بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

تونس لا تحتاج إلى زعيم جديد بل إلى دولة تتوقف عن عبادة الزعماء.

2026-11-06 41 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
مأساة تونس ليست في ندرة الرجال بل في عجزها المزمن عن بناء المؤسسات. نحن بلد أتقن صناعة الزعماء أكثر مما أتقن صناعة الدولة وأبدع في تلميع صور الحكام أكثر مما أبدع في بناء المصانع ورفع الشعارات أكثر مما رفع الإنتاجية. نغير الوجوه ونبدل الخطابات ونستبدل صنما بصنم ثم ننتظر معجزة اقتصادية من منظومة لم تتعلم بعد كيف تعمل دون أن تتعلق بشخص واحد كأننا نريد من التاريخ أن يصفق لنا لأننا غيرنا الحارس بينما البيت يحترق من أساسه.

الدولة ليست صورة معلقة على الجدران ولا صوتا مرتفعا في الخطب ولا إرادة فردية تتحول إلى قانون بمجرد أن ينطق بها صاحب السلطة. الدولة مؤسسات وقواعد واستمرارية ومحاسبة وتوازن بين السلطات. الدولة الحقيقية هي التي تستطيع أن تعمل بكفاءة في غياب الحاكم وأن تصحح أخطاءه وأن تحاسبه وأن تضمن ألا تتحول مصالح الملايين إلى رهينة مزاج شخص أو حساباته أو تقديراته.
أما الدولة التي تتعطل بتعطل فرد وتخاف فيها المؤسسات من السؤال وتصبح فيها المحاسبة جريمة والنقد خيانة فليست دولة قوية بل جهاز هش يختبئ خلف هيبة السلطة.

والأكثر إيلاما أن تونس لا تعاني أزمة خطاب سياسي فحسب بل تعاني أزمة نموذج في الحكم والإنتاج والإدارة.
أرقام المالية العمومية لا تجامل أحدا ،بلغ عجز الميزانية سنة 2025 نحو 9.249 مليار دينار أي ما يعادل 5.4 % من الناتج المحلي وبلغ الدين العمومي 141.665 مليار دينار وفي قانون المالية لسنة 2026 قدرت الدولة الدين بنحو 156.704 مليار دينار.
هذه ليست أرقاما للزينة في تقرير اقتصادي، إنها التزامات ستتحملها أجيال لم تشارك في صنع القرارات التي راكمتها. وفي ميزانية 2025 وحدها اقتربت كتلة الأجور من 24.4 مليار دينار وخدمة الدين من 24.7 مليار دينار والدعم من 11.6 مليار دينار أي إن الدولة تجد نفسها محاصرة بين أجور وخدمة دين ودعم بينما تظل الأسئلة الكبرى معلقة
أين الاستثمار المنتج؟ أين المؤسسات التي تخلق الثروة؟ أين الاقتصاد الذي يوسع قاعدة الضرائب بدل أن يوسع قاعدة الاقتراض؟
لا يمكن بناء دولة قوية بميزانية تستهلكها الالتزامات أكثر مما تستثمر في المستقبل ولا يمكن الحديث عن السيادة الاقتصادية فيما نعجز عن إنتاج ما نستهلك وعن الأمن الغذائي فيما تظل فلاحتنا دون طاقتها وعن الاستقلال فيما تظل فاتورة الطاقة تستنزف مواردنا وعن الكرامة فيما يظل المواطن ينتظر خدمة إدارية بسيطة كأنه يطلب امتيازا لا حقا. السيادة ليست خطبة ضد الخارج ،السيادة أن تنتج وتصدر وتبتكر وتملك قرارك لأنك تملك أسباب قوته.

أما المؤسسات العمومية فقد آن الأوان للخروج من سوق المزايدات. ليس كل مرفق عمومي مقدسا لمجرد أنه عمومي وليس كل مستثمر خاص منقذا لمجرد أنه خاص.
المعيار هو المصلحة العامة والنتائج. المؤسسة الاستراتيجية التي تحمي الأمن الوطني وتنتج قيمة يجب أن يعاد تنظيمها وتحديثها والمؤسسة القابلة للإنقاذ يجب أن تخضع لإصلاح حقيقي وشراكة جدية أما المؤسسة التي تحولت إلى نزيف دائم بلا أفق فلا يجوز أن نستمر في ضخ المال العام فيها فقط لأن الاعتراف بفشلها مؤلم سياسيا.
المال العام ليس ملكا للحكومة ولا للمدير ولا للنقابة ولا للحزب، إنه مال التونسيين.ومن حقهم أن يعرفوا أين يذهب ومن المسؤول عن تبديده وما النتائج التي حققها.

نحتاج إلى دولة تقيس أداءها بالأرقام لا بالتصفيق. إدارة يعرف فيها المواطن آجال الحصول على الخدمة ويعرف المستثمر مدة الترخيص ويعرف المسؤول أن بقاءه مرتبط بالنتائج لا بالولاء.
نحتاج إلى إدارة تكافئ الكفاءة وتعاقب التعطيل وتفتح أبوابها أمام التكنولوجيا والرقمنة وتقطع مع ثقافة الملف الذي يدور بين المكاتب حتى يموت صاحبه.
لا معنى لدولة تتحدث عن الاستثمار ثم تجعل المستثمر يخوض حربا بيروقراطية كي يبدأ مشروعه ولا معنى لخطاب التشغيل فيما تبقى المبادرة محاصرة بالتراخيص والامتيازات والاحتكار.
والإصلاح لا يعني أن نفتح أبواب الدولة للمغامرات أو أن نرهن ميزانيتها بقرارات مرتجلة. رجل الدولة لا يغامر بأموال الأجيال لإرضاء جمهور عابر ولا يوزع الوعود التي يعرف مسبقا أن الخزينة عاجزة عن تمويلها. عليه أن يوقف كل نزيف غير مبرر ويدقق في المؤسسات والمنشآت وينشر حساباتها ومؤشرات أدائها ويحدد المسؤوليات بوضوح.
ثم يوجه الموارد إلى ما ينتج الثروة: الفلاحة والصناعات الغذائية والطاقة المتجددة والتخزين والنقل واللوجستيك والموانئ والسكك الحديدية والمناجم والتكنولوجيا والتكوين المرتبط بحاجات الاقتصاد.
لا نريد اقتصادا يعيش على انتظار القروض بل اقتصادا يصنع القيمة ويخلق مواطن الشغل ويفتح أسواق التصدير.
ونحتاج قبل ذلك إلى عقد سياسي جديد لا يقوم على تقسيم التونسيين إلى مؤمنين بالسلطة وخونة لها ولا على احتكار الوطنية أو توزيع صكوك الانتماء.
لا أحد يملك تونس ولا أحد يختصر الدولة في شخصه ولا أحد فوق المساءلة. الاختلاف السياسي ليس مؤامرة والنقد ليس خيانة والولاء للوطن لا يقاس بمدى التصفيق للحاكم بل بمدى الالتزام بالقانون وحماية المال العام وتحقيق المصلحة العامة.
من يطلب من الناس أن يثقوا فيه إلى الأبد لا يفهم معنى الجمهورية فالثقة في الدولة يجب أن تصنعها المؤسسات والنتائج لا أن تفرضها الشعارات.
أخطر ما يمكن أن يحدث لتونس هو أن نخرج من عبادة الأشخاص لنقع في عبادة أشخاص آخرين وأن نغير قاموس السياسة دون أن نغير طريقة إدارة الدولة.
لا نحتاج إلى منقذ يطلب من الجميع أن ينتظروا بل إلى مؤسسات تعمل حتى عندما يغيب المنقذ.
لا نحتاج إلى مسؤول يترك وراءه صورا وخطبا بل إلى مسؤول يترك مؤسسة أقوى مما تسلمها وإدارة أكثر كفاءة ومالية أكثر توازنا واقتصادا أكثر إنتاجا وقانونا يطبق على الجميع.
تونس لا ينقصها من يرفع صوته باسمها، ينقصها من يرفع إنتاجها ويحرر طاقاتها ويحمي مواردها ويعيد الاعتبار للعمل والكفاءة والمحاسبة.
لا ينقصها صنم جديد نضعه فوق الدولة بل دولة نضع الجميع تحت قانونها. فالحاكم يرحل والحكومة تتغير والأحزاب تصعد وتسقط أما الدولة فيجب أن تبقى.
ومن لا يستطيع بناء مؤسسة تستمر بعد مغادرته لم يبن مجدا سياسيا بل صنع ديكورا لسلطة مؤقتة.
هذه هي الحقيقة التي يجب أن نواجهها بلا خوف
تونس لن تنهض بتغيير الأشخاص وحده ولن تنقذها البلاغة ولا النوايا ولا صور الزعماء. ستنهض يوم يصبح المسؤول موظفا لدى الدولة لا مالكا لها ويصبح القانون أقوى من النفوذ والمؤسسة أقوى من الفرد والإنتاج أهم من الدعاية والنتائج أهم من الولاء. يومها فقط سنكون قد بدأنا بناء دولة لا صناعة صنم جديد.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال