لم يكن ارتحال القبائل الكبرى بين إيالتي تونس والجزائر مجرد انتجاع بدوي عابر تمليه فصول السنة وتغيرات الطقس بل كان مناورة سياسية حية وهربا مستمرا من جور الجباية وبطش البايلك في قسنطينة و دايات الجزائر صوب واحة من الامتيازات والمكانة التي كان البلاط الحسيني في تونس يغدقها بذكاء ميكافيلي مرسوم بدقة.
وفي هذا المدى الجغرافي والسياسي المعقد لم تتشكل الملامح النهائية والسياسية للخارطة القبلية المستقرة لكل من الهمامة ودريد في الإيالة التونسية إلا مع مطلع القرن 18
وتحديداً بعد عام 1720 حين تلاقت حاجة الدولة الحسينية الناشئة إلى حلفاء من أهل الشوكة مع رغبة هذه القبائل في التموضع والاستقرار ليكون كل ما رُصد قبل هذا التاريخ مجرد تحركات بدوية عابرة أو نزاعات محلية ضيقة النطاق داخل التراب الجزائري لا ترقى لمرتبة التوطن السياسي الدائم.
حين تتأمل مسار قبيلة الهمامة تدرك أن لاسمها في الثقافة البدوية رنيناً خاصاً فالهمامة مشتقة من الهِمّة والاهتمام وأصواتها المترددة بين الهاء المتهدجة والميم الممدودة توحي بالنهوض والجمع والقدرة على لَمّ الشتات في كيان عاصف يرفض الانكسار.
تلفحك أنسام الشرق الجزائري وتحديدا بلاد الزاب والسهوب الفسيحة المحاذية لجبال أولاد نايل وبادية الجلفة حيث كان الموطن الأول لهذا الحلف القبلي المتين ذي الأصول اليربوعية العريقة الضاربة في بني رياح الهلالية والذين توارثوا خشونة الطبع والقدرة العالية على المناورة في الفيافي.
وبالرغم من وجود فرضيات نسابة أخرى تنسب الهمامة إلى قبائل بني سليم وتحديدا إلى ذباب بن ربيعة من فرع زعب أو تلك الفرضية التاريخية البديلة التي تراهم حلفا أشرافيا التف حول سلالة من نسل الأدارسة بعد زوال ملكهم وضياع سلطانهم في فيض همام فإن الأصول الرياحية اليربوعية تظل الأكثر توثيقا ووضوحا في سياق حركتهم المبكرة قبل الارتحال الشرقي الكبير.
ومع مرور الزمن تحول هذا الكيان إلى مغناطيس اجتماعي وجغرافي استوعب لفيفا من الفروع العربية الأخرى كعروش بني سليم وبني هلال وحرب فضلا عن بني الشريد الذين اندمجوا لاحقا بكامل عتادهم ورجالهم في صلب هذا الكيان العشائري المتعاظم لتذوب الفوارق بينهم في عصبية قبلية جديدة.
وتحت وطأة الضغوط المناخية المتمثلة في سنوات الجفاف العجاف والضغوط السياسية الناجمة عن مطاردات عساكر البايلك بدأت المجموعات المشكلة لحلف الهمامة بالتحرك الجماعي نحو الجنوب الشرقي الجزائري لتستقر في إقليم وادي سوف في أواخر القرن 17وتحديداً حوالي عام 1680.
ومثلت هذه المحطة السوفية مرحلة حاسمة في صياغة البنية الداخلية للقبيلة حيث تمازج فرسان الهمامة مع عروش المنطقة وصاغوا روابط مصاهرة وثيقة وتحالفات روحية متينة مع الزوايا الصوفية المحلية لاسيما الزاوية القادرية التي احتفظت بسجلات واسعة ومشجرات نسب دقيقة توثق هذه التحولات الأنسابية والاجتماعية وتمنحها شرعية دينية.
ولم يكن دخول الهمامة إلى الإيالة التونسية واستقرارهم في الوسط الغربي حدثا عفويا فرضته الصدفة بل جاء نتيجة هجرة سياسية عسكرية منظمة بدأت معالمها الفعلية تتضح بعد عام 1720 بالتزامن مع دعوة رسمية وجهها البايات الحسينيون بعيد استقرار دولتهم الناشئة وتصاعد حدة النزاع العرشي المرير بين حسين بن علي وابن أخيه علي باشا وهو النزاع المعروف تاريخيا بالفتنة الحسينية الباشية التي مزقت البلاد.
استغلت السلطة الحسينية الشوكة العسكرية الضاربة لفرسان الهمامة فمنحتهم أراض واسعة النطاق في مناطق الوسط الغربي التونسي وتحديدا في سيدي بوزيد وفصة والراب والمكناسي. وبموجب هذا التوطين المخزني المدروس تحول الهمامة إلى قبيلة مخزن تضطلع بمهام مزدوجة فائقة الأهمية:
أولا، حماية الثغور الغربية والحدود المفتوحة للإيالة التونسية ضد الهجمات والغارات القادمة من بايلك الشرق الجزائري.
وثانياً، إيجاد توازن عسكري رادع ضد القبائل المنافسة والمتمردة التقليدية في المنطقة مثل قبيلة الفراشيش ذات النفوذ الواسع.
وضمن هذا الإطار الجغرافي الشاسع استمر الهمامة في ممارسة نمط عيشهم البدوي القائم على الانتجاع الموسمي لقطعان الماشية الكبيرة بين التل والسهوب
وبرز في مجتمعهم تمايز سوسيولوجي واقتصادي واضح بين فئة العزّابة ميسورة الحال التي تملك قطعانا ضخمة وتنزل بانتظام بين التل والسباسب مستفيدة من العقود والامتيازات وفئة الهطّّاية التي يعكس جرس اسمها الراكض دلالة الهطل والتفرق وهي الجماعات الفقيرة التي تملك قطعانا محدودة وتضطر للانتجاع الشاق والنزوح السريع إلى مناطق فريقيا في الشمال التونسي لتعويض نقص الموارد وكسب قوتها كعمال موسميين.
كما شاركت القبيلة بفاعلية في استغلال نبتة الحلفاء المنتشرة في الهضاب العليا حيث جرى تقسيم العمل بصرامة وتوزيع الأدوار داخل العائلة الواحدة لجمعها وفرزها وتحضيرها كعصب اقتصادي يومي.
وفي مقلب آخر من المشهد تبرز قبيلة دريد الكبرى كأداة للسطوة والعسكرة المخزنية الصارمة وفي جرس اسمها دريد يتردد صدى الصخر الأصم فالدريد في اللسان العربي هو من تحاتت أسنانه حتى سقطت وفي هذا مجاز بدوي بليغ يحيل على القضم والقسوة والشدة التي لا تُبقي ولا تذر
والقدرة على سحق الخصوم دون هوادة.
تنحدر هذه القبيلة من أثبج بني هلال وتميز تاريخها في الجزائر حيث كانت تستقر في الشرق الخاضع لبايلك قسنطينة بسلسلة من الحروب الدامية والطويلة والنزاعات العشائرية مع أبناء عمومتهم من قبيلة قرفة الهلالية للسيطرة على المراعي ونقاط المياه والنفوذ المحلي
كما اتسمت علاقتهم بسلطة البايلك بالتوتر الدائم نتيجة لرفضهم الخضوع التام لسطوة الضريبة وموالاتهم المستمرة لخصوم الدايات والباحثين عن الاستقلال عن الباب العالي في الآستانة.
أدى بطش بايلك الشرق وقسنطينة بقبيلة دريد وحملات التنكيل العسكري والمصادرة التي تعرضوا لها نتيجة مواقفهم السياسية المناوئة للدايات إلى دفع الائتلاف القبلي الدريدي الأكبر إلى النزوح جماعيا بكامل خيامهم وأنعامهم نحو الحدود التونسية في القرن 18. ولم تكن هذه الحركة مجرد بحث عن أمان عابر بل تحولت فورا إلى ورقة استراتيجية بيد دايات الجزائر وبايات تونس على حد سواء حيث جرى استغلال هذه القبيلة كأداة عسكرية مقاتلة في الحروب المشتركة بين الإيالتين فصار فرسان دريد يشاركون في مناصرة البايات التونسيين الهاربين أو المتمردين وينخرطون بفاعلية وبأس شديد في الصراعات الداخلية العنيفة على السلطة في تونس لتغيير موازين القوى لصالح الطرف الذي يضمن مصالحهم.
استقرت قبيلة دريد في مناطق الشمال الغربي التونسي الخصبة وتحديدا في الكاف وباجة وسوق الأربعاء التي تُعرف اليوم بجندوبة وسرعان ما تحولوا بفعل الحاجة المتبادلة إلى واحدة من أهم قبائل المخزن الحسينية التي تعتمد عليها الدولة كلياً في المهام الأمنية الأكثر صعوبة وقسوة لاسيما جباية الضرائب المستعصية وردع التمردات القبلية.
وأصبحت دريد كما يذكر المؤرخ مكسيميليان مونشيكور في أبحاثه المدققة القبيلة المخزنية التي يُضرب بها العصاة ويُخوف بها المتمردون وشكل فرسانها نواة عسكرية ضاربة عُرفت بفرقة المزارقية، ولعل لفظ المزارقية بما يحمله من زعيق الراء وجفوف القاف يجسد طبيعة هؤلاء الجنود الأشداء الحاملين للمزاريق وهي الرماح الخشبية القصيرة ذات الأسنة الحديدية الحادة والمصممة للطعن السريع والخاطف من فوق ظهر الخيل.
كان المزارقية من دريد يرافقون المحلة الحسينية بانتظام في رحلتها الشتوية والصيفية السنوية لجباية الضرائب حيث كانت تخرج المحلة في موكب مهيب من منطق الحريرية بتونس العاصمة لتلتقي بفرسان دريد في الشمال الغربي قبل الانطلاق بقوة السلاح نحو الجنوب والجريد لفرض هيبة الدولة.
وضمن هذا السياق العنيف تشكل تضاد وعداء تاريخي مرير بين قبيلة دريد القادمة من الشمال وبين أهالي قفصة والجنوب والذين عُرفوا تاريخيا بالدريد الفاصة إذ كان سكان الواحات والجنوب يربطون مرور نجوع دريد بالهرج والمرج والسلب وفقدان الاستقرار وخراب المزارع.
ومقابل هذا الولاء العسكري العنيف والمكلف حظيت دريد بامتيازات مالية وعينية استثنائية تمثلت في تخصيص راتب دوري معلوم فرضه السيد الشبل، جد الشابية في نفطة حيث نال الدريديون نصيبا ثابتا ومقتطعا من ضرائب التمور في الجريد والعليق الذي هو علف الخيل الممتاز والحوالي وهي الأغطية الصوفية الثقيلة والمنسوجات دون أن يكون للباي منة أو فضل عليهم في ذلك بل كان حقا مكتسبا بشوكتهم.
لكن هذه البنية السوسيوسياسية المعقدة للقبيلة المخزنية كانت تحمل في أحشائها بذور تناقضاتها الداخلية العميقة وهو ما تجلى بوضوح تام خلال الانتفاضة الشعبية الكبرى عام 1864 بقيادة الثائر علي بن غذاهم المعروف بباي الشعب.
في بداية الثورة العارمة ضد مضاعفة ضريبة المجبى الجائرة التي أثقلت كاهل الرعية نجح بن غذاهم بفضل حنكته في بناء تحالف عسكري متين وعريض ضم قبيلة الهمامة وحلفائهم من قبيلة نفات الشجاعة لعلمه التام بأن قوتهم الفرسانية الضاربة هي الضمانة العسكرية الوحيدة لتركيع الباي الصادق.
وبالفعل أدت هذه الوحدة والزحف القبلي المشترك إلى إجبار البلاط الحسيني في باردو على التراجع المؤقت وإلغاء القوانين الضريبية الجائرة وتجميد الدستور.
ومع ذلك فإن هذا التحالف التاريخي سرعان ما انهار وتبدد عندما انحرف علي بن غذاهم عن الأهداف العامة والشاملة للانتفاضة وبدأ يفاوض الباي والوزير الماكر مصطفى خزندار بشكل منفرد وسري للحصول على مناصب إدارية وامتيازات شخصية وعينية لأقاربه وعشيرته الأدنين مما أثار غضب قيادات وشيوخ الهمامة ونفات الذين اعتبروا هذا الصنيع نكثا للعهد وخيانة لدماء الثوار.
وفي تحول دراماتيكي يعكس عمق الفتن الداخلية واللعب على حبال العصبيات انقلب فرسان الهمامة عسكريا
على بنغذاهم ونازلوه في معارك طاحنة ضارية في نواحي الصرين بل ووصل الأمر بقبيلة الهمامة إلى مهاجمة وتخريب مواطن قبيلة علي بن غذاهم نفسها مباشرة وأسر بعض نسائه وأهله وقتل آخرين في قتال داخلي مرير.
استغلت السلطة الحسينية ووزيرها خزندار هذا التمزق الداخلي والشرخ القبلي بحيلة فرق تسد لتسليط القبائل على بعضها البعض وتصفية الحسابات القديمة مما مهد الطريق لإخماد الثورة بوحشية مطلقة حيث نكل بالأهالي وعلق الشيوخ بسلاسل حديدية صدئة من رقابهم وسيقوا إلى سجون العاصمة في مشهد مأساوي.
إن التحقيق التاريخي والسوسيولوجي المدقق في مسارات حركية الهمامة ودريد يظهر بجلاء أن التموضع القبلي المستقر في البلاد التونسية لم يكتمل بناؤه وهيكله النهائي إلا مع مطلع القرن 18 وتحديداً بعد عام 1720
حيث ارتبط هذا الاستقرار البنيوي ارتباطا وثيقا بنشوء وتثبيت أركان الدولة الحسينية وسعيها الحثيث لضبط حدودها الغربية الملتهبة مع الجزائر من جهة وإيجاد آليات وأذرع عسكرية محلية قوية قادرة على تحصيل الضرائب وإخضاع القبائل الداخلية الثائرة من جهة أخرى.
ومثلت محطات الانتقال التاريخية الطويلة للقبيلتين من الشرق الجزائري والزاب والبلاد القسنطينية مرتدة بوادي سوف والشمال الغربي والوسط التونسي صيرورة تحول سوسيولوجي عميق من كيانات بدوية متناثرة تائهة تبحث عن البقاء الاقتصادي والكلأ إلى قوى مخزنية فاعلة ومحركة للسياسة الإيالتية وصانعة للعهود.
وقد عكست هذه الحركية الدؤوبة جدلية مستمرة ومتوارثة بين الولاء التام للمركز الحاكم والتمرد العنيف عليه
فبقدر ما كانت هذه القبائل درعا حصينا للدولة في مواجهة التمردات الخارجية ومحورا أساسيا لمحلات جباية الضرائب فإنها كانت تنقلب بعنف أحمر ضد جور الجباية والمساس باستقلاليتها وعاداتها القديمة لتظل قصة البادية والمخزن في تاريخ المغرب العربي فصلاً تراجيديا مثيرا يعيد كتابة نفسه مع كل تحول سياسي كبير.
عماد عيساوي
تعليق على مقال