بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

ريفولوجيا

2026-03-10 37 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
ريفولوجيا
منذ أن أعلن العالم استسلامه المهين لزمن السرعة في نهايات ذلك القرن العشرين ومنذ أن اعتلت الرأسمالية المتوحشة صهوة التكنولوجيا لتجرّ البشرية خلفها في سباق محموم لا يعرف خطاً للنهاية ولا محطة للاستراحة بدأ شيء ما جوهري يتداعى وينهار داخل روح الإنسان المعاصر
حيث صارت المدن تُبنى وتتطاول أسرع مما يتنفس الناس في زحامها وصار الطعام يُطهى ويُبتلع أسرع مما تتشكل النكهة في خلايا المذاق بل وتحولت الرحلات الإنسانية الكبرى إلى مجرد لقطات عابرة وصور رقمية تافهة تخدم ماكينات الإعلانات التي تصنع ذاكرة جديدة بلا جذور وبلا انتماء.
وفي قلب هذه الفوضى الكونية العارمة ولدت حركة تبدو في ظاهرها صغيرة لكنها تحمل في أحشائها روحاً ثورية جبارة،حركة جاءت لتبطئ الخطى المتعثرة كي تستعيد الأرض كرامتها المستباحة ويستعيد الطعام روحه المسلوبة ويستعيد الإنسان ظله الذي فقده في زحام الهرولة فأطلقوا عليها أسماء بسيطة في مبناها لكنها عميقة في معناها مثل Slow Food وSlow Tourism وهي في الحقيقة ليست مجرد تسميات بل هي مانيفيستو لثورة كاملة على نمط الحياة المعاصر.
لقد بدأت الحكاية في عام 1986 من بلدة برا الإيطالية حين وقف كارلو بيتريني بشموخ ضد زحف الوجبات السريعة التي كانت تحاول تدنيس قدسية التاريخ عند سلالم بيازا دي سبانيا في روما فكان افتتاح ماكدونالدز هناك بمثابة إعلان غزو ثقافي لم ترد عليه الشعوب التي تفهم قيمة ذوقها وتراثها بالخطابات بل بحركة غذائية تعيد الاعتبار للفلاح والأرض والمطبخ المحلي وما يسميه الفرنسيون التروار لتتحول هذه الحركة خلال عقد واحد من مجرد نادي طهو محلي إلى إعصار عالمي يضم 150 دولة ويدير أكبر تجمع للمنتجات الأصلية في العالم تحت مسمى تيرا مادري.
ولم تقف المسألة عند حدود إيطاليا بل لاحقتها فرنسا وإسبانيا ثم التفتت اليابان إلى قراها الجبلية المنسية لتعيد بناءها وفق فلسفة عميقة لخصها اليابانيون بعبارة بليغة:
نحن لا نرمم القرى نحن نرمم النفس، وهي ثورة لم تكن عاطفية فحسب بل كانت زلزالاً اقتصادياً، ففي إيطاليا وحدها تدر منتجات هذه الحركة اليوم مليارات اليوروات وتنعش آلاف الفلاحين والحرفيين والقرى، بينما في فرنسا واليابان صار السائح الجديد يبحث عن المعنى لا عن الصورة، وعن الإنسان لا عن جدران الفنادق الباردة، وعن الزمن الذي يُعاش بصدق لا الذي يُستهلك بجشع.
وهنا، في قلب هذه الحركية العالمية، تقف تونس بموقعها الاستراتيجي وتاريخها الممتد، هذا البلد الذي عاش دائماً في صراع وجودي بين البطء والسرعة، والذي يمتلك من الذكريات ما يكفي لصناعة قارة كاملة ومن الجغرافيا ما يسمح بابتكار عشر تجارب سياحية مذهلة في آن واحد، لكنه للأسف بلد لم يدرك صُنّاع القرار فيه بعد أن قوته الحقيقية لا تكمن في رمال الشواطئ بل فيما وراء البحر وفي أعماق الأرض وخارج أسوار الفنادق النمطية، حيث السائح الذي نبحث عنه ليس ذلك الرخيص الذي يستهلكنا بل السائح الباحث عن الحكاية والأصل.
تونس مارست الغذاء البطيء قبل أن يصيغ الغرب المصطلح، فالكسكسي المتوارث عبر الأجيال والملوخية التي تنضج على نار هادئة لساعات طويلة هي ممارسات حضارية ذات جذور قرطاجية ورومانية، والهريسة التي تعجنها أصابع النساء بقدسية هي منتج تروار عالمي، والزيتون الذي يُجمع حبة حبة في الساحل هو نموذج للمقاومة الزراعية، وقد سجل التاريخ منذ العهد البيزنطي وعصور الإدريسي أن طعام هذه الأرض هو الأكثر نضجاً ونقاءً، ومع ذلك بقي هذا التراث العظيم مادة خام بلا مشروع اقتصادي وبقيت السياحة رهينة نموذج السبعينات الهش الذي يعيش على الشمس الرخيصة ونصف الإمكانات المتاحة.
الحقيقة الصادمة هي أن تونس تمتلك فرصة تاريخية لا تملكها أوروبا اليوم وهي الأصالة الخام التي لم تفسدها العولمة بعد من بيوت حجرية ومعاصر قديمة ومراكب خشبية ومزارع تُروى ببركة الأجداد، وهي مادة للهوية يمكن أن تتحول إلى ذهب خالص لو وجد السرد والمشروع والعقل الذي يجمع الأطراف.
لو امتلكت تونس الإرادة السياسية الحقيقية لتمكنت في عشر سنوات من تصدر مشهد السياحة البطيئة في العالم عبر خلق مسارات وطنية كبرى، من طريق زيت الزيتون الذي يمتد من الساحل إلى جرجيس، إلى طريق الكسكسي من الكاف إلى قبلي، مروراً بمسارات الواحات والأعشاب والأجبان والفخار والمنارات القديمة، وهي مسارات قادرة على جذب مئات الآلاف من السياح ذوي القيمة العالية وإحياء عشرات القرى المهجورة وتحويلها إلى فنادق منتشرة في قلب الأحياء القديمة، وخلق آلاف الوظائف الحقيقية وتسجيل المنتجات التونسية في سجلات الشرف العالمية.
كل شروط النجاح موجودة والأرقام ممكنة والنماذج مثبتة دولياً لكن السؤال الذي يطاردنا هو لماذا لا نبدأ؟
ربما لأننا لم نؤمن يوماً بأن قوتنا في ذاكرتنا أو لأننا استصغرنا شأننا في عالم لا يحترم إلا الأقوياء بمشاريعهم والحل يكمن في كلمة واحدة هي الجرأة
الجرأة على تحطيم الأصنام السياحية القديمة وخلق سردية جديدة تقول للعالم إن تونس ليست مجرد محطة صيف عابرة بل هي تجربة حياة كاملة
وحين تبطئ تونس خطوتها لتتنفس برئة قراها وتستعيد صوت الريح في حقولها، حينها فقط ستسبق الجميع وتتحول من ضجيج السياسة العقيم إلى معنى الاقتصاد العظيم.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال