بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

صاحب الحمار -حين يثور الهامش على الإمبراطورية: في سوسيولوجيا التمرد البربري وحدود الدولة الفاطمية بقلم: الصافي سعيد

2026-04-19 261 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
صاحب الحمار -حين يثور الهامش على الإمبراطورية: في سوسيولوجيا التمرد البربري وحدود الدولة الفاطمية

بقلم: الصافي سعيد
يعد القرن الرابع الهجري الموافق للقرن العاشر الميلادي في بلاد المغرب والأندلس عصر القلق الوجودي والتحولات الجيوسياسية الكبرى حيث تصادمت المشاريع الإمبراطورية الناشئة مع الهويات القبلية والمذهبية المتجذرة في التربة الإفريقية العميقة.
وفي قلب هذا المخاض التاريخي العنيف برزت شخصية مخلد بن كيداد الزناتي المشهور بلقب صاحب الحمار ليس بوصفه مجرد ثائر عابر في زحام الحوادث بل كظاهرة سوسيولوجية وأنثروبولوجية تجسد صرخة الاحتجاج البترية ضد المركزية البرنسية الفاطمية ومحاولة أخيرة لاستعادة الروح الرستمية الإباضية في ثوب مسياني متقشف يحمل رائحة الرمل والزهد.
لم تكن نشأة مخلد بن كيداد نشأة عادية في بيئة مغلقة بل كانت نتاجاً للتداخل الحيوي بين عالمين هما عالم التجارة العابرة للصحراء وعالم المذاهب الراديكالية التي تقتات على الهوامش.
ولد مخلد بن كيداد بن سعد الله بن مغيث الزناتي من فصيل بني إفران حوالي عام مئتين وثلاثة وسبعين للهجرة في قلب الصحراء الكبرى وتحديداً في منطقة تادمكة أو جاو بمالي الحالية حيث ترتسم حدود المجهول.
هذا الموقع الجغرافي لم يكن مجرد إحداثيات صماء بل كان رمزاً للسيولة الاجتماعية القاتلة حيث كان والده كيداد تاجراً زناتياً يجوب الفيافي وتزوج بامرأة تدعى سبيكة وهي جارية سوداء من قبيلة هوارة مما جعل مخلد يحمل ملامح هجينة ومنحه لقب الحبشي الأسود في المصادر الفاطمية التي سعت لاحقاً لتحقيره عرقياً ونزع الشرعية عن ثورته.
يمثل مخلد الرجل الهامشي بامتياز الذي يمتلك انتماءً مزدوجاً فهو بربري العصبية وإفريقي الملامح وتجاري النشأة مما منحه قدرة فطرية على التحرك بين العوالم.
عاد مع والده إلى توزر في إقليم قسطلية بجنوب تونس الحالية وهناك توفي والده ليعيش مخلد يتماً مبكراً عمق لديه الحس الزهدي والاعتماد المطلق على الذات.
انتقل في شبابه إلى تاهرت عاصمة الإباضية الرستمية حيث تشكل وعيه المذهبي على يد كبار مشايخ النكارية وعمل هناك معلماً للصبيان وهي مهنة منحته القدرة الفائقة على الخطابة وتبسيط المفاهيم المعقدة للجماهير البربرية المتعطشة للتغيير والباحثة عن مخلص.
بنية مخلد الجينالوجية والاجتماعية تكشف عن ارتباط بجذور زناتية يفرنية عريقة وتجسيد للهوية الصحراوية المتعددة والأعراق المهجنة حيث شكل مثلث تادمكة وتوزر وتاهرت فضاءً للتجارة والمذهب والسياسة في المغرب الأوسط. وبامتلاكه ناصية البيان وقدرته على التعبئة الأيديولوجية من خلال مهنته كمؤدب استطاع توظيف انتمائه لعصبية البتر المعادية للمركزية في صياغة خطاب احتجاجي فعال يزلزل العروش.
ولا يمكن فهم ثورة صاحب الحمار دون الغوص في تعقيدات المذهب النكاري الذي اعتنقه مخلد كأداة للتحرر.
النكارية هي فرع راديكالي من الإباضية نشأ كرد فعل على إمامة عبد الوهاب بن رستم حيث أنكروا إمامته ورفضوا التوريث السياسي الذي يحول الدين إلى ملك عضوض.
بالنسبة لمخلد كانت النكارية تمثل الإسلام الطهراني الذي يرفض الظلم والترف ويؤمن بضرورة الخروج على الحاكم الجائر وهو ما وفر الغطاء الشرعي لمهاجمة الدولة الفاطمية الناشئة التي اعتبرها النكارية دولة مرتدة أو أجنبية عن روح البربر ووجدانهم.
كان المذهب النكاري يعمل كآلية للتضامن العضوي بين القبائل المهمشة ففي حين استند الفاطميون إلى قبائل كتامة البرنسية المستقرة وجد مخلد في النكارية لغة تواصل مع قبائل زناتة وهوارة البترية البدوية التي كانت تشعر بالاستبعاد السياسي والاقتصادي من كعكة الحكم الفاطمي الممركز في المهدية فالإطار الثوري هنا لم يكن مجرد خلاف فقهي بارد بل كان تعبيراً عن طبقة فلاحية بدوية تثور ضد نخبة عسكرية ثيوقراطية تسكن القصور.
يعد لقب صاحب الحمار مفتاحاً لتحليل الشخصية الكاريزمية لمخلد بن كيداد من منظور أنثروبولوجي عميق يتجاوز القشور.
في ثقافة كانت تقدس الخيل كرمز للنبالة والسلطة العسكرية والارستقراطية اختار مخلد أن يركب حماراً أشهب بسيطاً ويرتدي جبة من الصوف القصير ضيقة الكمين.
هذا السلوك لم يكن نتاج فقر مدقع بل كان أداءً رمزياً متعمداً لإرسال رسائل سياسية متعددة المستويات أولها المحاكاة النبوية ففي المخيال الإسلامي واليهودي المسيحي يرتبط الحمار بالأنبياء والزهاد فركوب الحمار هو محاكاة لبساطة الأنبياء الأوائل حيث سعى مخلد لتقديم نفسه كإمام زاهد يعيد سيرة السلف مقابل الخلفاء المترفين في قصور المهدية المشيدة بالمرمر.
وثانيها الرمزية المسيانية أو المهدوية فقد ركزت المصادر على ملامح جسدية لمخلد مثل شامة على كتفه فُسرت بأنها علامة المهدي أو النبي المنتظر الذي يأتي راكباً حماراً ليملأ الأرض عدلاً.
وفي بيئة مغربية مشبعة بالانتظار المسياني تحول الحمار من دابة حمل إلى عرش متنقل للمخلص الشعبي.
وثالثها التحيز للطبقة الكادحة فالحمار هو رفيق الفلاح والفقير بينما الخيل هي رصيد الجندي والملك وبركوبه الحمار أعلن مخلد انحيازه السوسيولوجي للقاعدة الشعبية العريضة مما جعل البربر يرون فيه واحداً منهم وليس حاكماً متعالياً يسكن الأبراج العاجية.
ومع ذلك تظهر التناقضات السلوكية الجارحة لاحقاً فحين تمكن مخلد من القيروان بدأ يتخلى عن حماره الرمزي ليركب جياداً مطهمة ويلبس الحرير الناعم وهو ما اعتبره المؤرخون والأنثروبولوجيون لحظة السقوط الكاريزمي المروع حيث تحول الثائر إلى ملك وفقد الرمز قوته السحرية أمام الأتباع الذين آمنوا بالجبة لا بالتاج.
بدأت الحركة الفعلية لمخلد بن كيداد في عام ثلاثمئة وستة عشر للهجرة من خلال ممارسة الحسبة في توزر وهو مدخل كلاسيكي للثورات الإسلامية التي تبدأ بالأخلاق وتنتهي بالسياسة. تعرض للاعتقال والهروب ثم لجأ إلى جبال الأوراس وهي حصن طبيعي منيع حيث وجد الحاضنة القبلية في قبيلة هوارة النكارية المتمردة.
وفي فبراير من عام تسعمئة وأربعة وأربعين ميلادية أطلق مخلد شرارة الغزو الشامل لإفريقية فسقطت مدن باغاية وتبسة ومجانة تلو الأخرى كأحجار الدومينو معلنة بدء الانهيار الدفاعي الفاطمي في الغرب.
كانت استراتيجية مخلد تعتمد على الحرب الشاملة والرهان على الرعب حيث اتسمت هجماته بالعنف المفرط الذي خلق حالة من الذهول الجماعي سهلت استسلام المدن الأخرى خوفاً من الإبادة.
وفي أغسطس من نفس العام سقطت الأربس بوابة إفريقية وانسحب الجيش الفاطمي بقيادة بشرى الخادم ليتبع ذلك دخول العاصمة السنية القيروان في أكتوبر وإعدام القاضي والوالي في مشهد دموي كشف عن عمق الحقد الطبقي ثم تدمير الجيش الفاطمي الرئيسي ومقتل قائده ميسور الفتى.
كان دخول القيروان لحظة فارقة في تاريخ المغرب الكبير فقد تحالف أهل السنة المالكية مع الخوارج النكارية ضد العدو المشترك وهذا التحالف السوسيولوجي الغريب يثبت أن الدافع السياسي والاقتصادي المتمثل في الرفض للجبايات الفاطمية الثقيلة كان أقوى من الخلاف الأيديولوجي والمذهبي التاريخي.
في يناير من عام تسعمئة وخمسة وأربعين وصل أبو يزيد إلى أسوار المهدية العاصمة الحصينة التي بناها المهدي لتكون معقلاً لا يقهر في وجه الأعاصير واستمر الحصار لشهور طويلة شهدت تفاصيل مروعة عن المجاعة داخل المدينة حيث أكل الناس ما لا يؤكل.
كان الخليفة القائم بأمر الله محاصراً في قصره بينما كان مخلد يضرب خيامه في رقدة ويوجه العمليات الحربية بيد من حديد. خلال هذا الحصار توفي الخليفة القائم في مايو من عام تسعمئة وستة وأربعين وهي لحظة كان يمكن أن تنهي المشروع الفاطمي برمته لولا الدهاء السياسي لابنه إسماعيل المنصور بالله الذي أخفى موت أبيه لمدة عام كامل في عملية استخباراتية كبرى لضمان عدم انهيار الروح المعنوية للجيش الكتامي.
يمثل هذا الحصار الصدام الوجودي بين القوة البرية المتمثلة في زناتة والقوة البحرية الحصينة المتمثلة في المهدية والأسطول الفاطمي حيث تمكن الأسطول من إيصال المؤن للسكان عبر البحر مما جعل الحصار البري فاشلاً من الناحية الاستراتيجية وأدى في النهاية إلى تآكل قوة جيش أبي يزيد وانفضاض الأتباع الذين سئموا انتظار النصر المستحيل.
كان التحول العسكري الحقيقي متمثلاً في ظهور القائد إسماعيل المنصور الذي أثبت عبقرية عسكرية تفوق أسلافه بمراحل مدركاً أن مواجهة زناتة تتطلب عصبية مضادة لا تقل قوة فاستنجد بقبائل صنهاجة بقيادة زيري بن مناد وهو التحالف الفاطمي الصنهاجي الذي أعاد رسم الخارطة القبلية للمغرب لقرون قادمة وأنهى أحلام زناتة في السيطرة.
تمكن المنصور من فك الحصار عن سوسة أولاً ثم شن هجوماً مضاداً كاسحاً أجبر أبا يزيد على التراجع المذل نحو القيروان وفي أغسطس تسعمئة وستة وأربعين وقعت معركة القيروان الكبرى التي هُزم فيها أبو يزيد هزيمة نكراء مزقت هيبته. وبالمقارنة الاستراتيجية نجد أن المنصور اعتمد على قاعدة عصبية من كتامة وصنهاجة تمثل حلف البرنس المستقر ومورد مالي منظم من الضرائب والأسطول ورؤية سياسية لإمبراطورية مركزية عابرة للحدود وأداة عسكرية قوامها الجيش النظامي وأسلحة الحصار الفتاكة بينما اعتمد صاحب الحمار على حلف البتر من زناتة وهوارة البدوية وموارد عشوائية من الغنائم ورؤية إمامة محلية راديكالية طهرانية وميليشيات قبلية سريعة الحركة لكنها تفتقر للنفس الطويل.
بعد هزيمة القيروان تحول أبو يزيد من زعيم إمبراطوري إلى طريد يطوف في جبال الأطلس والزاب حيث طارده المنصور في رحلة استمرت أشهراً حتى لجأ إلى قلعة كيانة بالجزائر وهي حصن اليائسين الأخير.
بدأ حصار القلعة في مارس تسعمئة وسبعة وأربعين واستخدم المنصور المنجنيقات لهدم الأسوار في معركة ملحمية كان يقودها بنفسه لإثبات كفاءته القتالية.
وفي الرابع عشر من أغسطس شنت القوات الفاطمية الهجوم النهائي وأصيب أبو يزيد بجروح بليغة وسقط أسيراً لينهي أسطورة الثائر الذي لا يقهر. توفي مخلد بن كيداد متأثراً بجراحه في التاسع عشر من أغسطس لكن موته لم يكن نهاية القصة بل بداية أداء سياسي مرعب ومسرحية دموية صممه المنصور لترسيخ شرعية دولته المهتزة حيث أُمر بسلخ جلده وحشوه بالقطن ليحتفظ بشكله الآدمي ووُضع في قفص طيف به في البلاد كعبرة للمتمردين.
كان هذا السلخ والحشو يهدف إلى قتل الرمز نهائياً بتحويل صاحب الحمار إلى دمية تثير السخرية واستعادة الهيبة المفقودة عبر إعلان بصري عن انتهاء زمن الفوضى وبدء زمن النظام الصارم والردع المذهبي لكل من تسول له نفسه الخروج على الإمام المعصوم.
لم تكن ثورة صاحب الحمار مجرد زلزال سياسي عابر بل كانت محركاً لتغييرات بنيوية عميقة في تاريخنا منها صعود الصقالبة في الجيش والإدارة نتيجة ارتياب الفاطميين في الولاءات القبلية البربرية المتقلبة خلال الثورة والتحول نحو الاستقرار الصنهاجي الذي مهد لظهور دول زناتية وصنهاجية لاحقة غيرت وجه المنطقة. كما أثبتت الثورة للفاطميين أن بقاءهم في إفريقية هو بقاء في عش دبابير مذهبي وقبلي لا يهدأ مما دفع الخليفة المعز لدين الله للقرار الاستراتيجي الجريء بالانتقال إلى مصر وبناء القاهرة عام تسعمئة وتسعة وستين لتكون عاصمة إمبراطورية بعيدة عن عصبيات البربر وتقلباتهم الجبلية.
تظل شخصية مخلد بن كيداد شخصية تراجيدية بامتياز فهو في نظر الإباضية إمام الحق الذي خذله جنده وسوء سيرتهم وفي نظر الفاطميين هو الدجال الذي جاء ليطفئ نور الله.
لكن الحقيقة السوسيولوجية تكمن في كونه تعبيراً عن الهوية البربرية الجوانية التي ترفض أي سلطة مركزية قادمة من الخارج مهما كانت شعاراتها فقد كان حماره صرخة مدوية ضد خيل السلطة المستبدة وجبته الصوفية احتجاجاً خشناً على حرير القصور الناعم. ثورة صاحب الحمار تقدم درساً بليغاً في سوسيولوجيا الثورات الكبرى فهي تثبت أن العاطفة المذهبية والرمزية المسيانية يمكن أن تهز عروش الإمبراطوريات الجبارة لكنها لا تستطيع بناء دولة مستقرة ومستدامة دون نظام ومؤسسات وقانون.
انتصر المنصور الفاطمي لأنه امتلك أدوات الدولة وفشل مخلد بن كيداد لأنه ظل أسيراً لثقافة الاحتجاج العفوي.
واليوم حين ننظر إلى أطلال كيانة أو أسوار المهدية ندرك أن صراع مخلد والمنصور كان صراعاً على معنى المغرب وهويته هل يكون مغرباً قبلياً متعدداً ومستقلاً يرفض المركز أم مغرباً إمبراطورياً مركزياً يتطلع للعالمية؟
لقد حسم التاريخ الإجابة القاسية لصالح الإمبراطورية لكن روح مخلد ظلت تحوم في الجبال وتعيش في الذاكرة الشعبية ملهمة حركات لاحقة وجدت في الحمار والزهد سلاحاً فتاكاً ضد الطغيان لتظل حكايته فصلاً جوهرياً في ملحمة تشكل الوجدان التاريخي لبلاد المغرب العظيم.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال