بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

اليسار والمرجعية في تونس: تفكيك البنية الأيديولوجية بين الدولة والذاكرة

2026-04-19 237 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
اليسار والمرجعية في تونس: تفكيك البنية الأيديولوجية بين الدولة والذاكرة
إن المتأمل في مآلات الفكر الإنساني المعاصر لا يجد ظاهرة استقطبت العقول وأرهقت الأرواح وتأرجحت بين يوتوبيا الخلاص وجحيم الممارسة مثلما فعلت الشيوعية في مسارها الطويل.
فمنذ أن أطلق كارل ماركس وفريدريك إنجلز صرختهما في بيان 1848 لم يعد العالم كما كان حيث تحول النقد الفلسفي للمادية التاريخية إلى قوة مادية قادرة على دك عروش وإقامة دول على أنقاض طبقات بائدة.
كانت الشيوعية في جوهرها محاولة لفك شفرة الاستغلال الرأسمالي عبر مفهوم فائض القيمة معتبرة أن التاريخ ليس سوى مسرح لصراع الطبقات وأن البروليتاريا هي المخلص التاريخي الذي سينهي الملكية الخاصة ويؤسس لدكتاتورية انتقالية تمهد لمجتمع لا طبقي.
غير أن هذا التنظير رغم عبقريته التحليلية حمل في ثناياه تعقيدات جيوسياسية وعرقية غالبا ما يتم القفز فوقها في الأدبيات التبجيلية.

البحث في الأصول غير المعلنة للحركة الشيوعية يضعنا وجها لوجه مع حضور كثيف ومحوري للنخب اليهودية في مفاصلها التأسيسية وهو حضور لم يكن وليد الصدفة بل نتاج تقاطعات فكرية واجتماعية عميقة.
فماركس نفسه سليل العائلة اليهودية العريقة جسد في فكره الكوسموبوليتي نوعا من التعالي على القوميات التقليدية وهو ما تكرر لاحقا في الثورة البلشفية عام 1917 حيث سيطرت العناصر اليهودية على مراكز القرار الحزبي والإعلامي من لينين إلى مارتوف وزاتسوليتش.
وما يثير الريبة هو ذلك التقاطع الخفي بين الأممية الشيوعية والطموحات الصهيونية المبكرة إذ تشير الوثائق إلى صلات جمعت ماركس بموشي هيس الأب الروحي للصهيونية وصولا إلى الدعم العسكري السوفيتي الحاسم لقيام إسرائيل عام 1948مما يكشف عن براغماتية أيديولوجية غلبت الشعارات المعلنة لصالح توازنات القوى العالمية والدوائر الماسونية التي يزعم البعض أنها كانت الحاضنة الخفية لتلك التحولات.
ومع تمدد هذا الفكر عالميا انتقل الصراع من القارة العجوز إلى المستعمرات حيث نشأ اليسار التونسي في رحم الحالة الاستعمارية الفرنسية متأثرا بانقسام مؤتمر تور عام
1920. لقد ولد الحزب الشيوعي التونسي كفرع من الحزب الفرنسي مما جعله يعاني منذ البدء من أزمة هوية حادة فقد كان خليطا هجينا من الفرنسيين واليهود المحليين وعدد قليل من التونسيين المسلمين وهو ما يفسر ارتباك الحزب في قضايا الاستقلال الوطني.
ففي الوقت الذي كان فيه الشعب التونسي يغلي بالرغبة في التحرر كان الحزب يرفع شعارات الاتحاد الفرنسي متأثرا بقيادات يهودية مثل أندريه باروش الذي رغم نضاله الصادق ظل ينظر إلى المسألة الوطنية من زاوية طبقية ضيقة لا تراعي الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع التونسي المحافظ.

هذا الانفصام عن الواقع المحلي تعمق بعد الاستقلال في صراع مرير مع مشروع الحبيب بورقيبة التحديثي. فبينما كان بورقيبة يبني الدولة الوطنية بنزعة تسلطية ظهر في الستينات جيل اليسار الجديد عبر حركة آفاق أو برسبكتيف وهي حركة نخبوية ماوية التوجه اتخذت من الجامعة منطلقا لمهاجمة النظام الذي اعتبرته برجوازية صغيرة تابعة للإمبريالية. غير أن هذا النضال الطلابي النبيل اصطدم بوقائع الأرشيف المسكوت عنه وتحديدا ما عرف بالوثيقة الصفراء عام 1967 التي كشفت عن شرخ أخلاقي وأيديولوجي كبير حين دعت قيادات من الحركة إلى نبذ فكرة الأمة العربية واعتبارها ترهات مقترحة إنشاء دولة بروليتارية مشتركة تجمع العمال الفلسطينيين واليهود مما أدى إلى اتهام الحركة بالارتهان لأجندات غريبة عن الوجدان الشعبي.

ومع تحول السلطة إلى زين العابدين بن علي سقط اليسار التونسي في فخ تاريخي سيظل يلاحقه في المراجعات النقدية وهو فخ التحالف مع الاستبداد لمواجهة الخطر الأخضر المتمثل في حركة النهضة.
انخرطت نخب يسارية وازنة في منظومة الحكم تحت غطاء تجفيف منابع التدين وبررت القمع الممنهج ضد الإسلاميين في التسعينات باعتباره ضرورة لحماية الدولة المدنية وهو ما كشفته لاحقا تقارير هيئة الحقيقة والكرامة عن وجود غرفة سوداء في وزارة الداخلية وأرشيفات أمنية تثبت تورط مثقفين يساريين في شرعنة الانتهاكات.
هذا التحالف غير المقدس أدى بالضرورة إلى عزل اليسار عن قاعدته الشعبية وتحوله إلى مجرد طابور ثقافي يدافع عن قيم فرانكوفونية في مواجهة هوية مجتمعية لم يستطع فهمها أو التصالح معها.
الأرشيف الضائع والمنتهك بعد ثورة 2011 وما تلاه من تشظي الأحزاب اليسارية إلى كيانات صغيرة متصارعة يثبت أن المشكلة لم تكن فقط في قمع السلطة بل في العجز عن إنتاج مشروع وطني جامع يتجاوز الصراعات الأيديولوجية الصفرية.
ظل اليسار التونسي أسير ثنائية العداء للدين والاستقواء بالخارج سواء كان سوفيتيا في الماضي أو حقوقيا غربيا في الحاضر مما جعله يحصد نتائج صفرية في الاستحقاقات الانتخابية.
قراءة هذا التاريخ الأسود ليس من قبيل التشفي بل من باب التفكيك الرصين تفرض علينا الإقرار بأن المستقبل لا يمكن أن يبنى على أرشيفات مسكوت عنها أو أحقاد أيديولوجية دفينة بل عبر مصالحة حقيقية مع الذات الوطنية بعيدا عن الأوهام الطوباوية والدوائر المريبة التي لطالما وجهت بوصلة اليسار نحو الهاوية.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال