يصادف السياسي / الدبلوماسي في حياته السياسية، وعلماء السياسة في بحوثهم، مواقف وأساليب عمل، يصعب وضع عنوان أو تعريف لها. لتداخل عناصر كثيرة في المشهد، ولعل أشهر تلك المواقف والمشاهد، ما نعيشه الآن كواقع سياسي في منطقة المشرق العربي، من تداخل وتشابك المباشر لمصالح دول وقوى عالمية، قد تبلغ درجة التدخل الدولي الواسع النطاق، إذا تجاوز إشعاع وتأثير أحداثه المصالح الوطنية لدول المنطقة.
أطراف النزاع في مراحله السياسية / الصراع في مراحله المسلحة، بمستوياته بين: الولايات المتحدة / إسرائيل / إيران يدور بدرجات ومؤشرات قد تبدو للبعض غير مفهومة، بل ومتناقضة أحياناً. الأمر الذي يصيب معظم المراقبين بالحيرة من إيجاد رابط موضوعي / علمي بين هذه الظواهر الذي كان يجمع حتى لسنين قليلة خلت بقوة بين هذه الأطراف الثلاثة، ويصاب بالدهشة التامة حين تخبره، أن عودة هذا التحالف الثلاثي إلى ما كان عليه من القوة، والتنسيق والتفاهم محتمل، بل هو مرجح لأن عناصر التماثل بين الكيانات الثلاثة هي أكثر من عناصر التنافر، وأن الروابط التي تشد بينها، ما زالت ثابتة:
ــــ الكيانات الثلاثة: الولايات المتحدة / إسرائيل/ إيران، هي ليست أمم، فالعلماء المتميزون في الولايات المتحدة وإسرائيل يحاولون جاهدين عبثاً، أن يثبتوا لمن يمتلك البصر والبصيرة، أنهم أمم بالاستعانة بقوانين التطور (الملفقة) تارة، والتحايل والافتراء ومحاولة تعميم قسري للتلفيق. فليست هناك مشتركات في صفوف هذه الشعوب الداخلية سوى الرغبة بالعيش المشترك، وحصولهم على أراض وموجودات مادية اغتصاباً، بموجهة هذه القاعدة الفلسفية العميقة " الشعب الحر لا يعتدي على شعب حر آخر"، فالشعوب الحرة تؤمن بمبدأ تقرير المصير وترفض الاستبداد والاعتداء على سيادة الدول، إيماناً منها بأن حريتها لا تكتمل إلا باحترام حرية وحقوق الآخرين. مبادئ العدالة والسلام الدولي تؤكد أن الدفاع عن النفس ضد المحتل أو المعتدي حق مشروع، بينما يعد التعدي على الشعوب الأخرى انتهاكاً صارخاً لأبسط حقوق الإنسان والقانون.
ــــ الصفة الثانية التي تجمع بين الدول الثلاث، إلا وهو النظام الاقتصادي، شبة الرأسمالي/ شبه الإمبريالي، وهذه السمات والخصائص المشتركة جمعت بينهم في تقارب وتحالف منذ عقود طويلة، فالعلاقة بين اليهود والفرس تعود لزمن بابل، كما أن الدول الفارسية: الصفوية، القاجارية، والشاهنشاهية، منذ نحو نيف وأربعة قرون في تعاون وتنسيق مع الغرب(أوربا وأميركا). أما الكيان الصهيوني، فهو صنيعة النظام الرأسمالية بصفة تامة وجوهرية.
ــــ الأمر الثالث مشتركات تجمع بين الأطراف الثلاثة، كره وعداوة مشتركة لكل ما هو عربي/ إسلامي، وتقاطع تام على المدى الاستراتيجي. فالولايات المتحدة تعتقد أن تواصل النهوض والتقدم العربي في نتائجه البعيدة والقريبة ستكون في غير صالح الولايات المتحدة على المدى القريب والبعيد. أما الصهاينة، فهم يفسرون ويؤولون كل شيئ على أنه من علامات الساعة بالنسبة لهم، والفرس يعتقدون أنهم يجب أن يكونوا أمة عظمى بوسعها أن تستولي على العالم، فعقائد وثقافة الفرس هي عبر التاريخ اعتدائية توسعية، تتطلع بشراهة لما يملكه الآخرون. فلا يستطيع أن يعبر عن وجوده إلا بالعدوان والتوسع. والفرس يعتقدون أن هناك أمتان تقفان حائلاً أمامها: العرب والترك. ويؤسسون عقيدتهم الأمنية (national security doctrine) على أساس خلق العوائق أمام الاستقرار او الحيلولة دون ترسيخ الامن للنظام السياس.
الصهيونية بحد ذاتها، هي منتج للدوائر الاستعمارية البريطانية، الأنظمة الاستعمارية الرأسمالية القيادية، التي وجدت في فلسطين تنفيس عن مشكلة سياسية/ اجتماعية، حلاً للاضطهاد المزمن لليهود في بلدانهم، وتصريفاً لمشكلة ما برحت فقرة على طاولات محادثاتهم السرية والعلنية. اليوم تشير المعطيات على أرض الواقع، إلى الفشل الذريع للمشروع برمته وبكافة تفاصيله، ولكن بالمقابل فقد تحول الكيان لا سيما في هذه الحقبة التي بلغت نحو القرن من الزمان، (منذ مطلع القرن العشرين)، فصاعداً إلى كيان عضوي ملتحق بصفة تامة بالولايات المتحدة.
ولو كان الفرس (على اختلاف انتمائهم) قد تقدموا وعرضوا الصداقة والمصالح الاقتصادية، والتزموا بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، لكانوا قد تجنبوا الكثير من الأخطاء. والتدخلات التي لم ينجوا منها ومن آثارها، وهناك اختلافات (غير جوهرية) بين الأنظمة الفارسية(الصفوية، القاجارية، البهلوية، الملالي)، لكن العقل السياسي الفارسي محكوم بثوابت فهو رهين سجن جبته الكهنوتية حاكها لنفسه على مر القرون، تطبع بطابعها العقل السياسي الفارسي، ولا يستطيع الانفكاك عنها. سلسلة من الأوهام والخرافات، ولكن التخلي عنها قد يتسبب بانهيار تام للنظام.
اليوم، ووفق قاعدة: " لا صداقات ولا عداوات دائمة في السياسة، هناك مصالح دائمة"، قادت إلى هوجس امنبة، وتناقضات ثانوية، بتراكمها قادت إلى مخاوف في الامن القومي، فإيران تخشى التفكك، فهي تستحوذ على أراض آذرية، وتركمانية وبلوشية وعربية، ويوم ما ستدق الساعة معلنة نهاية الكيان المصطنع عام 1935، وستلتحق هذه الكيانات إلى أوطانها الأم. وإسرائيل التي تؤشر لها معطيات التطور الاقتصادي والسياسي، والتحولات الثقافية والسكانية العربية، ملامح عن صورة المستقبل، بعد أن تطرح هذه المعطيات ثمارها ونتائجها الحاسمة.
وإيران قررت أن تسبح عكس التيار، بأتجاهان أساسيان:
الأول: التوسع في البلدان المجاورة،
والثاني: في حيازة للسلاح النووي،
وتحاول أن تفرض واقعاً سياسياً وجيوبولتيكياً جديداً. يدخلها في معادلات الشرق الأوسط السياسية والاقتصادية، على أمل أن يساعد ذلك في حفظ كيانها. إذن تحالف المصالح بدأ يتضعضع، وينهار، ولا سيما في الكيان الصهيوني والصفوي، وحيال هذه المشاريع تعتقد إسرائيل أنها ستفقد شيئاً من مكانتها في التحالف الثلاثي وفي قيمتها الشرق أوسطية، لذلك ففي قواعد وعقائد الأمن القومي لا توجد مجاملات، والولايات المتحدة لا ترى بالضبط ما يراه الكيان الصهيوني، ولكنها ملتزمة رسمياً بأمن إسرائيل، وتجاريها في هواجسها، وإن بدرجة أقل حماساً. فالموقف السياسي، الاقتصادي/ الديمغرافي، سيطرأ عليه تغيرات جذرية، فالساحة العربية لم تعد تعمل بمعطيات ما بعد الحرب العالمية الثانية، فهناك مراكز اقتصادية / صناعية/ علمية تحرز تتقدماً في المغرب العربي وفي مشرقه، والخلاصات التي كانت صالحة قبل 60 و70 عاماً، لم تعد صالحة للتقييم على أساسها.
التحالف أصيب بعطب شديد، (يمكن إصلاحه) وهو يعكس المحتوى المصلحي (لا المبدأي) بين الأطراف الثلاثة، وإن كان هذا معروفاً لمن يمتلك القدرة العلمية في التحليل السياسي، ويشاهد بوضوح، أن لا شيئ جوهري يجمع بين الحلفاء الثلاثة، فهم لا ينتمون إلى أصول دينية وعرقية واحدة، ولا تجمعهم هواجس مشتركة وبدرجة واحدة، فالحلف، يمكن أن يستعيد وجوده على أساس التخادم، وأن مصالحه تبدأ في معركتهم المشتركة ضد محبطات الأمن القومي للكيانات الثلاثة. وأن يؤجل انهيار الحلف الثلاثي لسنوات أخرى قادمة.
ولكن هناك عوامل خارجية تدور (السجال الاستراتيجي في جنوب شرق آسيا)، وصراع مسلح يدور في أوربا / أوكرانيا، ستكون له آثاره وتداعياته، ستطرح بالتأكيد تأثيراتها الجانبية (Side effects) ليس على منطقة الشرق الأوسط، بل على صعيد مسرح السياسة العالمية.
تحالف أم تناقض .... أم تخادم ...!
2026-06-23
5 قراءة
مختلفات
د. ضرغام عبد الله الدباغ
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال