابة نصل يخترق النسيج العضوي الدافئ للمدينة العتيقة ليخلق قطيعة بصرية ونفسية مع الماضي.
وفي قلب هذا الجرح المكاني الممتد عبر شارع البحرية Avenue de la Marine الذي سيحمل لاحقا اسم Avenue Jules Ferry ثم شارع الحبيب بويبة تجسدت ذروة التواطؤ بين السيف والصليب حيث تقرر وضع مقر السلطة السياسية الاستعمارية في مواجهة مباشرة وحادة مع رمز السلطة الروحية Cathédrale Saint Vincent de Paul et Sainte Olivie ليحاصرا معا روح المدينة المنسحبة خلف أبواب باب بحر، لكن هذا العناق المعماري بين الإدارة والكنيسة كان يخفي تحته غابة من الدسائس والحروب الصامتة التي لم تدون في سجلات المنتصرين الرسمية فالكاتدرائية لم ترتفع فقط لترهيب السكان الأصليين بل كانت في جوهرها ساحة لمعركة كسر عظام بين الحلفاء الأعداء داخل البيت الكاثوليكي نفسه. قبل مجيء الفرنسيين كانت الأزقة تضج بلهجات المهاجرين الإيطاليين وخاصة الصقليين الذين شكلوا الكتلة الديمغرافية الأوروبية الأكبر وكان الرهبان الكبوشيون الإيطاليون يبسطون نفوذهم الروحي من كنيسة Sainte Croix القابعة في أحشاء المدينة العتيقة.
وحين أطل الكاردينال Charles Lavigerie بعمامته وطموحاته الإمبراطورية أدرك بحدس السياسي الماكر أن ترك الرعايا تحت رحمة الكنيسة الإيطالية يمثل طعنة في ظهر المشروع الاستعماري الفرنسي.ومن هنا بدأت حرب الكواليس التي توجت عام 1884 بانتزاع قرار من الفاتيكان يعيد إحياء Archidiocèse de Carthage ليصبح هو سيدها المطلق ويسحب البساط من تحت أقدام الرهبان الإيطاليين.
ولتثبيت هذا الانقلاب الروحي كان لا بد من الخروج من عتمة الأسوار القديمة إلى الفضاء المفتوح فجاء قرار بناء الكاتدرائية الجديدة ليكون مسمارا يدق في نعش النفوذ الإيطالي.
ولأن الهيمنة لا تكتمل إلا باختراق النفوس وتذويب الهويات لجأت الإدارة الكنسية الفرنسية إلى حيلة بالغة الدهاء في هندسة الرموز والأسماء ،لم تكتف بإطلاق اسم القديس الفرنسي الذي أسر في تونس قديما على الصرح الجديد بل دمجت معه اسم Sainte Olivia الشهيدة الصقلية التي تعتبر شفيعة مدينة Palermo في محاولة لاهوتية لاحتواء الغضب الإيطالي وامتصاص ولاء العمال المهاجرين. كان هذا الدمج التسموي فخا ناعما لصهر الطوائف المتنافرة في بوتقة فرنسية واحدة ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل امتد لبناء كنائس فرعية عرقية مثل كنيسة Sainte Lucie لصيادي الأسماك الصقليين وكنيسة Saint Paul للعمال المالطيين لربطهم جميعا بخيوط خفية تنتهي عند مذبح الكاتدرائية المركزية وتمنع تشكل أي وعي سياسي مناهض للحماية.
غير أن الأرض التي تشربت دماء أهلها لم تكن لتقبل هذا الثقل الغريب بسهولة.
تكتمت التقارير الرسمية طويلا على الكارثة الهندسية التي رافقت البدايات فالمبنى الأول الذي وضع حجره الأساس عام 1881 تهاوى سريعا وتصدعت جدرانه لأن الغزاة تجاهلوا طبيعة الأرض السبخية الرخوة التي تتنفس من رئة Lac de Tunis وأمام هذا السقوط المذل الذي كاد يعصف بهيبة الكنيسة استنجدوا بالمهندس Bonnet Labranche عام 1890 الذي واجه تحديا مرعبا في أرض هي بالأساس مقبرة قديمة للمسيحيين منحت لهم في عهد البايات المراديين. ولترويض هذا الطين المتمرد تم اللجوء إلى حل سري ومكلف حيث غرست غابة كاملة من الأشجار الميتة تحت الأرض تتألف من 2377 جذعا من خشب Pin de Norvège وشجر Eucalyptus.
أنزلت هذه الركائز العملاقة في أحشاء الأرض الطينية لعمق بلغ 23 مترا حتى عانقت الصخر الصلب لتشكل وسادة خشبية غارقة في المياه الجوفية تمنع الهواء من الوصول إليها وتحفظها من التآكل، وفوق هذه الغابة المدفونة شيدت الأساسات ورفعت الأعمدة الشاهقة من الرخام الوردي المقتلع من قلب جبال الوسط لتقف الكاتدرائية شاهدا على قسوة الترويض واستنزاف الطبيعة.
اكتملت ملامح الواجهة عام 1910 على يد المهندس Louis Quérel الذي رفع البرجين المتوجين في سماء المدينة مضمنا إياهما توليفة معمارية ماكرة تزاوج بين الصرامة الرومانية البيزنطية والانحناءات الزخرفية المغاربية.
لم يكن هذا الخيار الجمالي بريئا بل كان تزويرا بصريا للتاريخ يحاول إقناع الناظرين بأن فرنسا لم تأت كقوة احتلال طارئة بل عادت كوريث شرعي لحضارة مسيحية قديمة ضربت بجذورها في أرض إفريقية قبل الفتح الإسلامي في محاولة لشرعنة الاغتصاب المكاني عبر اختطاف الرموز التاريخية.
لكن الخطيئة الكبرى التي ظلت طي الكتمان في دفاتر الحسابات السوداء تتعلق بالدم الذي كان يغذي شرايين هذا المشروع الضخم ،فالرواية الاستعمارية التي طالما تغنت بسخاء فرنسا تناست عمدا أن اتفاقية Concordat لعام 1893 التي ألزمت باريس بدفع النفقات قد تم الالتفاف عليها بخبث حيث حولت سلطات الحماية ابتداء من عام 1897 العبء المالي بالكامل إلى الميزانية التونسية وهكذا وجد الفلاح البائس والعامل المنهك أنفسهم يدفعون من عرقهم وقوت أبنائهم عبر ضرائب مجحفة تكاليف بناء الكاتدرائية ورواتب القساوسة الذين جاؤوا لمباركة جلاديهم ليصبح تمويل قهرهم بأموالهم الخاصة واحدة من أبشع مفارقات التاريخ الاستعماري.
هذا السر المالي الخفي كان هو السلاح الأقوى الذي اشهره المفاوض التونسي في وجه الفاتيكان بعد أن تنفست البلاد هواء الاستقلال، ففي جلسات التفاوض العسيرة التي قادتها حكومة الاستقلال لم تجد الكنيسة بدا من التراجع أمام وثائق دامغة تثبت أن تلك المعالم بنيت بمال تونسي خالص. انتهى هذا الحصار الدبلوماسي بتوقيع اتفاقية Modus Vivendi في 10 جويلية 1964 التي شكلت زلزالا في البنية الكنسية حيث أجبر الفاتيكان على التنازل عن 107 مبان دينية ومصحات ومدارس لصالح الدولة التونسية.
وتجرع الأسقف كأس المرارة حين تم إلغاء أرشيدوقية قرطاج وتجريده من لقبه التاريخي لتتحول الكنيسة إلى مجرد Prélature de Tunis محاصرة بالقوانين وممنوعة من أي نشاط تبشيري أو سياسي، ورغم استثناء الكاتدرائية وعدد قليل من الكنائس مثل Sainte Jeanne d'Arc وكنائس La Goulette و Grombalia و Sousse من التأميم لتظل في خدمة الأجانب والدبلوماسيين إلا أنها أصبحت مجرد هياكل معزولة تخضع لسيادة دولة استعادت قرارها ومجالها.
وفي موازاة هذا الانتصار القانوني كانت شوارع المدينة تستعيد نبضها وتغسل واجهاتها من غبار الهيمنة ففي 8 ماي 1956 زحفت الجماهير في لحظة تاريخية فارقة لاقتلاع تمثال Lavigerie الذي كان يرفع صليبه كخنجر مصوب نحو قلب المدينة العتيقة ليتهاوى الصنم وتتحرر الساحة من سطوته.
تغيرت ملامح المكان وتبدلت أسماؤه لتصبح ساحة الإستقلال وتحول قصر الإقامة العامة إلى مجرد سفارة تقف على قدم المساواة مع بقية الممثليات الدبلوماسية، ولتتويج هذا الاسترداد الرمزي ارتفع في قلب الساحة نصب المفكر عبد الرحمن ابن خلدون ليكون الحارس الجديد للمكان.
وقف ابن خلدون بعباءته الشامخة ونظرته الثاقبة في نقطة التقاطع الحرجة بين باب البحر والسفارة والكاتدرائية ليعيد صياغة المشهد ويخبر العابرين أن المدن العظيمة قد تنحني مؤقتا لعواصف الغزاة لكنها لا تموت بل تبتلع في النهاية من حاولوا ابتلاعها محولة صروحهم المتعالية إلى مجرد حجارة صامتة ومزارات أثرية تقرأ في صمتها الطويل تفاصيل حقبة توحشت ثم انطوت لتبقى الأرض لأصحابها ويبقى التاريخ شاهدا لا يرحم.
حجارة الهيمنة وصراع الظلال: التاريخ الخفي لكاتدرائية تونس
2026-07-31
33 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال