بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الثقب الدودي التربوي: سوسيولوجيا النجاح الآلي وإعادة إنتاج الفشل في الزمن المدرسي

2026-06-26 18 قراءة مقالات رأي سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تقديم: حين لا تعود المدرسة تنتج الزمن نفسه

لم تعد المدرسة مجرد مؤسسة لتلقين المعرفة، بل تحولت إلى جهاز معقد يعيد إنتاج الزمن التعليمي ذاته ويعيد توزيعه بين مستويات متداخلة: زمن التعلم، زمن الإدارة، وزمن المؤشرات الإحصائية. وبين هذه الأزمنة، تتسع فجوة صامتة تجعل التلميذ ينتقل أحيانًا بين المستويات دون أن يكون قد عبر فعليًا المسافة المعرفية التي تفصل بينها.

في هذا السياق، يمكن فهم بعض السياسات التعليمية بوصفها “ثقوبًا دودية تربوية”: آليات تختصر المسار الإداري والزمني، دون أن تضمن اختصار المسار المعرفي نفسه. وهو ما يفتح سؤالًا مركزيًا حول معنى النجاح داخل المدرسة: هل هو تحقق فعلي للتعلم، أم مجرد انتقال إداري داخل الزمن المدرسي؟ (UNESCO, 2012).

ومن هنا ينبثق الإشكال: كيف تحولت سياسات النجاح الآلي وإعادة تنظيم الترفيع إلى آليات لإدارة الفشل داخل الزمن المدرسي بدل معالجته؟

1. من الانتقاء إلى الإدماج التدريجي: إعادة تشكيل وظيفة المدرسة

يمكن إرجاع جذور هذا التحول إلى المسار الإصلاحي الذي عرفته المنظومة التربوية التونسية منذ مطلع التسعينات، في سياق إعادة هيكلة المدرسة العمومية وتوسيع قاعدة التمدرس. خلال هذه المرحلة، برز توجه عام نحو تقليص حدة الانتقاء المبكر، وإعادة تنظيم التوجيه المدرسي، وتعزيز منطق إدماج أوسع داخل المسار الدراسي.

لم يكن هذا التحول قطيعة فجئية، بل مسارًا تدريجيًا نحو إعادة تعريف وظيفة المدرسة: من مؤسسة تميل إلى الفرز المبكر حسب النتائج، إلى مؤسسة تعمل على تمديد المسار المشترك وتأجيل لحظة الحسم التربوي.

غير أن هذا التمديد، كما تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لا يحقق أثره الإيجابي إلا عندما يُرافق بدعم بيداغوجي فعلي داخل القسم، وليس بمجرد تعديل إداري لقواعد الانتقال (OECD, 2023). كما يوضح بيير بورديو وجان-كلود باسرون أن توحيد المسارات دون معالجة الفوارق في رأس المال الثقافي يؤدي غالبًا إلى إعادة إنتاج اللامساواة بدل تقليصها (Bourdieu & Passeron, 1970).

2. النجاح الآلي: اختصار المسار أم اختصار التعلم؟

في هذا السياق، يظهر “النجاح الآلي” بوصفه انتقال التلميذ إلى مستوى أعلى دون إعادة السنة، في إطار سياسات تهدف إلى تقليص الرسوب وتعزيز الإدماج المدرسي. ويمكن قراءته باعتباره “ثقبًا دوديًا تربويًا”: فهو يختصر الزمن الإداري بين المستويات، لكنه لا يختصر الزمن المعرفي اللازم لبناء التعلمات.

ينتقل التلميذ إلى مستوى جديد، بينما تبقى كفايات أساسية غير مكتملة، فتتحول الفجوة من إشكال ظرفي إلى تراكم ممتد داخل المسار الدراسي.

ومن منظور ميشيل فوكو (ميشال فوكو) (1975)، يعكس هذا التحول انتقال السلطة الحديثة من منطق العقاب إلى منطق تدبير المسارات الزمنية للأفراد داخل المؤسسات، حيث تصبح الإدارة الزمنية بديلاً عن الحسم التربوي المباشر.

كما يمكن فهم هذا التوجه أيضًا في إطار اعتبارات تنظيمية واقتصادية، تتعلق بتقليص كلفة الرسوب وإعادة السنة، إضافة إلى تخفيف التوترات الاجتماعية بين المدرسة والأولياء، وما يرافق قرارات الإعادة من ضغط مؤسساتي واجتماعي.

3. الترفيع المرتبط بالسن: عندما ينافس العمر الكفاية

يتعمق هذا المنطق مع آليات الترفيع المرتبط بالسن، حيث يصبح العمر معيارًا لتفادي بقاء التلميذ في مستوى أدنى لفترة طويلة. ويُفهم هذا الإجراء بوصفه حلًا تنظيميًا لتقليص الفوارق العمرية داخل الأقسام.

لكن هذا الحل يطرح إشكالًا جوهريًا:
هل يمكن للزمن البيولوجي أن يعوض الزمن المعرفي؟

فالانتقال المرتبط بالعمر قد يخفف من بعض الاختلالات الاجتماعية الآنية، لكنه لا يعالج بالضرورة الفجوات التعليمية المتراكمة أو صعوبات التعلم الممتدة عبر المسار الدراسي (UNESCO, 2012).

4. مفارقة التقييم: بين المعدل والمعرفة الفعلية

تُظهر ممارسات تقييم التعلمات أن عددًا مهمًا من التلاميذ المصنفين ضمن “الناجحين” لا يمتلكون بالضرورة الحد الأدنى من الكفايات الأساسية في اللغات والرياضيات. هنا يتسع التباين بين “النجاح المعدلي” و“النجاح المعرفي”.

فالمعدل لا يعكس دائمًا التملك الفعلي، لأنه يقوم على تجميع مواد ذات أوزان مختلفة، حيث يمكن لمواد التنشئة الفنية أو التربية البدنية أو غيرها أن ترفع المعدل العام رغم وجود صعوبات في المواد الأساسية.

كما تعتمد بعض أنظمة التقييم ضمن المقاربة بالكفايات على تنظيم المواد داخل مجالات تعلمية، مثل مجال العلوم والتكنولوجيا الذي يضم الرياضيات والإيقاظ العلمي والتربية التكنولوجية. ويؤدي هذا التنظيم إلى احتساب النتائج داخل كتلة واحدة قابلة للتعويض الداخلي بين مكوناتها، إذ تعوض التربية التكنولوجية العطالة في الرياضيات، بل و تختزل صعوبات تملكها.

ويترتب عن ذلك أن تصبح بعض المواد عاملاً غير مباشر في تعديل المعدل النهائي، ليس عبر قيمتها المستقلة، بل عبر اندماجها داخل بنية حسابية مجالية. وهكذا يتحول المعدل إلى بناء تركيبي أكثر منه انعكاسًا دقيقًا لمستوى الكفايات في كل مادة على حدة.

وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن أنظمة التقييم التي لا تعكس بدقة مستوى الكفايات الأساسية تؤدي إلى تضخم “النجاح الظاهري” مقابل ضعف التملك الفعلي (OECD, 2023)، كما تؤكد اليونسكو أن الفجوة بين المؤشرات والمهارات الفعلية تمثل أحد أبرز تحديات جودة التعليم (UNESCO, 2012).

5. سوسيولوجيا إدارة الفشل: الزمن والمؤشر كأدوات حكم

إن تتبع هذه الآليات يكشف أن تقليص الرسوب لا يعني إلغاء الفشل، بل إعادة توزيعه من لحظة القرار التربوي الظاهر إلى مسار التراكم البطيء داخل الزمن المدرسي. وفي هذا الإطار، يصبح النجاح الآلي وآليات الترفيع أدوات لإدارة الفشل عبر تأجيله وامتصاصه داخل بنية زمنية مرنة.

يُظهر ميشيل فوكو (ميشال فوكو) (1975) أن السلطة الحديثة لا تعمل فقط عبر العقاب، بل عبر تنظيم الزمن والحركة داخل المؤسسات. كما يوضح بيير بورديو (بيار بورديو) وجان-كلود باسرون (1970) أن المدرسة، حين توحّد المسارات دون معالجة الفوارق في رأس المال الثقافي، تساهم في إعادة إنتاج اللامساواة بشكل مقنن.

وهنا يبرز سؤال أكثر حدة: هل تُنتج المدرسة المعرفة فعلًا، أم أنها تتحول تدريجيًا إلى جهاز يُنتج قابلية قياس المعرفة بدل إنتاجها؟

خاتمة: هل تكفي الثقوب الدودية التربوية؟

يختصر الثقب الدودي المسافة، لكنه لا يغيّر طبيعة الفضاء. وكذلك تفعل السياسات التربوية القائمة على النجاح الآلي وآليات الترفيع: فهي تختصر المسار الإداري، لكنها لا تختصر زمن بناء المعرفة.

لقد ساهمت الإصلاحات منذ التسعينات في إعادة تشكيل الزمن المدرسي نحو منطق إدماجي يؤجل الحسم التربوي بدل إنتاجه في لحظته. كما أسهمت المقاربات الحديثة في التقييم، عبر تنظيم المواد داخل مجالات تعلمية، في إعادة تركيب المعدل بطريقة قد تُنتج نجاحًا إحصائيًا لا يعكس بالضرورة التملك الفعلي للكفايات.

لكن الأسئلة تبقى مفتوحة:

هل يمكن للمدرسة أن تستمر في إنتاج نجاحات إحصائية دون تعلمات فعلية؟ وهل أصبح الفشل يُدار بدل أن يُعالج؟ وهل يمثل “الثقب الدودي التربوي” حلًا، أم مجرد شكل أكثر نعومة لأزمة أعمق في وظيفة المدرسة نفسها؟

المراجع:

1. Bourdieu, Pierre & Passeron, Jean-Claude (1970). La reproduction. Paris: ditions de Minuit.

2. Foucault, Michel (1975). Surveiller et punir. Paris: Gallimard.

3. OECD (2023). PISA 2022 Results (Volume II): Equity in Education. Paris: OECD Publishing.

4. UNESCO (2012). Global Education Digest 2012. Montreal: UNESCO Institute for Statistics.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال