بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

جينوم الاستبداد في تونس: كيف تحوّل التجمع الدستوري الديمقراطي من حزب إلى دولة ظلّ تُعيد إنتاج نفسها بعد السقوط

2026-04-19 244 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
جينوم الاستبداد في تونس: كيف تحوّل التجمع الدستوري الديمقراطي من حزب إلى دولة ظلّ تُعيد إنتاج نفسها بعد السقوط
استفيقوا من سكرتكم فأنتم لا تزالون تراوحون في دهاليز حزب لم يمت بل تحور وفي جينوم سياسي لم يتفكك بل أعاد هندسة نفسه في مختبرات الخيانة والتبعية.
إن الحديث عن التجمع الدستوري الديمقراطي ليس حديثاً في التاريخ بل هو تشريح لجثة لا تزال تعفن هواءنا وهو غوص في بيولوجيا سياسية أنتجت شعباً من المصفقين وجيشاً من المخبرين الذين حولوا الوطن إلى مجرد ضيعة خاصة تحت مسمى الشرعية والجمهورية.
نحن لا نتحدث عن تنظيم سياسي بل عن فيروس استوطن النخاع الشوكي للدولة التونسية منذ ليلة 2 مارس 1934يوم قرر الفتى القادم من المنستير أن يشق عصا الطاعة ليؤسس ديناً جديداً اسمه الحزب الحر الدستوري الجديد وهو في الحقيقة لم يكن جديداً إلا في قدرته على تصفية الخصوم وتدجين الجماهير تحت شعارات التحرر التي انتهت بعبودية الزعيم الأوحد والملهم الذي لا يخطئ.
هذا الحزب الذي بدأ بتمرد على النخبة البلدية في العاصمة سرعان ما تحول إلى مقصلة لكل من تسول له نفسه الحلم بتونس خارج عباءة الحزب الواحد.
هل تذكرون صراع اليوسفيين؟
إنها اللحظة التأسيسية للعنف المنظم في تونس حيث تم ذبح المعارضين في الجبال وفي غرف التعذيب ليرتفع فوق جثثهم صنم الزعامة البورقيبية.
كان الحزب منذ البداية يدرك أن بقاءه مرتبط بقدرته على إلغاء الآخر فكانت تصفية صالح بن يوسف هي الرصاصة الأولى التي استقرت في قلب الديمقراطية التونسية قبل أن تولد. ثم جاء عام 1963 ليختم على أفواه الجميع ويحول تونس إلى زنزانة كبيرة لا صوت فيها يعلو فوق صوت الحزب الاشتراكي الدستوري ذاك المسمى الذي اختاره بورقيبة ليداعب أحلام الاشتراكية العالمية بينما كان يمارس أبشع أنواع الإقطاع السياسي.
ثم جاءت ليلة 7 نوفمبر 1987 تلك الليلة التي وصفوها بالتغيير وهي لم تكن سوى عملية سطو أمنية على قصر تداعت أركانه.
صعد الجنرال بن علي فوق أنقاض رجل مريض ليعيد تدوير نفس النفايات السياسية تحت مسمى التجمع الدستوري الديمقراطي،ديمقراطي في بلد يدار بالهراوة والتقارير الأمنية!
لقد كان بن علي يدرك أن الحزب القديم قد ترهل فقرر بناء ماكينة جهنمية تتغلغل في أدق تفاصيل الحياة اليومية.
لم يعد الحزب مجرد مقر أو اجتماع بل صار هو الهواء الذي تتنفسه، صار هو رئيس الشعبة في الحي الذي يراقب من دخل ومن خرج ومن صلى الفجر في المسجد ومن اشترى جريدة معارضة.
تم تحويل الشعب التونسي إلى قطعان تدار عبر 8146 شعبة ترابية ومهنية حيث صار الولاء للحزب هو المعيار الوحيد للحصول على رخصة تاكسي أو قرض بنكي أو حتى شهادة سلوك تافهة.
التجمع لم يكن حزباً سياسياً بل كان شركة تأمين على الاستبداد وكان أعضاؤه الذين تجاوزوا المليوني منخرط هم جيش من المرتزقة الذين ربطوا مصائرهم ببقاء الجنرال.
هل كان هؤلاء يؤمنون ببرامج الحزب؟ أبداً بل كانوا يؤمنون بامتيازاتهم وبخوفهم من السقوط.
تم بناء جينوم من النفاق الجماعي حيث كان الجميع يصفق في القاعات ويشتم في الخفاء وفي هذه المسافة القاتلة بين التصفيق والشتم ولدت الروح المهزومة للتونسي التي ثارت لاحقاً في 14 جانفي 2011 لكنها لم تجد من يحررها من جينات التجمع التي سكنت في الوعي الباطني.

انظروا إلى اقتصاد النهب الذي قاده هذا الحزب.
لم يكن الأمر مجرد فساد إداري بل كان استيلاءً منظماً على مفاصل الدولة. تحولت تونس في عهد التجمع إلى ملكية خاصة لعائلة الطرابلسية وبن علي حيث كان الحزب هو الواجهة التشريعية التي تشرعن السلب.
هل تعلمون أن 220 شركة فقط كانت تسيطر على خمس أرباح القطاع الخاص في تونس؟
هل تعلمون أن المراسيم الرئاسية كانت تفصل على مقاس الأصهار في غرف مغلقة؟
كان التجمع هو من يبارك هذا النهب عبر لجانه المهنية التي كانت تبتز رجال الأعمال وتجبرهم على دفع الخراج للحزب وللعائلة الحاكمة.
تم تدمير الكفاءة التونسية لصالح الولاء وتم تهجير العقول لصالح الوصوليين الذين لم يقرؤوا كتاباً واحداً في حياتهم بل تخرجوا من مدارس التملق في دور التجمع.

والإعلام، الإعلام في زمن التجمع،تلك الوكالة التونسية للاتصال الخارجي التي كان يقودها عبد الوهاب عبد الله لم تكن سوى وكر لصناعة الأكاذيب وتشويه الشرفاء.
تم صرف ملايين الدنانير لشراء ذمم صحفيين في باريس والقاهرة ولندن ليكتبوا عن واحة الاستقرار التونسية بينما كانت السجون في الداخل تغص بالمعذبين.
كان الإعلام المحلي مجرد نشرة دعائية لزيارات صانع التغيير الميمونة وكان الصحفي الحر يعامل كعدو للوطن.
تم تجفيف المنابع ليس فقط للإسلاميين بل لكل فكر حر وتم تحويل الثقافة إلى مجرد رقص في المهرجانات وتمجيد للزعيم في المسارح. هذا التدمير المنهجي للعقل التونسي هو الجريمة الكبرى التي لا يزال التجمع يحاكم عليها في محكمة التاريخ.
وعندما نتحدث عن التهميش الجغرافي فنحن نتحدث عن جريمة دولة ضد أقاليمها.
ركز التجمع كل ثروات البلاد في الشريط الساحلي ليخلق قاعدة شعبية موالية بينما ترك الدواخل في القصرين وسيدي بوزيد وجندوبة وقفصة تموت جوعاً وتهميشاً.
لم يكن هذا صدفة بل كان استراتيجية أمنية لضمان ولاء النخب الاقتصادية في المدن الكبرى بينما يتم خنق الأرياف التي كانت دائماً منبع الثورات.
هذا الحقد الجغرافي هو الذي فجر ثورة 17 ديسمبر، حيث
خرج الشباب الذين لم يجدوا مكاناً في دولة الحزب ليقولوا كفى ولكن هل سقط التجمع حقاً؟

أنا أقول لكم لا، لم يسقط.
الحزب الذي تم حله بقرار قضائي في 9 مارس 2011 لم يكن سوى هيكل ورقي أما روحه وجيناته فهي لا تزال تتجول في الإدارة وفي القضاء وفي مفاصل الدولة العميقة.
هؤلاء الذين نراهم اليوم يرفعون شعارات الثورة كثير منهم تخرجوا من مدرسة التجمع وتدربوا على فنون التحول الحربائي.
التجمع ليس مجرد بطاقة انخراط حمراء بل هو عقلية الإقصاء وهو منطق الغنيمة وهو استغلال النفوذ.
إننا نعيش اليوم تجمعاً بلا بن علي ونعيش استبداداً متناثراً في أحزاب كرتونية تدعي المعارضة وهي في الحقيقة مجرد شظايا من الانفجار الكبير لذاك الحزب اللعين.

إن الجينوم السياسي التونسي يحتاج إلى عملية تطهير جذرية لا تتم بالانتخابات الصورية بل بالوعي التاريخي العميق. لا تظنوا أن الحرية هي مجرد صندوق اقتراع بل هي تحرر من ثقافة الخوف التي زرعها التجمع لمدى 23 عاماً وقبلها 30 عاماً من حكم الزعيم الأوحد.
إننا بحاجة إلى ثورة في الأفكار قبل أن تكون ثورة في الشوارع. نحن بحاجة إلى تمزيق ميثاق التبعية الذي وقعه النظام مع الخارج ليظل حارساً للحدود ومصدراً للمواد الخام وعمالة رخيصة.
التجمع كان نظاماً وظيفياً يخدم مصالح القوى الإمبراطورية في المتوسط مقابل الصمت عن جرائمه في الداخل وهذا الدور لا يزال معروضاً في المزاد العلني للنخب الجديدة التي تتسابق لتقديم أوراق اعتمادها في عواصم القرار الدولي.

إن تشريح جينوم الاستبداد يكشف لنا أننا أمام كيان بيولوجي يمتلك قدرة هائلة على التجدد.
انظروا كيف عاد الرموز القدامى بلباس جديد وكيف عادت لغة التخوين والتقسيم الجهوي والطبقي.
التجمع كان يقتات على تمزيق النسيج الوطني وهو اليوم يفعل ذلك عبر وكلاء جدد يرفعون شعارات مختلفة لكنهم يمارسون نفس السياسات.
الدولة التي بناها التجمع هي دولة مضادة للمواطن هي دولة الأجهزة التي تحمي نفسها وتعتبر الشعب عبئاً عليها.
ولن تقوم لنا قائمة إلا إذا هدمنا هذا المعبد فوق رؤوس الكهنة الذين يتاجرون بآلامنا وبأحلامنا.

التجمع الدستوري الديمقراطي لم يكن حزباً بل كان كارثة وطنية أصابتنا في مقتل وما لم نستأصل جذوره من أعماق نفوسنا ومن هياكل دولتنا سنبقى ندور في نفس الحلقة المفرغة نغير الوجوه ونبقى في نفس الزنزانة.
استفيقوا فالزمن لا ينتظر والتاريخ لا يرحم الضعفاء والجهلة.
تونس تستحق جينوماً جديداً، جينوم الحرية والكرامة والسيادة الحقيقية، لا سيادة الشعارات الكاذبة والخطب الخشبية التي مللنا سماعها.
كان بن علي يطعم نمره في القصر بينما كان التجمع يطعم الشعب أوهام الأمن والنمو. واليوم نرى نموراً جديدة تبرز أنيابها تجمعوا حول قصعة الوطن لينهشوا ما تبقى من لحمها.

إنها نفس العقلية ونفس المنطق ونفس الجينوم.
إن الصراع الحقيقي ليس بين إسلاميين وعلمانيين بل هو صراع بين منظومة استبداد متجذرة وبين شعب يريد أن يتنفس.
التجمع كان يتقن صناعة العدو الوهمي ليبرر وجوده وهو ما يفعله اليوم ورثته الذين يخيفونكم من بعضكم البعض لكي يظلوا هم الحكام والأوصياء.
لا تسقطوا في هذا الفخ فوحدتكم هي الرصاصة الأخيرة.
إنني أكتب بمرارة لأنني أرى الوطن يضيع في زحام الأكاذيب. أرى التجمع يعود من الأبواب الخلفية وأرى الجلادين يرتدون ثياب الضحايا.
هذا التشريح التاريخي ليس للبكاء على الأطلال بل هو صرخة تحذير قبل فوات الأوان.

التجمع الدستوري الديمقراطي هو عارنا الذي يجب أن نغسله بالعمل وبالوعي وبالمقاومة المستمرة.
لا تتركوا أحداً يقنعكم أنكم عاجزون عن التغيير فأنتم الذين هززتم عروش الطغاة في لحظة صدق نادرة.
واليوم يجب أن تهزوا عروش التجمع القابعة في عقولكم وفي مؤسساتكم. تونس هي الأصل والحزب هو الفرع ولا خير في فرع يمتص حياة الأصل ليغذي طفيلياته.

الجينوم التونسي الحقيقي هو جينوم التمرد والإبداع وليس جينوم التصفيق والتبعية فاستعيدوا هويتكم المسلوبة واصنعوا قدركم بأيديكم فلا زعيم بعد اليوم ولا حزب أوحد بل شعب يقرر ومؤسسات تخدم ودولة تحمي ولا تنهب.
هذا هو العهد وهذا هو الطريق وما عدا ذلك فهو هراء وتكرار ممل لملهاة بائسة انتهى وقتها وصار لزاماً علينا دفنها في مزبلة التاريخ إلى الأبد.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال