بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

جثة حشّاد التي لم تتعفن و اغتيال ديمقراطية تونس المبكرة بقلم المخابرات الفرنسية و بمباركة رفاق السلاح

2026-07-16 2 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
جثة حشّاد التي لم تتعفن و اغتيال ديمقراطية تونس المبكرة بقلم المخابرات الفرنسية و بمباركة رفاق السلاح
في تلك الجغرافيا المنسية الملقاة على حافة الملح والريح حيث تشتبك أمواج المتوسط بصخور جزر قرقنة ولد فرحات حشاد في الثاني من فيفري عام 1914 في قرية العباسية التابعة لولاية صفاقس.
هناك وسط عائلة كابدت شظف العيش وعاشت على ما تجود به شباك صيد السمك تشرّب الطفل الصغير قسوة الطبيعة ومكر البشر إذ كان والده محمد حشاد صيادا يصارع البحر يومياً لتأمين لقمة عيش بالكاد تسد رمق العائلة ووالدته هناء بن رمضان.
تلقى فرحات تعليمه الابتدائي في المدرسة الفرانكوعربية بقرية كلابين حيث درس فيها لمدة ثماني سنوات وظفر بالشهادة الابتدائية عام 1929 غير أن يد الموت التي خطفت والده بغتة أجبرت الصبي على انتزاع نفسه من مقاعد الدراسة ليلقي بجسده الغض في معترك الحياة المهنية المضنية مساعدةً لعائلته المكلومة.
لم تكن الهجرة نحو مدينة سوسة مجرد بحث عن عمل بل كانت البوابة التي ولج منها حشاد إلى وعيه الطبقي والنقابي فحين اشتغل ناقل بضائع ومعينا في شركة النقل بالساحل رأى بعينيه كيف يطحن العمال التونسيون في تروس الماكينات الاستعمارية مما دفعه عام 1936 للانخراط في العمل النقابي عبر الكونفدرالية العامة للشغل الفرنسية.
ولم يكد يمر عام واحد حتى قاد إضرابا عماليا ناجحا زلزل أركان إدارة الشركة التي سارعت بنقله عقابيا إلى مدينة صفاقس قبل أن تتخلص منه بالطرد النهائي من عمله عام 1939 جراء نشاطه الدؤوب الذي لم ينطفئ.
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية وجد حشاد نفسه في مواجهة فاقة مادية حادة وركود قسري فرضه حظر النشاط النقابي والسياسي من قبل إدارة الحماية الفرنسية فما كان منه إلا أن حوّل هذا الفراغ الإجباري إلى طاقة إنسانية متقدة عبر التطوع في منظمة الهلال الأحمر مسعفا للجرحى ومواسيا للعائلات التي سحقتها آلة الحرب.
حين وضعت الحرب أوزارها كان حشاد قد بلغ مرحلة النضج الحقيقي لمشروعه النقابي الوطني فعاد في عام 1943 ليعمل موظفا عموميا في دائرة الأشغال العمومية بصفاقس وبدأ على الفور رحلة تاريخية لإعادة بناء الهياكل النقابية المستقلة.
أسس اتحاد النقابات الحرة بالجنوب في صفاقس عام 1944 شاهرا ملف المساواة الاجتماعية والاقتصادية بين العامل التونسي ونظيره الفرنسي ثم أتبع ذلك بتأسيس اتحاد النقابات المستقلة بالشمال في العاصمة عام 1945 وتوجت هذه الملحمة التنظيمية في العشرين من جانفي عام 1946 بتأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل ليكون أول منظمة نقابية عمالية مستقلة تماما في إفريقيا والعالم العربي وحرصا على تسييج هذه المنظمة بالهوية الوطنية الروحية أُسندت رئاستها الشرفية والفعلية في المؤتمر التأسيسي للشيخ العالم الزيتوني محمد الفاضل بن عاشور بينما تولى حشاد الأمانة العامة ليكون المحرك التنفيذي والقلب النابض لهذا الكيان الجديد الذي سرعان ما تحول إلى العمود الفقري للأمة التونسية واصلا برباط وثيق بين النضال الاجتماعي المطلبي والمعركة الوطنية الكبرى من أجل الاستقلال خصوصا بعد أن اعتقل الاستعمار الحبيب بورقيبة ونفى قيادات الحزب الدستوري الجديد في جانفي1952 ليصبح حشاد والاتحاد القوة الوحيدة القادرة على قيادة المقاومة وتأطير الشارع.
كانت جبهة النضال الوطني التونسي في مطلع الخمسينيات ترتكز على توازن دقيق ومقلق بين ثلاثة أقطاب كاريزمية تتقاطع رؤاها وتتصادم بوضوح فرحات حشاد والحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف.
فبينما كان حشاد يستند إلى قاعدة اجتماعية صلبة قوامها الطبقة العاملة الكادحة والفلاحون والامتداد الشعبي في الدواخل والأرياف يرى أن التحررين الاجتماعي والسياسي متلازمان ويرفض أي مساومة تهمش حقوق الشغالين كان الحبيب بورقيبة يتكئ على النخب الحضرية والمثقفين الدستوريين والبرجوازية الصغيرة في المدن والساحل مستندا إلى رؤية استراتيجية تقوم على سياسة المراحل والتنازلات التكتيكية المفضية إلى الحكم الذاتي ثم الاستقلال التام.
وفي المقابل برز صالح بن يوسف سليل العائلة الثرية من أعيان جزيرة جربة وتجار الجملة المتنفذين متميزا بثقافته القانونية الباريسية وأسلوبه الخطابي المؤثر مستندا إلى الأعيان ومناصري الهوية العربية الإسلامية وعلماء الزيتونة ومطالبا بالكفاح المسلح الفوري ورافضا للاستقلال الداخلي المنقوص حتى أن بن يوسف كان يتبجح أحيانا بمركزه الطبقي العائلي معتبرا أن المال لأبيه والعلم لأخيه الشيخ البشير بن يوسف المدرس بجامع الزيتونة بينما السياسة قد خُلقت له وحده.
وفي عمق هذا الصراع الصامت على النفوذ والشرعية كان حشاد يمثل بيضة القبان التي تمنع الاستقطاب الثنائي الحاد مدركا جليا أن تونس مقبلة على مخاض عسير قد يعصف بوحدتها الوطنية إذا ما انفرد طرف واحد بالقرار وعبر ابنه نور الدين حشاد حفظت مقولته الاستشرافية الصادمة التي وجهها لشقيقه محذرا إياه من التهديدات ومرددا في أسماع شقيقه بيقين الأنبياء أنه لكي تنال تونس استقلالها فإنه وجب أن أموت أنا أو صالح بن يوسف أو الحبيب بورقيبة. كانت العبارة قراءة واقعية مبكرة ومخيفة لطبيعة صراع لم يكن ليحتمل وجود ثلاثة مشاريع كاريزمية متنافسة ولهذا فإن غياب حشاد لاحقا فجّر الخلاف البورقيبي اليوسفي وحوّله سريعا إلى حرب أهلية دامية طحنت البلاد بين عامي 1955 و1956 حيث استغل بورقيبة غياب النقابي الأكبر لتمرير سياسته المرحلية مستعينا بالقيادة الجديدة للاتحاد العام التونسي للشغل التي تم إقناعها بالانحياز التام للشق البورقيبي في مؤتمر صفاقس الشهير في نوفمبر 1955 مما ساهم في عزل صالح بن يوسف وتسهيل تصفيته لاحقا في فرانكفورت عام 1961.
خلافا للسردية التاريخية الرسمية التي جهدت لتصوير العهد الملكي الحسيني بمظهر المتعاون أو الضعيف تكشف الوثائق التاريخية الدقيقة عن تنسيق استراتيجي متقدم جمع بين حشاد والملك محمد الأمين باي إذ كان حشاد بذكائه السياسي يدرك أهمية استغلال الشرعية القانونية والدستورية للعرش لمواجهة مناورات الإدارة الاستعمارية وتدويل القضية التونسية.
تحول حشاد في مطلع الخمسينيات إلى المستشار والناصح السياسي الأكثر قربا واستماعا من قبل الباي وعندما حاولت الإقامة العامة الفرنسية بزعامة المقيم العام جان دي هوتكلوك وبدعم من رئيس الحكومة الفرنسية أنطوان بيناي فرض حزمة من الإصلاحات البلدية والإدارية الرامية إلى تكريس السيادة المزدوجة وتقنين الوجود الاستعماري بادر حشاد بالتدخل المباشر واقترح على الباي عدم رفض المقترحات مباشرة لتفادي الصدام الأمني الفوري بل مطالبة باريس بمهلة لتمكينه من استشارة الشعب التونسي.
تجسد هذا المقترح عمليا في الأول من أوت عام 1952 عندما دعا الأمين باي إلى قصر قرطاج أربعين شخصية تمثل كافة القوى السياسية والنقابية والروحية لتأسيس ما عُرف بمجلس الأربعين أو لجنة الأربعين وعُيّن الأستاذ فتحي زهير المستشار القانوني للملك والصديق المقرب لحشاد مقررا عاما للجنة.
أدار زهير وحشاد مداولات المجلس بكفاءة عالية أسفرت في الثاني من أوت عن رفض قاطع ومسبب للمقترحات الفرنسية بل وتطورت التوصيات للمطالبة بتأسيس أول برلمان تونسي منتخب كعنوان للسيادة الوطنية المستقلة.
هذا التناغم الصلب بين العرش والنقابة مثّل صفعة قوية لخطط الإقامة العامة التي أدركت أن إفشال هذا الحلف يمر حتماً عبر تصفية رموزه فوضعت أعضاء لجنة الأربعين على قوائم الملاحقة والتصفية الجسدية لعصابة اليد الحمراء فتعرض منزل المقرر العام فتحي زهير لهجوم بالقنابل أثناء اجتماع كان يجمعه بحشاد كما تم اغتيال الطبيب الخاص للباي وعضو لجنة الأربعين الدكتور عبد الرحمان مامي في جويلية 1954 فور خروجه من قصر قرطاج.
كانت تصفية حشاد وأعضاء حركته خطوة استباقية من فرنسا لكسر حلقة الوصل بين النقابة والعرش مما مهد الطريق لبورقيبة لاحقا للاستفراد بالملك محمد الأمين باي وإجاره على التنازل عن أملاكه للدولة عام 1956 قبل عزله ونفيه وإعلان الجمهورية في 25 جويلية 1957 وسط ظروف إنسانية قاسية كابدت فيها العائلة الحسينية التصفيات السياسية والمالية.
تتجاوز كواليس اغتيال فرحات حشاد السردية التبسيطية التي تنسب الجريمة لعصابة من المستوطنين المتطرفين لتكشف الأبحاث التاريخية المعمقة عن عملية اغتيال ممنهجة رعتها ونفذتها أجهزة سيادية عليا في الدولة الفرنسية إذ تثبت وثيقة أمنية فرنسية بالغة السرية مؤرخة في الثالث من ديسمبر عام 1952 أي قبل الاغتيال بيومين فقط أن فريقا متخصصا من مصلحة العمل التابعة لجهاز المخابرات الخارجية الفرنسي كان يراقب تحركات حشاد بدقة متناهية ويعرف موعد خروجه وتفاصيل منزله في رادس ونوع سيارته الشخصية بجريمة جرت بتنسيق ورعاية مباشرة من المقيم العام جان دي هوتكلوك ومباركة رئيس ومجلس الوزراء الفرنسي أنطوان بيناي.
خضعت هذه التصفية الجسدية لاعتبارات جيوسياسية بالغة الحساسية ارتبطت بالحرب الباردة والصراع على النفوذ في حوض المتوسط حيث نجح حشاد في اختراق الدوائر السياسية والنقابية في الولايات المتحدة الأمريكية عبر بناء علاقات وثيقة مع النقابي البارز إيرفينغ براون ممثل الاتحاد الأمريكي للشغل الذي أقنع حشاد والقيادة النقابية التونسية بالانسحاب من الاتحاد العالمي للنقابات ذي التوجهات السوفيتية والانضمام إلى الكونفدرالية الدولية للنقابات
الحرة في ربيع عام 1951.
مقابل هذا التحول الاستراتيجي فتحت واشنطن أبوابها لحشاد وبورقيبة فتمت دعوتهما لحضور المؤتمر السنوي للاتحاد الأمريكي للشغل في سان فرانسيسكو أواخر عام
1951 حيث ألقى حشاد خطابا قويا حظي بتأييد واسع لتبني قرار يدعم استقلال تونس. هذا الاختراق النقابي الأمريكي أثار رعب الأجهزة الاستخبارية الفرنسية التي اعتبرت حشاد بمثابة رأس حربة لمشروع أمريكي يهدف لإزاحة فرنسا من شمال إفريقيا مما جعل تصفيته قرارا حتميا لحماية السيطرة الاستعمارية لباريس.
ومن جهة أخرى تكشف الوثائق عن زوايا معتمة ترتبط بتفاعل النخبة السياسية الوطنية مع تصاعد نفوذ حشاد إذ تزامنت تلك الفترة مع بروز خلافات مكتومة داخل الصف الوطني وتعد الرسالة الشديدة اللهجة التي وجهها الشيخ محمد الفاضل بن عاشور إلى فرحات حشاد في سبتمبر
1947 نموذجا واضحا لهذه التجاذبات حيث وجه الشيخ
نقدا لاذعا لحشاد لقبوله هبة مالية قدرها 100 ألف فرنك من الملك الأمين باي لمساعدة عائلات ضحايا الإضراب العام بصفاقس إثر أحداث 5 أوت 1947 واصفا قبول المال بأنه الطامة الكبرى التي يقدح قبولها في الشرف القومي والنقابي وعلى الرغم من تبرير حشاد لقبول المبلغ باعتباره مساعدات إنسانية ضرورية لعائلات المسجونين والقتلى فإن هذا السجال يوضح كيف كانت تحركات حشاد تخضع لمراقبة ونقد دقيقين من مختلف الأطراف.
في صباح يوم الجمعة الخامس من ديسمبر عام 1952 الذي شهد طقساً ممطرا وباردا كئيبا غادر فرحات حشاد منزله بضاحية رادس متوجها إلى العاصمة تونس مستقلا سيارته الصغيرة وفور وصوله إلى منعرج مباغت لاحقته سيارة أولى أطلقت عليه وابلا من الرصاص من رشاشات أوتوماتيكية فرت بعدها بسرعة فائقة.
أصيب حشاد بجروح بليغة في كتفه وذراعه لكنه امتلك القوة الاستثنائية للخروج من سيارته والاستنجاد بسائق شاحنة عابرة غير أن سيارة ثانية تابعة لفرقة الاغتيال اعترضت الشاحنة فظن حشاد أن ركابها سيسعفونه إلى المستشفى نظراً لادعائهم ذلك ليركب معهم ويتم تصفيته برصاصة قاتلة في الرأس وتلقى جثته الهامدة على حافة الطريق بعد دقائق معدودة.
أظهر تشريح الجثة أن سيارته أصيبت بأكثر من ثماني رصاصات فيما استقرت رصاصات غادرة عديدة في رأس الزعيم ورئته وقلبه وجنبه مما أدى لوفاته الفورية.
وعقب الاغتيال شنت سلطات الحماية حملة اعتقالات واسعة وأعلنت حالة الطوارئ وبطريقة سرية تماما قامت السلطات الفرنسية بنقل جثمان حشاد على متن باخرة حربية من ميناء حلق الوادي إلى مسقط رأسه بجزر قرقنة في السادس من ديسمبر 1952 مانعة تنظيم أي جنازة وطنية أو حضور رفاقه ليتم دفنه سرا في حديقة منزله العائلي بحضور أسرته المقربة فقط تاركا خلفه زوجته أم الخير وهي أرملة في الثانية والعشرين من عمرها تكابد مسؤولية تربية أربعة أطفال صغار نور الدين البالغ من العمر 8 سنوات والناصر 5 سنوات وجميلة 3 سنوات وسميرة الرضيعة ذات الستة أشهر.
وبعد ثلاث سنوات من الاغتيال وتحديدا عام 1955 اقترح أحمد بن صالح نقل جثمان حشاد إلى العاصمة تونس لتنظيم جنازة وطنية تليق بمقامه، وتؤكد الشهادات الموثقة لعدد من النقابيين الذين حضروا عملية فتح القبر ومنهم بن صالح نفسه أن جثة الشهيد فرحات حشاد عثر عليها سليمة تماما ولم يمسسها أي تلف أو سوء وكأنه دفن بالأمس لتبدأ من هنا أسطورة الجسد الذي رفض الفناء كرفض صاحبه للنسيان.
تعد تصفية فرحات حشاد الضربة الاستباقية التي مهدت الأرض لتفكيك القوى الاجتماعية والسياسية الحية في تونس وإرساء دعائم الحكم الفردي المطلق فلو بقي حشاد حيا لفرض الاتحاد العام التونسي للشغل نفسه كشريك كامل الحقوق في صياغة اتفاقيات الاستقلال وبناء مؤسسات الجمهورية ولاتجهت تونس نحو نموذج ثنائية السلطة بين الحزب والاتحاد يمنع تغول الحزب الواحد.
ويرتبط هذا التاريخ النضالي الممتد بشكل وثيق بمسيرة الابن الأكبر للزعيم نور الدين حشاد الذي واجه منعطفا تاريخيا حرجا خلال عمله واليا للمهدية في فيفري1978 فعندما اندلعت أحداث الخميس الأسود وتلقى أوامر صارمة باستخدام القوة ضد النقابيين والمتظاهرين رفض نور الدين بشكل قاطع توجيه السلاح لأبناء شعبه وقدم استقالته فورا من منصبه مفضلا صون إرث والده النضالي والأخلاقي على بريق السلطة واصل بعدها نضاله السياسي والدبلوماسي كسفير ووزير للعمل ونائب للأمين العام للجامعة العربية مكرسا جهوده لتأسيس مؤسسة فرحات حشاد ومتابعة ملف الاغتيال دوليا للحصول على اعتراف رسمي من الدولة الفرنسية بالجريمة وتفكيك أرشيف المخابرات المتعلق بها حتى وفاته في 28 فيفري 2025.
قراءة تفاصيل اغتيال فرحات حشاد عام 1952
تتجاوز حدود الجريمة الاستعمارية التقليدية لتكشف عن نقطة تفرع تاريخية أعادت توجيه مسار الدولة التونسية ومستقبل شمال إفريقيا بالكامل متمثلة أولا في إجهاض التوازن الديمقراطي والاجتماعي إذ كان حشاد صمام الأمان الوحيد القادر على منع الاستقطاب الثنائي العنيف بين البورقيبية واليوسفية وغيابه مهد الطريق لحسم الخلافات بالسلاح تلاها إسقاط المؤسسة الملكية وتصفية جيوب المقاومة لتكريس نظام الحزب الواحد.
وتتمثل ثانيا في تجميد فكرة الاتحاد الإقليمي المغاربي فقد كان حشاد يتطلع لبناء تحالف نقابي مغاربي صلب يمتد إلى الجزائر والمغرب وليبيا ليكون ركيزة حقيقية للوحدة وغيابه أفرغ هذا المشروع من مهندسه الكاريزمي لتتحول المنطقة بعد الاستقلال إلى دول وطنية مغلقة تحكمها الحسابات الضيقة. أما ثالثا فقد تسبب الاغتيال في التبعية الدولية وإفراغ السيادة إذ كشفت علاقات حشاد المتقدمة مع النقابات الأمريكية عن قدرة متميزة على المناورة الدولية لتجاوز الهيمنة الفرنسية وبمقتله خسر الشارع التونسي هذه القناة الخلفية المؤثرة وانتهى الأمر بتفرد السلطة التنفيذية برسم سياسات خارجية حافظت على قدر كبير من الارتباط والتبعية للمصالح الفرنسية والغربية وبموت فرحات حشاد خسر الشارع التونسي كابحا أساسيا من كوابح التغول السلطوي وظلت رمزية الاتحاد مستمرة كقوة ضغط تواجه الاستبداد عبر العقود لكنها قوة حرمت مبكرا من مهندسها الأكبر الذي كان يملك تصورا لدولة ديمقراطية واجتماعية حرة لا يركع فيها التاريخ لزعيم أوحد.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال