بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

التطبيع ليس خيارا ...بل شبكة نعيش فيها جميعا.

2026-10-23 43 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
معظم من يصرخون ضد التطبيع كاذبون أو أغبياء أو مستفيدون وأحيانا يجتمع الثلاثة في شخص واحد.
التطبيع كما يمارس اليوم لا يحتاج خونة كبارا ولا قرارات سيادية ولا مؤتمرات صحفية لأن الخيانة الحديثة لا تلبس بدلة عسكرية ولا تتكلم بلهجة رسمية بل ترتدي قميص شركة وتتكلم لغة السوق وتدخل بيتك بلا استئذان عبر شاشة مضيئة وتنام مع أطفالك تحت اسم التكنولوجيا و التقدم و الضرورة.التطبيع ليس حدثا بل وضعية دائمة.
ليس خيارا أخلاقيا بل نتيجة منطقية لعالم قرر أن يعيش بلا أخلاق ثم طلب من الضحايا أن يكونوا أخلاقيين وحدهم.

إسرائيل لم تنتصر لأنها ذكية فقط بل لأنها واجهت عالما عربيا غبيا كسولا مدّعي طهارة يتقن الصراخ أكثر مما يتقن العدّ ويجيد اللعن أكثر مما يفهم الحسابات.
فبينما كانت الدول العربية تتصارع حول الشعارات كانت إسرائيل تدخل بهدوء إلى مختبرات البحث إلى وادي السيليكون إلى شبكات المال إلى شركات الأمن إلى مفاصل التكنولوجيا التي لا ترى في نشرات الأخبار لكنها تدير العالم فعليا،وهنا نصل إلى الحقيقة التي تغضب الجميع
إسرائيل لم تخترع الشبكة لكنها أحسنت السكن فيها بينما العرب ظلّوا يلعنون الشبكة من خارجها دون أن يفهموا كيف تعمل.
خذ أي عربي اليوم أيا كان مستوى وطنيته المعلنة ستجده مربوطا بالكيان الإسرائيلي من حيث لا يعلم أو لا يريد أن يعلم.
هاتفه و بريده الإلكتروني وحسابه البنكي و سيارته ودواؤه وغذاؤه وعمله و أمنه الرقمي و بياناته الصحية ،كل ذلك يمرّ عبر شركات ومراكز أبحاث وتمويل لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بإسرائيل.
ثم يأتيك منتفخ الصدر ليشرح لك معنى الكرامة الوطنية وهو عاجز عن تسمية بديل واحد حقيقي عمّا يستهلكه يوميا.
هذه ليست مأساة فقط بل مهزلة تاريخية.
الأكثر وقاحة في المشهد ليس التطبيع نفسه بل التمثيل الأخلاقي،أن تلعن إسرائيل صباحا وتوقّع معها مساء عبر شركة وسيطة و أن ترفع علم فلسطين وتستثمر في صندوق مالي يموّل شركات إسرائيلية و أن تتهم الآخرين بالخيانة وأنت نفسك لا تستطيع العيش 24 ساعة خارج المنظومة التي تخدم الكيان و هنا يصبح السؤال ليس من طبّع؟
بل من لم يطبّع؟
والإجابة الصادمة قلة نادرة مهمّشة فقيرة معطوبة اجتماعيا تعامل على أنها غير واقعية لأن الواقعية في هذا العالم تعني أن تقبل بأن تكون جزءا من القذارة بصمت.
الاحتلال اليوم لا يحتاج جنودا في الشوارع العربية لأنه نجح في تحويل العرب إلى مستهلكين خانعين يخافون من خسارة خدمة أكثر مما يخافون من خسارة كرامة ويحسبون الربح والخسارة بلغة السوق لا بلغة التاريخ.
الاحتلال الحقيقي لم يعد في الأرض بل في العقل الذي اقتنع بأن لا بديل.
وهنا تظهر الجريمة الكبرى للنخب العربية السياسية والثقافية معا،نخب تعرف الحقيقة لكنها تفضّل الكذب عليها لأنها مستفيدة من الشبكة أو خائفة من كسرها أو عاجزة عن تخيّل عالم خارجها.
هذه النخب لا تقاوم التطبيع بل تديره لغويا و تهاجمه بالكلام كي تبرّر ممارسته بالفعل و تصرخ كي لا تسأل عن البديل و تشتم كي لا تحاسب.
أما الجماهير فهي الضحية المثالية لأنها تُغذّى بخطاب أخلاقي رخيص و تترك عارية أمام نظام اقتصادي لا تفهمه ولا تملك أدوات مقاومته ثم تلام لأنها مطّبعة وهي لا تملك خيارا حقيقيا آخر. وهكذا تُرتكب الجريمة مرتين ،مرة باسم السوق ومرة باسم الوطنية.
المعركة ضد التطبيع لا تخاض باللافتات بل بكسر التبعية.
والتبعية لا تكسر بالشعارات بل بالعلم وبالإنتاج وببناء بدائل وبالقبول المؤلم بأن الطريق طويل ومكلف وأن لا أحد سيصفّق لك وأنت تبدأ من الصفر.
كل من يعدك بنصر أخلاقي سريع يكذب عليك أو يبيعك وهما ليبقى هو في مكانه.
أنا لا أدعوكم إلى الطهارة لأن الطهارة كذبة في عالم متسخ.
ولا أدعوكم إلى البطولة لأن البطولة الفردية لا تغيّر نظاما عالميا، أنا فقط أصرخ في وجوهكم بالحقيقة العارية.
نحن داخل الشبكة و غارقون حتى الرقبة وكل من لا يعترف بذلك لا يملك حق الكلام عن الخيانة.
أما إسرائيل فهي ليست شيطانا أسطوريا بل لاعبا بارعا في سوق قذر استغل غباء خصومه وتفوّق عليهم لأنهم انشغلوا بتمجيد أنفسهم بدل أن يفهموه.
و من لا يفهم عدوه يستحق الهزيمة ومن يصرّ على الكذب بعد الفهم يستحق الاحتقار.
في هذا العالم لم تعد الدول تعرّف بأعلامها ولا بحدودها ولا حتى بجيوشها بل بقائمة الشركات التي تتحكم في يوم المواطن من لحظة استيقاظه إلى لحظة نومه.
المواطن العربي لا يعيش في تونس أو مصر أو المغرب أو أي جغرافيا اسمها الوطن بل يعيش فعليا في دولة اسمها Google ويتنقّل في شوارع Apple ويأكل من مخازن Nestlé ويقترض من مزاج Goldman Sachs و يراقب بعين Microsoft و يحدّد موقعه بإذن من GPS تديره شركات لا تحفظ حتى اسمه.
خذوا مثلا هذا المناضل الذي يكتب منشورا ناريا ضد التطبيع.،يكتبه أين؟ على Facebook أو X بخوارزميات شارك في تطويرها مهندسون يعملون في تل أبيب أو يتعاملون معها و يرفقه بصورة التقطها بهاتف ذكي شريحته صُممت في مختبرات Intel التي تفخر بمراكزها البحثية في إسرائيل. ثم يضغط postuler مطمئنا وكأن العدو سيغلق عينيه احتراما لغضبه.
وحين يغضب أكثر يقرر المقاطعة ،فيقاطع منتجا واحدا صغيرا بينما يترك Coca Cola ترويه وNestlé تطعمه وUnilever تنظف أسنانه و Pepsi تملأ موائد أطفاله.
فيقاطع تفصيلة ويحتضن المنظومة.
بطولة انتقائية تشبه من يطفئ شمعة في بيت يحترق ويطلب وسام شجاعة.
أما الدولة تلك التي تخطب ضد التطبيع صباحا فتوقّع مساء عقود طاقة مع Chevron و تحدّث شبكاتها الكهربائية بمعدات Siemens وتستورد أنظمة مراقبة من شركات محايدة لا ترى بأسا في العمل مع إسرائيل.
ثم تتساءل بوقاحة مصطنعة كيف اخترقنا العدو؟
كأن العدو جاء حافي القدمين لا محمولا في ملفات PDF وعقود استثمار وابتسامات دبلوماسية.
حتى السيارات التي تقلّ المتظاهرين إلى الساحات تحتوي على تقنيات ملاحة وأمان طوّرتها شركات مرتبطة بشبكات بحث إسرائيلية ، وحتى الجرّافة التي تشق طريقا في قرية فقيرة قد تكون من Caterpillar التي لا ترى فرقا بين بيت عربي وبيت فلسطيني ما دام العقد مدفوعا و هنا تبلغ السخرية حدّها الأعلى فنحتجّ بأدوات صنعتها المنظومة التي نحتجّ عليها.
أما البنوك فهي الفصل الأكثر وقاحة ،لا يهمهما إن كنت قوميا أو إسلاميا أو يساريا المهم أن رقم حسابك يعمل وأن استثماراتك تمرّ عبر شبكة تموّل بطريقة أو بأخرى شركات إسرائيلية أو مشاريع مرتبطة بها.
المال لا يعرف الشعارات لكنه يعرف الطريق الأقصر إلى الربح والعرب للأسف لا يعرفون إلا الطريق الأقصر إلى الخطابة.

المواطن العربي يعيش في سوق إسرائيلي عالمي دون أن يحمل جواز سفر إسرائيلي فيموّل ويستهلك ويستخدم ثم يتبرأ لغويا كمن يرتكب الخطيئة ليلا ويغتسل بالكلام نهارا.
إسرائيل هنا ليست استثناء أخلاقيا بل مرآة قاسية تكشف كم نحن عراة اقتصاديا هشّون معرفيا ومتورّطون حتى الأذنين في عالم ندّعي أننا نكرهه.
قبل أن تسأل من يطبّع؟ اسأل من يملك؟ ومن ينتج؟ ومن يفهم؟ أما الباقي فمجرد ضجيج يدار بتطبيق.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال