بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

أركيولوجيا الوجدان التونسي: جدليات المقدس والاجتماعي بين سطوة الدولة ومفارقات الهوية

2026-04-15 261 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
أركيولوجيا الوجدان التونسي: جدليات المقدس والاجتماعي بين سطوة الدولة ومفارقات الهوية
إن مقاربة الجدليات القائمة بين الدين والمجتمع في المجال التونسي تستوجب بالضرورة الغوص في طبقات جيولوجية من التحولات التاريخية والسوسيولوجية التي لا تقنع بالسطح بل تبحث في التفاعلات العميقة التي صاغت ما يمكن اعتباره الاستثناء التونسي في تدبير الشأن المقدسي ضمن سياق مغاربي ومتوسطي متداخل.
تونس، في جوهرها الأنثروبولوجي ليست مجرد جغرافيا سياسية بل هي مختبر دائم للترميم الثقافي حيث تلتقي الذاكرة الأمازيغية المثقلة بالرموز مع الفتح الإسلامي الذي اتخذ طابعاً مؤسساتياً مبكراً وصولاً إلى صدمة الحداثة الكولونيالية ثم الدولة الوطنية المركزية.
هذه الرحلة الطويلة أفرجت عن شخصية قاعدية تتسم ببرود براغماتي تجاه الإيديولوجيات الصلبة وميل جارف نحو التكيف الاندماجي وهو ما جعل العلاقة بين المقدس والاجتماعي تمر عبر قنوات التفاوض والمقايضة لا الصدام الصفري المطلق.
يبدأ هذا المسار من العهد الحسيني الذي مثل لحظة الاستقرار الكبرى ومأسسة التدين التونسي حول جامع الزيتونة المعمور الذي لم يكن مجرد فضاء لإقامة الشعائر بل كان يمثل الركيزة المعنوية والسياسية التي تمنح الشرعية للباي العثماني وتضبط إيقاع المجتمع.
الرمزية التاريخية والمعمارية لهذا الصرح تتجاوز السرديات الدينية التقليدية إذ تتقاطع فيها الروايات التي تنسب التأسيس لحسان بن النعمان أو عبيد الله بن الحبحاب مع خلفية متوسطية تشير إلى بنائه فوق أنقاض كاتدرائية بيزنطية وهو ما يمنح اسم الزيتونة بعداً أعمق يرتبط بقداسة شجرة الزيتون في الوجدان المتوسطي وبقايا ذكرى القديسة أوليفيا.
خلال ذلك العصر، تطور التعليم الزيتوني ليصبح نظاماً متكاملاً يتجاوز مجرد الحلقات العلمية حول الأعمدة ليصيغ عقلية تونسية مقاصدية تبحث عن روح النص لا حرفيته بفضل جهود رواد مثل محمد الطاهر بن عاشور الذي أسس لمدرسة إصلاحية سعت للتوفيق بين مقتضيات العصر وجوهر العقيدة.
وبجانب هذا الصرح العلمي كانت مؤسسة الأحباس أو الأوقاف تمثل الرئة الاقتصادية والاجتماعية التي تضمن استقلالية المجتمع المدني بمفهومه التقليدي عن تغول السلطة السياسية.
كانت الأحباس تمول كل شيء من المارستانات لعلاج المرضى إلى التكيات لإيواء الغرباء وحفر الآبار في القفار
مما خلق شبكة أمان اجتماعي جعلت العلماء والمشايخ في وضعية مريحة تتيح لهم لعب دور الوسيط والرقيب الأخلاقي على الحكام.
غير أن هذا المشهد المؤسساتي الرسمي لم يكن يغطي كامل المساحة الروحية للتونسيين فقد كان هناك الدين الشعبي المتمثل في الزوايا والمرابطية التي شكلت صمام أمان وجداني في مواجهة الأزمات.
لعب المتصوفة دوراً سياسياً واجتماعياً حاسماً خاصة في استتابة الأعراب من قبائل بني هلال وسليم وتحويل طاقاتهم من الغزو إلى الفلاحة والارتباط بالأرض
فصار الولي في المخيال الشعبي هو الحامي والوسيط وواهب البركة وهو ما يفسر الحضور الطاغي للأضرحة في الريف والحضر على حد سواء كفضاءات للسكينة النفسية والضبط الاجتماعي بعيداً عن صرامة الفقهاء.
وفي ثنايا هذا التدين، نجد ممارسات سلوكية شعبية تعكس تداخل المقدس بالمدنس وتكشف عن رواسب هوية قديمة جداً مثل ظاهرة الوشم التي كانت بمثابة الجسد المدونة.

الوشم عند المرأة التونسية خاصة في الأرياف لم يكن مجرد زينة بل كان لغة مشفرة تحمل رموزاً أمازيغية مثل علامة الزائد التي تعني حرف التاء وترمز للمرأة الجميلة
وكان الوشم يستخدم كدرع سحري ضد العين والحسد أو كعلاج لأوجاع المفاصل والصداع مما يعكس تصالحاً فطرياً مع الجسد بعيداً عن فتاوى التحريم التي ظلت حبيسة أسوار الجوامع الكبرى.
وبالمثل، كانت ظواهر مثل استهلاك التكروري واللاقمي تعكس هذا التداخل، فالتكروري كان يستهلك في حلقات الذكر الصوفي كأداة للوجد بينما ظل اللاقمي في مناطق الجنوب التونسي والواحات عصير النخلة الذي يتم التحايل به على تحريم الخمر باعتباره منتجاً طبيعياً يقع في منطقة رمادية فقهياً مما يبرز نزعة التونسي نحو البراغماتية الروحية.
حين دخلت فرنسا تونس عام 1881 تحت مسمى الحماية أحدثت شرخاً وجودياً في هذه البنية التقليدية.
فالمستعمر لم يكتفِ بالسيطرة العسكرية بل سعى لتفكيك المنظومة الرمزية للمجتمع عبر إدخال أنماط استهلاك وقيم قانونية غريبة.
برزت حينها ازدواجية الهوية بين نخبة متفرنسة تتبنى الكسوة الإفرنجية وطرق العيش الغربية وطبقات تقليدية تلوذ بالجبة والسفساري كدروع للهوية.
لكن المثير للدهشة هو ظهور حركة الشباب التونسي التي حاولت تجاوز هذا الانقسام عبر المطالبة بالعصرنة مع التمسك بالهوية العربية الإسلامية وهو ما نلمسه في تأسيس جمعيات رياضية مثل الترجي الرياضي التونسي الذي كان في جوهره مشروعاً وطنياً لحماية الشباب من الذوبان في الثقافة الكولونيالية.
لقد حاولت الحماية إضعاف الأحباس للاستيلاء على الأراضي مما أدى لضرب الاستقلال المالي للمؤسسة الدينية وهو ما مهد الطريق لاحقاً للدولة الوطنية لتكمل هذا المسار ولكن من منظور تحديثي راديكالي.
مع نيل الاستقلال، دخلت تونس مرحلة البورقيبية
وهي اللحظة التي شهدت أعنف عملية جراحية اجتماعية في تاريخ البلاد الحديث.
اعتمد الحبيب بورقيبة فلسفة العلمانية الصلبة المتأثرة بالنموذج اليعقوبي الفرنسي معتبراً أن النهوض بالبلاد يتطلب تفكيك البنى التقليدية التي تعيق التقدم.
كانت مجلة الأحوال الشخصية عام 1956 هي الضربة القاضية لنظام الأسرة القديم بمنعها تعدد الزوجات وإقرار الطلاق القضائي وهو ما مثل ثورة أنثروبولوجية حقيقية جعلت تونس تبتعد بمسافات ضوئية عن جيرانها في التشريع الاجتماعي.
لم يتوقف بورقيبة عند هذا الحد بل ألغى الأحباس وصادر أملاكها وأغلق التعليم الزيتوني محولاً إياه إلى مجرد كلية للاهوت تابعة لجامعة الدولة وبذلك جرد المؤسسة الدينية من سلطتها المعنوية والمادية تماماً.
ولعل واقعة دعوة الإفطار في رمضان الشهيرة لزيادة الإنتاجية كانت الذروة في هذا الصدام بين العقلانية الدولتية والوجدان الديني حيث اصطدمت كاريزما الزعيم بصلابة الشيخ الطاهر بن عاشور الذي رفض تبرير الإفطار شرعياً مما كشف عن حدود قدرة الدولة على هندسة المعتقد الفردي.

في العهد الذي تلا بورقيبة أي مرحلة زين العابدين بن علي تحولت العلمانية من مشروع تحديثي إلى أداة للضبط الأمني الخالص.
شعار تجفيف المنابع الذي رفعه النظام لم يكن يهدف فقط لمواجهة الإسلام السياسي بل أدى لتصحر روحي وتهميش لكل أشكال التدين التقليدي الزيتوني المنفتح.
تحولت المساجد إلى فضاءات تخضع للمراقبة اللصيقة ومُنع الحجاب بموجب مناشير إدارية وضُيق على كل من يبدي مظاهر تدين مما خلق فراغاً مرجعياً خطيراً.
وبسبب غياب البديل الوطني الرصين ارتمى الشباب التونسي في أحضان الفضائيات المشرقية التي تروج لنمط من التدين الوهابي أو السلفي الغريب عن البيئة المالكية التونسية
وهو ما خلق حالة من الاغتراب الروحي أدت لاحقاً لانفجارات هووية بعد سقوط النظام.
هذا التحول الأمني أدى أيضاً إلى تعميق الشرخ السوسيولوجي بين جهات البلاد فالساحل والشمال الشرقي القريبان من مراكز القرار والتحديث طورا تديناً مدنياً يتصالح مع قيم الدولة والحريات بينما ظلت المناطق الداخلية في الوسط والجنوب تنظر للدين والزاوية كحصون للمقاومة ضد تهميش المركز فصار التدين هناك يتخذ طابعاً احتجاجياً يربط بين المظلومية الاجتماعية والتمسك بالهوية المحافظة.

التونسي ، كائن اندماجي بامتياز يمتلك قدرة فائقة على صهر المتناقضات.
التونسي يعيش ازدواجية واعية فهو قد يرتاد الحانات ويسهر في الملاهي لكنه يتمسك بذبح الأضحية وزيارة الأولياء وطلب البركة وهو يقدس الدولة كضامن للأمن لكنه يتهرب من قوانينها ببراغماتية نفعية.
هذه الشخصية ليست متناقضة بالمعنى الأخلاقي بل هي شخصية وظيفية تبحث عن التوازن في بيئة متوسطية متقلبة.
النزعة الزبونية والشليلية التي لاحظتها تعكس رغبة التونسي في تحصيل المكاسب عبر شبكات الولاء التقليدية التي تلبس لبوساً حديثاً وهو ما يفسر لماذا لم تنجح العلمانية البورقيبية في محو الدين، ولماذا لم ينجح الإسلام السياسي بعد 2011 في أسلمة المجتمع قسراً.

كانت لحظة 2011 بمثابة انفجار للمكبوت بكل تلاوينه. برزت صراعات حادة حول النمط المجتمعي وتصادمت الرؤى بين النخبة الليبرالية التي تطمح لمزيد من الحريات الفردية مثل المساواة في الميراث وحرية الضمير وبين قاعدة شعبية واسعة لا تزال ترى في الشريعة مرجعاً أخلاقياً أخيراً.
في هذا المناخ عاد التصوف للواجهة ليس كزهد روحي فقط بل كخيار سياسي تدعمه الدولة لمواجهة المد السلفي العنيف باعتبار التصوف هو الإسلام التونسي الأصيل المسالم والمنفتح.
ومع ذلك فإن التحول الأبرز كان في الفضاء الافتراضي حيث انتقلت الجدليات الدينية من المنابر التقليدية إلى منصات التواصل الاجتماعي فصار الفيسبوك هو الساحة الحقيقية لنقد المقدسات وإعادة تعريف الهوية متجاوزاً بذلك وصاية الدولة ورجال الدين على حد سواء.
إن القراءة التركيبية للمشهد التونسي تفضي إلى أن الهوية في هذا البلد ليست معطى ناجزاً بل هي سيرورة دائمة من التراكم.
فالتاريخ التونسي هو قصة نجاح في استيعاب الوافد وصهره سواء كان فينيقياً أو رومانياً أو عربياً أو تركياً أو فرنسياً.

والمجتمع التونسي اليوم يمارس ما يسمى بالترميم الثقافي أي العودة لاستخدام الرموز القديمة مثل الوشم والأولياء واللباس التقليدي لا من أجل العودة للماضي بل لتأكيد الذات في مواجهة عواصف العولمة التي تهدد بتمسخ الهوية.

نحن أمام مجتمع يتجه نحو الفردانية حيث أصبح التدين شأناً شخصياً أكثر منه جماعياً والدولة رغم كل محاولات العلمنة أو الأسلمة تظل هي المهندس الأكبر للحقل الديني لكنها تواجه اليوم مجتمعاً أكثر وعياً بحقوقه وأكثر قدرة على المناورة.

التفاوت بين الجهات يظل التحدي الأكبر لاستقرار هذه المعادلة فالمناطق الطاردة للسكان في الداخل التي تعاني من غياب التنمية تظل بيئة خصبة للتدين الانغلاقي الذي يرفض قيم الدولة المركزية مما يتطلب مقاربة تنموية شاملة تعيد التصالح بين المواطن والدولة بعيداً عن الصراعات الإيديولوجية.
يمكن القول إن تونس لا تعيش صراعاً بين الدين واللادين بل تعيش مخاض ولادة نموذج جديد من التدين المتصالح مع الحداثة، نموذج يستمد قوته من تراث الزيتونة الإصلاحي ومن عمق الزوايا الوجداني ومن جرأة مجلة الأحوال الشخصية ليصوغ شخصية تونسية براغماتية منفتحة على المتوسط وفية لجذورها الأمازيغية والإسلامية وقادرة على البقاء في عالم متغير لا يعترف إلا بالكيانات القوية والمتجانسة ثقافياً.
إن تحليل الشخصية التونسية يقودنا إلى منطقة الظل في علاقة التونسي بالزمن والمكان.
فالتونسي تاريخياً هو سليل مدن قرطاجية وتجار فينيقيين مما زرع فيه روح المغامرة المقيدة بالحذر.
هذا الحذر هو الذي جعل الإسلام في تونس إسلاماً مدنياً بامتياز يكره الغلو ويميل إلى التوسط.
وحتى في اللحظات التاريخية الحرجة كما في ثورة صاحب الحمار ضد الفاطميين أو في الانتفاضات الشعبية الحديثة كان المحرك دائماً هو الدفاع عن العدل والكرامة لا فرض رؤية ثيوقراطية للعالم.
الشخصية التونسية هي شخصية اندماجية تعشق الحياة وتمارس نوعاً من الصوفية الدنيوية حيث يصبح الاستمتاع بمباهج الحياة شكراً لله على نعمه وهو ما نراه في احتفالات المولد النبوي أو في طقوس الصيف على الشواطئ حيث يتجاور الفرح الروحي مع الفرح الحسي دون شعور بالتناقض.

تونس تمثل حالة فريدة من الحداثة المتعثرة ولكن الطموحة حيث يظل الدين عنصراً مكوناً للهوية لا عائقاً أمام التطور بشرط أن يظل في فضاء الضمير والرمزية الثقافية لا في فضاء الإكراه السياسي.
عبقرية التونسي تكمن في قدرته على تحويل كل أزمة هووية إلى فرصة للإبداع الثقافي مما يجعل من هذا البلد الصغير بجغرافيته الكبير بتاريخه منارة للتسامح والتعايش في منطقة مضطربة باحثاً دوماً عن تلك الخلطة السحرية التي تجمع بين بركة سيدي بلحسن وعقلانية ابن خلدون

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال