لست ديمقراطيا ولا أملك الرغبة في التظاهر بالديمقراطية إرضاء لمجتمع يريد أن يحصد نتائج العقل وهو يرفض زراعة المعرفة ويطالب بالحرية ثم يفتش في جيوب الآخرين عن مفاتيحه ويرفع اسم الشعب كما يرفع التاجر لافتة التخفيضات لا حبا في الناس بل أملا في بيعهم بضاعة سياسية فاسدة.
لا أقدس الجماهير ولا أرتعد أمام كلمة الأغلبية ولا أعتبر عدد المصوتين دليلا على صحة الأفكار فالحماقة لا تصبح حكمة عندما تتكاثر والجهل لا يحصل على شهادة دكتوراه عندما يهتف له شارع كامل والكذب لا يتحول إلى حقيقة لمجرد أن صاحبه فاز في الانتخابات.
سئمت هذا الابتزاز الأخلاقي الذي يمارسه كل من يضع كلمة الديمقراطية على لسانه ثم يستعملها هراوة لضرب كل من يجرؤ على التفكير خارج القطيع. يريدون منك أن تحترم الشعب وكأن احترام الإنسان يعني أن تكذب عليه بشأن قدرته على الخطأ.
يريدون منك أن تنحني أمام الأغلبية وكأن الأغلبية كائن سماوي لا يخطئ ولا ينافق ولا يبيع صوته ولا يصفق لمن يسرق مستقبله.
يريدون منك أن تبتلع رأيك ثم يسمون ابتلاعك نضجا سياسيا ويسمون خوفك من العزلة حكمة ويسمون صمتك أمام الرداءة احتراما للإرادة الشعبية.
تبّا لهذه اللغة التي تجعل من المواطن ملاكا يوم الانتخابات ثم تكتشف أنه مجرد رقم بعد إغلاق الصندوق وتجعله مصدرا للسيادة حين تحتاج إليه ثم تعامله كقاصر حين يسأل أين ذهبت السيادة وأين ذهبت الأموال وأين ذهبت الوعود.
لا أكره الشعب بل أرفض تحويله إلى صنم، فعبادة الحاكم مهانة وعبادة الجمهور مهانة أيضا. في الحالتين هناك عقل يتنازل عن وظيفته وضمير يطلب الإعفاء من المسؤولية وشخص يبحث عن جماعة يختبئ داخلها حتى لا يضطر إلى الدفاع عن فكرة تخصه.
الفرق الوحيد أن المستبد الفرد يحتاج إلى قصر وحرس أما استبداد الجماعة فيكفيه حشد غاضب وبعض الشعارات ومواطنون يعتقدون أن صراخهم الجماعي يمنحهم حق إهانة كل من لا يصفق لهم.
لا أرى في التصفيق الجماعي دليلا على الحقيقة بل أراه أحيانا دليلا على أن الناس وجدوا أخيرا طريقة مريحة للتخلص من مسؤولية التفكير.
ما أسهل أن تتبع الجميع وما أصعب أن تسألهم إلى أين يذهبون. ما أسهل أن تردد شعارا وما أصعب أن تعرف من صاغه ومن يموله ومن يستفيد منه ومن سيدفع ثمنه حين تنتهي الحفلة ويعود الجميع إلى بيوتهم.
في مجتمعاتنا يستطيع رجل أن يكرر كذبة ألف مرة فإذا صدقه الناس أصبح التشكيك فيه جريمة أخلاقية.
ويستطيع سياسي أن يفشل في الاقتصاد والتعليم والصحة ثم يخرج ليحدثنا عن كرامة الشعب فيصفق له الذين يدفعون ثمن فشله. ويستطيع شخص لا يقرأ كتابا أن يوزع شهادات الوطنية على الباحثين والمفكرين فقط لأنه يملك حنجرة لا تتعب وجمهورا لا يسأل.
أما الذي يحاول تفكيك الأكاذيب فيتهمونه بالتعالي على الشعب وكأن احترام الناس يقتضي احترام كل فكرة سخيفة تصدر عنهم.
أي مهزلة هذه؟ أصبح الجهل يطالب المعرفة بالاعتذار وأصبحت الرداءة تتهم الكفاءة بالغرور وصار الذي لا يملك حجة يطالب خصمه بخفض نبرة صوته لأن الحقيقة حين تكون مزعجة تتحول في قاموس العاجزين إلى سوء أدب.
لا أريد أن أساوي بين رأي طبيب ورأي شخص ينكر الطب ولا بين دراسة اقتصادية وحكاية يتناقلها الناس في المقاهي ولا بين مهندس درس سنوات وشخص يعتقد أن الخبرة تأتي من كثرة الكلام.
أريد أن يكون لكل إنسان حقه في التعبير لكنني أرفض أن يتحول هذا الحق إلى إلزام للآخرين باحترام كل رأي باعتباره معرفة.
حرية التعبير لا تعني أن جميع الأفكار متساوية بل تعني أن الأفكار تستطيع مواجهة النقد دون أن تستدعي الشرطة أو تستنجد بقداسة الجماهير.
ولست مستعدا لأن أكذب بشأن هذه الفروق كي لا أجرح مشاعر مجتمع يجرح الحقيقة كل يوم ثم يطالبها بأن تتحدث معه بأدب.
الديمقراطية ليست مسابقة في عدد الرؤوس التي تهزها وليست حفلة لاختيار أكثر الوجوه قدرة على خداع الناس وليست صكا يمنح الفائز حق تحويل الدولة إلى مزرعة حزبية. الانتخابات تحدد من يتولى الحكم لكنها لا تمنحه ملكية عقول المواطنين ولا تجعل برنامجه مقدسا ولا تعفيه من الحساب. وإذا كانت الأغلبية تستطيع اختيار الحاكم فإنها لا تستطيع منحه حق سحق الأقلية ولا تحويل الكذب إلى قانون ولا مصادرة الحريات الأساسية ولا تمديد سلطتها إلى الأبد بحجة أنها فازت مرة.
وإلا فلماذا نحتاج إلى دستور؟ ولماذا نحتاج إلى قضاء مستقل؟ ولماذا نحتاج إلى رقابة على السلطة؟ ولماذا نحتاج إلى حقوق لا يستطيع الحاكم ولا الجمهور إلغاءها بمزاج عابر؟
إذا كانت كلمة الأغلبية تكفي لحسم كل شيء فلنغلق الجامعات والمحاكم ومراكز البحث ولنترك كل مسألة علمية وأخلاقية وقانونية لاستفتاء شعبي ثم ننتظر حتى يصوت الناس على الجاذبية الأرضية ويقرروا إن كانت موجودة أم لا.
قد يبدو هذا كلامي مستفزا لكنه أقل استفزازا من مجتمع يريد أن يحكم العالم بأهوائه ثم يغضب عندما يذكره أحد بأن للأشياء قوانين لا تتغير بالتصفيق.
أما الديمقراطيون الموسميون فأعرف حيلتهم جيدا.
هم ديمقراطيون عندما تفوز جماعتهم وثوريون عندما تخسر وأنصار للشعب عندما يهتف باسمهم ومدافعون عن هيبة الدولة عندما يهتف ضدهم. يؤمنون بالتعددية بشرط ألا تتعدد الآراء داخل جماعتهم وبحرية التعبير بشرط ألا تتجاوز الكلمات حدود مصالحهم وباستقلال القضاء بشرط ألا يصل التحقيق إلى أصدقائهم وبنزاهة الانتخابات بشرط ألا تحمل الصناديق أخبارا سيئة.
هؤلاء لا يريدون الديمقراطية بل يريدونها خادمة في بيوتهم. يطلبون منها أن تفتح الأبواب لهم وأن تطرد خصومهم وأن تغير القواعد كلما تغيرت النتائج.لا يختلفون مع المستبد في المبدأ بل في هوية الشخص الذي يحمل المفاتيح.
ولذلك فإنني لا أثق في كل من يكثر من الحديث عن الشعب. أريد أن أعرف ماذا يفعل حين يعارضه الشعب وماذا يقول حين تخسر جماعته وكيف يتعامل مع خصمه حين يصبح قادرا على إيذائه وهل يقبل أن يحكمه القانون حين لا يكون القانون في مصلحته. فالوطنية التي لا تصمد أمام الخسارة ليست وطنية والديمقراطية التي تنهار عند أول هزيمة انتخابية ليست ديمقراطية والحرية التي لا تشمل الخصم ليست حرية بل امتياز مؤقت ينتظر صاحبه فرصة الانتقام.
أما المجتمع الذي يريد حقوقا بلا مسؤولية وحريات بلا حدود قانونية تحمي حقوق الآخرين ورفاهية بلا إنتاج ونجاحا بلا علم، ودولة قوية بلا مؤسسات فهو لا يريد معجزة فحسب بل يريد من الواقع أن يقدم له اعتذارا لأنه لا يشبه أوهامه.
يريد المواطن مستشفى محترما لكنه لا يسأل عن كلفة تشغيله ومدرسة تنتج العلماء لكنه يحتقر المعلم ومصنعا ينافس العالم لكنه يسخر من البحث العلمي وإدارة تحترم القانون لكنه يبحث عن واسطة لتجاوز القانون وسياسيا نزيها لكنه يكافئ من يشتري رضاه.
ثم يخرج في نهاية اليوم ليشتم الدولة وكأن الدولة مخلوق فضائي هبط من كوكب آخر لا نتيجة بشر ومؤسسات وعادات ومصالح شارك المجتمع نفسه في تشكيلها.
لا أحد فوق النقد لا الحاكم ولا المعارض ولا المواطن ولا المثقف ولا المؤسسة. ومن يطالب بحصانة لمجرد أنه ينتمي إلى الشعب يطلب لنفسه امتيازا لا يملكه أي إنسان فالناس يستحقون الحقوق لأنهم بشر لا لأنهم معصومون.
ويستحقون الكرامة حتى عندما يخطئون لكنهم لا يستحقون تحويل أخطائهم إلى حقائق مقدسة.
ولكي لا يسيء أحد فهمي أنا لا أدعو إلى حكم مستبد يقرر نيابة عن الناس ولا إلى نخبة تحتكر السلطة بحجة امتلاك المعرفة. فالمثقف قد يكون جاهلا في السياسة والعالم قد يكون فاشلا في الإدارة والخبير قد يكون فاسدا والحاكم الذي يدعي أنه يفهم مصلحة الشعب أكثر من الشعب نفسه قد يكون مجرد مستبد يبحث عن مبرر محترم لاستبداده.
لا توجد فئة بشرية تستحق صكا مفتوحا للحكم ولا توجد جماعة تملك الحقيقة كاملة.
أريد دولة تمنع الأغلبية من سحق الأقلية وتمنع الأقلية من احتكار الدولة وتمنع الحاكم من تحويل القانون إلى ملكية شخصية وتمنع المال من شراء السياسة وتمنع الجهل من فرض نفسه معرفة وتمنع الكفاءة من التحول إلى طبقة مغلقة تحتقر بقية المواطنين.
أريد دولة تحمي حق الناس في الاختيار ثم تحميهم من نتائج الاعتقاد بأن الاختيار وحده يكفي لبناء وطن.
لكنني لن أبيع عقلي كي أحصل على شهادة ديمقراطية من جمهور لا يقبل أن يسمع ما يزعجه ولن أتظاهر بأن كل رأي يستحق الإعجاب ولن أعتبر كل اعتراض حجة ولن أصف كل شعب بأنه عظيم لمجرد أن هذه العبارة تريح السامعين. فالشعوب مثل الأفراد تصنع إنجازات وتكرر أخطاء و تبني وتخرب و تتعلم وتنسى و تقاوم الاستبداد أحيانا وتبحث عن مستبد جديد أحيانا أخرى. والاعتراف بهذه الحقيقة ليس احتقارا للشعب بل رفض للكذب عليه.
أرفض أن أكون ديمقراطيا إذا كان المقصود بالديمقراطية أن أخون عقلي كلما خالف مزاج الجمهور وأرفض أن أكون نخبويا إذا كان المقصود أن أحتقر الناس وأمنح نفسي حق الوصاية عليهم وأرفض الاستبداد حتى عندما يأتي باسم العلم أو الدين أو الوطن أو الثورة أو الأغلبية.
لا أريد أن أستبدل صنما بصنم ولا أن أخرج من قفص الحاكم لأدخل قفص الجمهور.
فليغضب من يغضب. ليس من واجبي أن أجعل كل شخص مرتاحا أمام الحقيقة وليس من واجبي أن أصف المجتمع بما يحب أن يسمعه. لكن من واجبي أن أكون دقيقا في نقدي وأن أفرق بين الإنسان والفكرة وبين حق التصويت وصحة الاختيار وبين الأغلبية والحق وبين الشعب بوصفه مجموعة مواطنين لهم حقوق متساوية والشعب بوصفه كلمة يستعملها السياسيون حين يحتاجون إلى غطاء.
لست ديمقراطيا بالمعنى الذي يطلب مني الانحناء أمام العدد ولن أكون كذلك. أما الديمقراطية التي تعني أن أقبل بحق خصمي في الوجود والتعبير والمنافسة وأن أخضع الحاكم للمحاسبة وأن أقبل تداول السلطة وأن أحمي الحقوق الأساسية من نزوات الأغلبية فهذه ليست مجاملة أقدمها لأحد بل قواعد تمنعنا جميعا من التحول إلى جلادين.
، لا أريد شعبا يصفق لي ولا حاكما يحميني ولا جماعة تمنحني صك البراءة. أريد حقا في الكلام لا يحتاج إلى إذن من أحد وعقلا لا يحتاج إلى موافقة الجمهور كي يعمل ودولة لا تسأل المواطن عن رأيه قبل أن تعترف بحقوقه.
أما المجتمع الذي يريد مني أن أمدح وعيه كي يسمح لي بالكلام وأن أحترم أخطاءه كي لا يتهمني بالغرور وأن أساير قطيعه كي لا يتركني وحيدا فليحتفظ بشهادته الديمقراطية لنفسه.
لا أحتاج إلى إجماعكم كي أفكر ولا إلى تصفيقكم كي أقول ما أعتقده صحيحا لكنني لا أطالبكم أيضا بالتنازل عن حقوقكم لأنكم تختلفون معي.
فإذا كانت الديمقراطية عندكم هي حق الأغلبية في إسكات الأقلية وحق الجماعة في محاكمة العقول وحق المجتمع في إجبار أفراده على التشابه فلا تسموها ديمقراطية. سمّوها باسمها الحقيقي: استبداد الأكثرية.
أما إذا كنتم لا تتحملون أن يقول لكم أحد إنكم تخطئون فلا تتحدثوا كثيرا عن الحرية. ابدأوا بتعلم أبسط شروطها
أن يعيش بينكم إنسان لا يشبهكم ولا يصفق لكم ولا يطلب رضاكم ولا يخاف من غضبكم ومع ذلك يتمتع بحقوقه كاملة.
حين تستطيعون احتمال ذلك يمكنكم أن تتحدثوا عن الديمقراطية.
وقبل ذلك لا تطلبوا مني أن أصفق لمسرحية يختار فيها الجمهور الممثلين بينما يظل ممنوعا من انتقاد النص.
لست ديمقراطيا ..و لن أعتذر لقطيع يريد أن أن ينتخب من يقوده إلى الهاوية.
2026-10-23
47 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال