تمهيد: حين لم يعد دخول الطفل إلى المدرسة كافيًا
منذ الاستقلال، ارتبطت المدرسة التونسية بمشروع تاريخي واضح: بناء الدولة الوطنية، وتوسيع قاعدة المتعلمين، ومقاومة الأمية، وإتاحة التعليم لأوسع فئات المجتمع. كان الرهان في جزء كبير منه رهانَ التعميم: أن يدخل الطفل التونسي إلى المدرسة، وأن يصبح التعليم حقًا متاحًا لا امتيازًا اجتماعيًا حكرًا على فئة دون أخرى. ولم تكن المدرسة مجرد فضاء لنقل المعارف، بل كانت إحدى المؤسسات التي راهنت عليها الدولة الوطنية لإعادة تشكيل المجتمع، وتوسيع قاعدة المشاركة في الحياة العامة، وبناء مواطن يرتبط بمؤسسات الدولة الحديثة.
كان ذلك رهانًا تاريخيًا له شروطه وأسئلته ونجاحاته وإخفاقاته. ولا يمكن فهم التحولات الاجتماعية التي عرفتها تونس خلال العقود التالية للاستقلال دون الاعتراف بالدور الذي أدته المدرسة في توسيع فرص التعليم والحراك الاجتماعي، وفي فتح مسارات جديدة أمام فئات كانت فرصها في المعرفة محدودة.
لكن المجتمع الذي صنعت المدرسة جزءًا من تحوله لم يبقَ ثابتًا. تغيرت الأسرة، وتغيرت أنماط التنشئة، وتبدلت علاقة الطفل بالسلطة والمعرفة، وتعددت مصادر التأثير والتوجيه، وانفجرت الثورة الرقمية، وتحولت سوق العمل، وارتفع سقف انتظارات الأسر، وأصبحت جودة الخدمات العمومية نفسها جزءًا من النقاش حول جودة الحياة والكرامة الاجتماعية.
ولم يعد المواطن ينظر إلى المدرسة والصحة والنقل وسائر الخدمات الاجتماعية باعتبارها مجرد مرافق ينبغي أن تكون موجودة، بل أصبح يقيسها أيضًا بمقدار ما توفره من جودة ونجاعة وقدرة على الاستجابة للتحولات التي يعيشها المجتمع.
ومع ذلك، ما زال جزء من الخطاب حول التعليم يتصرف وكأن مجرد وجود الطفل داخل المؤسسة التعليمية يمثل في حد ذاته تحققًا كاملًا للحق في التعليم. وكأن الوصول إلى المدرسة هو نهاية السؤال، لا بدايته.
لكن هل يكفي أن يكون للطفل مقعد في القسم حتى نقول إن حقه في التعليم قد تحقق؟ وهل يكفي أن يدخل المدرسة في السادسة من عمره ويغادرها بعد سنوات وهو يحمل شهادة حتى نفترض تلقائيًا أنه امتلك ما يحتاج إليه من معرفة وكفايات وقدرة على التعلم والحياة؟
ربما كان توسيع الولوج إلى المدرسة يمثل التحدي التاريخي الأكبر في مرحلة سابقة. أما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر تعقيدًا: ماذا يتعلم الطفل؟ في أي ظروف؟ بأي موارد؟ وبأي أدوات؟ وبأي كفايات؟ وهل تمنحه المدرسة فعلًا ما يحتاج إليه للعيش والمشاركة والعمل والتعلم المستمر في مجتمع تغيرت شروطه جذريًا؟ وهل ما زلنا نقيس نجاح المدرسة بعدد من دخلوا إليها، أم ينبغي أن نبدأ في قياسه أيضًا بما اكتسبوه منها؟
لقد انتقلنا، دون أن نعترف بذلك بما يكفي، من سؤال حق الطفل في دخول المدرسة إلى سؤال حقه في مدرسة ذات جودة. وهذا الانتقال ليس تفصيلًا تقنيًا، بل هو انتقال من تصور للعدالة التعليمية إلى تصور أوسع لها. فالمدرسة التي كانت مطالبة تاريخيًا بأن تفتح أبوابها للجميع أصبحت مطالبة اليوم بأن توفر للجميع تعلمًا ذا معنى، وأن تجعل الجودة نفسها جزءًا من الحق في التعليم، لا امتيازًا إضافيًا يتوقف على الموقع الجغرافي أو الوضع الاجتماعي أو قدرة الأسرة على الإنفاق.
إن المساواة في الولوج لا تضمن بالضرورة المساواة في التعلم، كما أن مجانية المؤسسة لا تعني تلقائيًا مجانية شروط النجاح داخلها. وحين تعجز المدرسة عن توفير هذه الشروط، لا تختفي كلفة النقص، بل تنتقل إلى الأسرة، وإلى المعلم، وإلى المتعلم، ثم إلى المجتمع بأسره.
وهنا تبدأ الحفريات: من مساءلة التحول التاريخي في وظيفة المدرسة إلى تفكيك الشروط التي تجعل جودة التعليم حقًا متفاوت التحقق بين الأطفال.
1. من مدرسة التعميم إلى مدرسة الجودة: تحوّل معنى العدالة التعليمية
كان تعميم التعليم في تونس جزءًا من مشروع تاريخي لا يمكن فهمه خارج سياق بناء الدولة الوطنية. فقد كانت المدرسة مطالبة بأن تصل إلى الفئات التي كانت محرومة من التعليم، وأن تجعل المعرفة جزءًا من الحياة العامة، وأن تقلص المسافة بين الطفل الذي ولد في بيئة ميسورة والطفل الذي ولد في بيئة فقيرة أو بعيدة عن مراكز المدن.
لذلك لم يكن توسيع التعليم العمومي مجرد عملية إدارية تتعلق ببناء المدارس وفتح الأقسام، بل كان إعادة توزيع لفرص المعرفة داخل المجتمع، ومحاولة لتوسيع إمكانات الحراك الاجتماعي خارج الحدود التي كانت ترسمها الأوضاع العائلية والاقتصادية.
لكن نجاح مرحلة التعميم لا يعني أن الأسئلة القديمة يمكن أن تظل هي نفسها. فحين تصبح المدرسة مؤسسة جماهيرية، ينتقل مركز الثقل من سؤال الولوج إلى سؤال المضمون. لم يعد السؤال الأساسي: كم طفلًا دخل المدرسة؟ بل: ماذا حدث له داخلها؟ ماذا تعلم؟ وما نوع الكفايات التي امتلكها؟ وهل خرج منها قادرًا على مواصلة التعلم وفهم العالم والتعامل مع تغيراته؟
قد يكون طفلان في العمر نفسه، وفي المؤسسة نفسها، وفي القسم نفسه، لكنهما لا يعيشان التجربة التعليمية ذاتها. فالفارق في المكتسبات السابقة، والموارد الأسرية، والقدرة على الاستفادة من الدعم، والبيئة الثقافية، وحتى الظروف النفسية والاجتماعية، يجعل المساواة في الولوج غير كافية لإنتاج مساواة فعلية في التعلم.
وهذا أحد التناقضات الأساسية في التعليم العمومي: يمكن للمؤسسة أن تكون مفتوحة للجميع، بينما تظل نتائجها مختلفة بين فئات اجتماعية مختلفة.
وقد بيّن بيير بورديو وجان-كلود باسرون كيف يمكن للمدرسة، في ظل شروط معينة، أن تساهم في إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية بدل إلغائها، عندما تمنح قيمة مدرسية أكبر لأشكال ثقافية ولغوية تكون بعض الفئات قد اكتسبتها في محيطها الأسري قبل دخول المؤسسة (Pierre Bourdieu & Jean-Claude Passeron, 1970). ولا يعني ذلك أن المدرسة محكومة حتمًا بإعادة الإنتاج، بل إن تحقيق العدالة التعليمية يحتاج إلى أكثر من مجرد فتح أبواب المؤسسة.
فالمدرسة العادلة ليست بالضرورة المدرسة التي تعامل الجميع بالطريقة نفسها، بل المدرسة التي تنتبه إلى اختلاف شروط انطلاقهم، وتسعى إلى توفير ما يجعل التعلم الفعلي ممكنًا لكل واحد منهم.
إن الحق في التعليم أصبح، لذلك، أوسع من الحق في التمدرس. فالطفل لا يحتاج فقط إلى مقعد وكتاب ومعلم، وإنما إلى بيئة تعليمية تسمح له باكتساب المعرفة وتطوير قدراته، وتمنحه فرصًا حقيقية لتجاوز الصعوبات التي قد يحملها معه من محيطه.
وإذا كانت المدرسة قد خاضت بالأمس معركة تعميم الولوج، فإن معركتها اليوم هي تعميم شروط الجودة.
2. مجتمع تغيّر ومدرسة لم تتغير بالسرعة نفسها:
لقد تغير المجتمع التونسي بصورة عميقة خلال العقود الأخيرة، ولم يعد الطفل يعيش في البيئة الاجتماعية نفسها التي كانت المدرسة مصممة لخدمتها في مراحل سابقة. تغيرت الأسرة، وتراجعت بعض أشكال السلطة التقليدية، وتعددت مصادر التنشئة، وظهرت وسائل اتصال جديدة، وتغيرت علاقة الطفل بالمعلومة، وأصبحت الشاشة جزءًا من الحياة اليومية، بينما تغيرت في الوقت نفسه طبيعة المهن والكفايات المطلوبة في عالم العمل.
لم يعد الطفل يدخل القسم وهو يحمل فقط ما اكتسبه داخل أسرته وبيئته المباشرة، بل أصبح يحمل معه عالمًا متشعبًا من الصور والمعلومات والمقاطع الرقمية والتفاعلات الافتراضية. عالمًا لا يتوقف عند جدران المدرسة، ولا ينتظر المعلم حتى يكتشف المعلومة، ولا يخضع بالضرورة للإيقاع الزمني نفسه الذي يحكم الدرس التقليدي.
يستطيع الطفل الوصول إلى صور وفيديوهات ومعلومات وأفكار في ثوانٍ، لكنه يستطيع أيضًا أن يضيع وسط فائض من المعلومات، وأن يخلط بين المعرفة والادعاء، وبين الحقيقة والمحتوى المثير، وبين التعلم والاستهلاك.
هنا لا تصبح المشكلة أن المدرسة لم تستخدم التكنولوجيا بما يكفي، بل أن العالم تغير بينما لم تُعد المدرسة تعريف وظيفتها بالسرعة نفسها.
فإذا كان المعلم في زمن سابق يمثل أحد أهم أبواب الوصول إلى المعرفة، فإن وفرة المعلومات اليوم تجعل دوره مختلفًا. لم يعد المطلوب فقط أن يقدم المعلومة، وإنما أن يساعد المتعلم على فهمها، والتحقق منها، وربطها، ونقدها، وتحويلها إلى معرفة قابلة للاستعمال.
وهذا يلتقي مع تصور إدغار موران الذي دعا إلى إعادة التفكير في التربية على ضوء تعقيد العالم، وإلى تجاوز تجزئة المعرفة نحو بناء قدرة الإنسان على فهم العلاقات والتناقضات وعدم اليقين (Edgar Morin, 1999).
لكن التحول لا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها. فالعلاقة بين الأسرة والمدرسة تغيرت أيضًا. لم تعد الأسرة تتعامل بالضرورة مع المؤسسة التعليمية من موقع الثقة المطلقة أو القبول غير المشروط، بل أصبحت أكثر مطالبة بتفسير النتائج، وأكثر حساسية تجاه جودة الخدمات، وأكثر استعدادًا للبحث عن بدائل حين تشعر بأن المؤسسة لا تستجيب لانتظاراتها.
وفي المقابل، يجد المعلم نفسه أمام متعلم تتعدد مصادر تشكيل وعيه وسلوكه، وأسرة تتغير انتظاراتها، ومؤسسة ما زالت مطالبة بأداء وظائف تربوية ومعرفية واجتماعية متزايدة.
المشكلة إذن ليست أن المدرسة قديمة ببساطة، ولا أن التكنولوجيا جديدة ببساطة، وإنما أن هناك فجوة متزايدة بين زمن المؤسسة وزمن المجتمع. وكلما اتسعت هذه الفجوة، أصبح الطفل أكثر حضورًا جسديًا في المدرسة وأقل اتصالًا وجدانيًا ومعرفيًا بما تعرضه عليه.
3. الميزانية ليست رقمًا فقط: إنها اختيار اجتماعي وسياسة لتوزيع الفرص
حين نصل إلى سؤال الإصلاح، نصل حتمًا إلى سؤال المال. فلا يمكن بناء مدرسة جيدة دون موارد، ولا يمكن تطوير البرامج دون تكوين وبحث، ولا يمكن تحسين البيئة التعليمية دون بنية تحتية، ولا يمكن تحقيق العدالة بين الجهات دون استثمارات، ولا يمكن التعامل مع التحول الرقمي دون تجهيزات واتصال وتكوين.
لكن اختزال النقاش في حجم الميزانية قد يجعلنا نغفل سؤالًا أكثر أهمية: ماذا تعكس الميزانية من تصور لمكانة التعليم في المجتمع؟
فالميزانية العامة ليست مجرد أرقام محاسبية، وإنما هي أيضًا ترجمة لاختيارات اجتماعية وسياسية تتعلق بما نعتبره أولوية، وما نؤجله، وما نرى أنه يستحق الاستثمار في الحاضر من أجل المستقبل.
غير أن المسألة لا تتوقف عند حجم الموارد المرصودة. فهناك فرق بين تخصيص الاعتمادات المالية وتحويلها إلى شروط فعلية للتعلم. وقد ترتفع النفقات دون أن ينعكس ذلك بالقدر نفسه على جودة الخدمات إذا اختلت أولويات الإنفاق، أو تعثرت آليات التنفيذ، أو غابت المتابعة والتقييم، أو لم تُوزع الموارد وفق الحاجات الفعلية للمؤسسات والمتعلمين.
فمدرسة تعاني من تدهور بنيتها التحتية لا تحتاج بالضرورة إلى التدخلات نفسها التي تحتاجها مدرسة تواجه صعوبات في النقل أو نقصًا في الوسائل التعليمية أو ارتفاعًا في نسب التعثر. والعدالة في التمويل لا تعني توزيع الموارد بالتساوي الحسابي، وإنما مراعاة تفاوت الحاجات وشروط العمل والتعلم.
وهنا تبرز خصوصية التفاوت الجهوي في تونس. فالمدرسة الموجودة في منطقة حضرية تتوفر فيها بعض الخدمات والمرافق ليست بالضرورة في الوضع نفسه الذي تعيشه مدرسة في منطقة ريفية أو داخلية، حيث قد تتداخل صعوبات النقل والإطعام المدرسي وبعد المسافات وضعف التجهيزات مع هشاشة الظروف الاقتصادية والاجتماعية للأسر.
ولا يمكن أن نتحدث عن جودة تعليم متكافئة دون مساءلة هذه الشروط التي تجعل المدرسة نفسها تعيش أوضاعًا مختلفة من جهة إلى أخرى.
وللتعليم خصوصية إضافية؛ إذ إن جزءًا كبيرًا من عائده لا يظهر سريعًا. قد ينفق المجتمع اليوم على تكوين مدرس، أو على تحسين مكتبة مدرسية، أو على تطوير تعلم القراءة، أو على تهيئة مؤسسة تربوية، دون أن يظهر أثر ذلك كاملًا في نهاية السنة المالية. لكن هذه الاستثمارات يمكن أن تنتج آثارًا بعد سنوات، عندما يصبح الطفل الذي تعلم جيدًا مواطنًا أكثر قدرة على التعلم والعمل والمشاركة.
وهنا يظهر تعارض بين الزمن القصير للسياسة والزمن الطويل للتربية. وقد ساعد تحليل ماكس فيبر للعقلنة الحديثة على فهم أهمية التنظيم والتخطيط والحساب في الإدارة الحديثة (Max Weber, 1922)، لكن عقلنة السياسة التربوية لا ينبغي أن تعني اختزال التعليم في أرقام ومؤشرات فقط.
فبعض أهم مخرجات المدرسة لا تظهر بسهولة في جدول: الثقة، والفضول، والاستقلالية، والقدرة على التفكير، وحب المعرفة، والقدرة على التعلم المستمر.
لذلك لا يكفي أن نسأل: كم ننفق على التعليم؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: كيف ننفق؟ وأين نوجه الموارد؟ ولمن؟ وبأي أولويات؟ وما النتائج التي ننتظرها؟ وأي تعليم نمول؟ وأي إنسان نريد أن نكوّن؟ وأي مجتمع نريد أن نبني؟
4. كلفة الإصلاح أم كلفة عدم الإصلاح؟
يبدو إصلاح التعليم مكلفًا، وهذا أمر لا يحتاج إلى كثير من البرهنة. فإعادة تأهيل المدارس تحتاج إلى أموال، وتحسين ظروف العمل يحتاج إلى موارد، وتطوير المناهج يحتاج إلى تكوين وبحث، وتحسين النقل المدرسي يحتاج إلى استثمار، وتوفير بيئة تعلم مناسبة يحتاج إلى ميزانية.
لكن المفارقة أن النقاش العمومي يحسب غالبًا كلفة الإصلاح، ولا يحسب بالقدر نفسه كلفة عدم الإصلاح.
فالمدرسة المتدهورة لا تختفي. إنها تنقل كلفة تدهورها إلى أماكن أخرى.
عندما تضعف المكتسبات، تحتاج الأسرة إلى دعم إضافي. وعندما يصبح الدعم الإضافي غير متاح للجميع، تتسع الفوارق. وعندما لا يحصل المتعلم على الكفايات الأساسية، تظهر المشكلة لاحقًا في المراحل الدراسية اللاحقة وفي سوق العمل. وعندما تفقد المدرسة جاذبيتها، تتآكل الثقة فيها. وعندما تضعف الثقة، يبدأ البحث عن بدائل خارجها.
وهناك كلفة أكثر خفاءً من كل ذلك: كلفة فقدان المعنى.
فالطفل الذي لا يجد في المدرسة ما يربط التعلم بحياته، والمدرس الذي يشعر أن جهده الفردي عاجز عن تعويض الاختلالات، والأسرة التي تضطر إلى البحث عن حلول خارج المؤسسة، كلها مؤشرات على أن جزءًا من الوظيفة الاجتماعية للمدرسة بدأ يتعرض للتآكل.
وقد أعاد أمارتيا سن تعريف التنمية بوصفها توسيعًا لقدرات الإنسان الفعلية على الاختيار والفعل، وليس مجرد زيادة في الدخل أو الإنتاج (Amartya Sen, 1999). ومن هذا المنظور، يصبح التعليم استثمارًا في القدرات الإنسانية، وليس مجرد نفقة على قطاع إداري.
ويمكن النظر إلى كلفة عدم الإصلاح من مستويات مترابطة: كلفة تعليمية تظهر في ضعف المكتسبات والتعثر والانقطاع؛ وكلفة اجتماعية تظهر في اتساع الفوارق وتراجع الثقة في المؤسسة العمومية؛ وكلفة اقتصادية تظهر في ضعف الكفايات وصعوبة الاندماج المهني؛ وكلفة إنسانية تظهر في تضييق إمكانات الاختيار والمشاركة أمام أجيال كاملة.
وهذه الكلف لا تظهر كلها في اللحظة نفسها، ولا تتحملها الجهة نفسها. فقد تتحمل الأسرة جزءًا منها في الحاضر، ويتحمل سوق العمل جزءًا آخر لاحقًا، بينما يتحمل المجتمع آثارها التراكمية على المدى البعيد.
لذلك ربما يكون السؤال المالي الحقيقي مختلفًا: ليس كم سيكلفنا إصلاح المدرسة، وإنما كم ستكلفنا المدرسة إذا لم نصلحها؟
5. مجانية التعليم: هل تكفي المجانية لتحقيق العدالة؟
تظل مجانية التعليم العمومي إحدى ركائز العدالة الاجتماعية، ولا يمكن تجاهل قيمتها التاريخية. فقد مثلت المجانية إحدى الآليات الأساسية التي سمحت بتوسيع فرص التمدرس، والحد من ارتباط الولوج إلى التعليم بالقدرة المباشرة للأسرة على الدفع.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المجانية إلى إجابة مكتملة عن سؤال العدالة، وكأن عدم دفع الأسرة معلومًا مباشرًا يعني أن جميع الأطفال يحصلون بالضرورة على الفرص التعليمية نفسها.
فالطفل الذي يعيش في أسرة تستطيع شراء الكتب والوسائل الرقمية وتوفير الدروس الخصوصية والمتابعة اليومية لا يعيش التجربة نفسها التي يعيشها طفل آخر يفتقر إلى هذه الموارد. وقد تكون المدرسة نفسها مجانية بالنسبة إلى الاثنين، لكن كلفة النجاح المدرسي ليست واحدة.
وهنا ينبغي التمييز بين مجانية الولوج إلى المؤسسة ومجانية شروط التعلم والنجاح فيها. فحين تعجز المدرسة عن توفير بعض شروط التعلم، تنتقل تلك الشروط إلى خارجها، وتصبح الأسرة مطالبة بتعويض النقص. وقد يتعلق الأمر بدروس الدعم، أو بالكتب والوسائل الإضافية، أو بالمتابعة الفردية، أو بتوفير بيئة مناسبة للمراجعة، أو بالاستعانة بخدمات تعليمية موازية.
وعندما تتحول هذه التعويضات إلى سوق، يصبح المال موردًا تربويًا غير مباشر، وتصبح القدرة المالية للأسرة عاملًا مؤثرًا في فرص أبنائها.
وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات المدرسة العمومية إثارة للسؤال: يمكن أن تكون المؤسسة مجانية قانونيًا، لكنها لا تكون متساوية اجتماعيًا في نتائجها إذا أصبحت الأسر مطالبة بإنفاق متزايد حتى تضمن لأبنائها فرصًا أفضل.
ولا يعني ذلك أن كل دعم خارجي للتعلم أمر سلبي، أو أن كل أسرة تلجأ إلى الدروس الخصوصية تفعل ذلك للسبب نفسه. فالمسألة تتعلق بالوظيفة التي أصبح يؤديها هذا الدعم، وبمدى تحوله من اختيار تكميلي إلى شرط شبه ضروري لتعويض ما لم تستطع المؤسسة توفيره.
إن مجانية التعليم تفقد جزءًا من معناها الاجتماعي عندما تصبح الأسرة مضطرة إلى شراء ما يفترض أن تضمنه الخدمة العمومية.
ومن هنا فإن الدفاع عن مجانية التعليم لا ينبغي أن يقتصر على الدفاع عن حق الطفل في دخول المدرسة دون مقابل، بل يجب أن يمتد إلى الدفاع عن شروط تعلم تسمح له بألا يكون نجاحه رهينًا بقدرة أسرته على الإنفاق.
6. المدرسة العمومية وإعادة إنتاج الفوارق: من اختلاف الموارد إلى اختلاف النتائج
لا تستطيع المدرسة أن تلغي الفوارق الاجتماعية التي ينتجها المجتمع، لكنها تستطيع أن تحد من أثرها أو أن تسمح لها بالتعمق. وهذه نقطة أساسية في التفكير في مستقبل التعليم العمومي.
فالطفل لا يدخل المدرسة فارغ اليدين. يأتي معه من بيته مستوى معين من اللغة، وأنماط معينة من التواصل، وعادات القراءة، والقدرة على طلب المساعدة، والموارد الثقافية، وأحيانًا القدرة على الوصول إلى الدروس والوسائل الرقمية.
وهذه الموارد لا تتوزع بالتساوي بين الأسر، لأنها ترتبط بشروط العيش والعمل والمستوى التعليمي للوالدين والمحيط الثقافي والاجتماعي.
وقد أظهر بورديو أن الرأسمال الثقافي الذي تحمله الأسرة يمكن أن يؤثر في علاقة الطفل بالمدرسة وفي قدرته على الاستجابة لمتطلباتها (Pierre Bourdieu, 1979). كما أبرز برنار لاهير أن التنشئة الأسرية لا تنتج بالضرورة أنماطًا متجانسة من المكتسبات، وأن الأطفال قد يحملون رصيدًا متنوعًا من الخبرات والاستعدادات يتشكل بحسب تعدد سياقاتهم الاجتماعية (Bernard Lahire, 1995).
وهذا يجعل القسم فضاءً يلتقي داخله أطفال لا يملكون بالضرورة شروط الانطلاق نفسها، حتى وإن جلسوا على المقاعد نفسها ودرسوا البرنامج نفسه.
عندما تكون المدرسة قوية، فإنها تستطيع أن تعوض جزءًا من هذه الفوارق من خلال جودة التعليم والدعم والتوجيه والموارد. أما عندما تضعف، تصبح الأسرة أكثر حضورًا في إنتاج النتيجة المدرسية. وعندها يتحول الفرق بين الأطفال من فرق في الموارد خارج المدرسة إلى فرق في النتائج داخلها.
وهنا لا تعود المشكلة في وجود فوارق بين الأطفال فقط، بل في احتمال أن تصبح المدرسة نفسها عاجزة عن تعويضها.
فالدروس الخصوصية، مثلًا، ليست مجرد مسألة مالية، وإنما هي أيضًا مؤشر على انتقال جزء من الوظيفة التعليمية من المؤسسة العمومية إلى السوق أو إلى الأسرة. وكلما توسع هذا الانتقال، أصبح السؤال حول المساواة أكثر إلحاحًا.
ويمكن أن تتحول المدرسة التي يفترض أن تكون إحدى أهم أدوات الحراك الاجتماعي إلى فضاء يعيد إنتاج جزء من الفوارق التي دخلت إليه، لا لأنها اختارت ذلك بالضرورة، وإنما لأن شروط عملها قد لا تكون كافية لمقاومة تلك الفوارق.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين المساواة الشكلية والمساواة الفعلية. فالمساواة الشكلية تمنح الأطفال الحق نفسه في الالتحاق بالمؤسسة، أما المساواة الفعلية فتتطلب الانتباه إلى اختلاف الحاجات، وتفاوت الموارد، وتباين شروط التعلم.
إن السؤال ليس إذن: هل المدرسة هي التي تنتج الفوارق؟ بل: ماذا تفعل المدرسة بالفوارق التي يجدها المجتمع داخلها؟ وهل تمتلك من الموارد والآليات ما يسمح لها بالحد من تأثيرها، أم أنها تتركها تتحول تدريجيًا إلى فروق في المكتسبات والمسارات والفرص المستقبلية؟
7. المعلم والمقاومة البيداغوجية: حين يتحول الجهد الفردي إلى تعويض عن الاختلال المؤسسي
وسط كل هذه التحولات، يبقى المعلم في قلب المدرسة. وهو في الوقت نفسه أحد أكثر عناصر المنظومة تعرضًا للضغط.
فهو مطالب بتدريس برنامج محدد، وتحقيق مكتسبات، وإدارة قسم يضم مستويات مختلفة، والتعامل مع تغير علاقة الطفل بالسلطة، ومواجهة آثار الفجوات الاجتماعية، واستعمال أدوات جديدة، والتواصل مع الأسر، وتحمل ضغط التقييم والنتائج.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال المعلم في موقعه الوظيفي أو في ما تقوله عنه الخطابات الرسمية. هناك مدرسون يواصلون كل يوم الدفاع عن معنى التعلم داخل ظروف صعبة. يحاولون أن يعيدوا طفلًا إلى القراءة، أو أن يرفعوا مستوى تلميذ متعثر، أو أن يجدوا طريقة جديدة لشرح مفهوم لم يستوعبه المتعلم، أو أن يحولوا حصة عادية إلى لحظة تعلم حقيقية.
يمكن النظر إلى هذه الممارسات باعتبارها شكلًا من المقاومة البيداغوجية؛ أي قدرة الفاعل التربوي على خلق هامش للفعل داخل شروط مؤسسية لا يملك التحكم الكامل فيها. وليست المقاومة هنا خروجًا من المؤسسة، بل قد تكون أحيانًا دفاعًا عن وظيفتها الأصلية، وعن حق الطفل في تعلم لا تختزله صعوبات الواقع.
وقد أبرز دونالد شون أهمية الممارسة التأملية لدى المهنيين الذين يواجهون أوضاعًا معقدة لا يمكن حلها بتطبيق وصفة جاهزة (Donald Schn, 1983). والمدرسة من أكثر المؤسسات التي تحتاج إلى هذا النوع من الخبرة، لأن المعلم لا يطبق برنامجًا على مادة جامدة، وإنما يتعامل مع أطفال مختلفين في قدراتهم وحاجاتهم وسياقاتهم.
لكن هذه المقاومة تحمل مفارقة أخرى. فكلما نجح المعلم في تعويض النقص بجهده الشخصي، أمكن للمنظومة أن تستمر دون أن تشعر بالدرجة الكافية بضرورة معالجة بعض أسباب الاختلال.
وهكذا قد تتحول المبادرة الفردية، رغم قيمتها التربوية، إلى آلية غير معلنة لامتصاص أزمات المؤسسة.
فحين يصبح نجاح المدرسة قائمًا على قدرة بعض المدرسين على تعويض نقص الموارد أو ثقل البرامج أو هشاشة الشروط، فإن النظام يكون قد نقل جزءًا من كلفة الإصلاح إلى الأفراد.
إن التضحية المهنية لا يمكن أن تكون سياسة عمومية، والاجتهاد الفردي لا يمكن أن يعوض إلى ما لا نهاية غياب الشروط المؤسسية المناسبة.
وهنا يصبح السؤال مؤلمًا: إلى متى يمكن أن نطلب من المعلم أن يعوض بجهده ما لم تعوضه السياسة العامة؟
8. حين تُختزل أزمة النظام في أخطاء الأفراد:
عندما تتعقد الأزمة، يصبح البحث عن المسؤول أسهل من تحليل النظام. فيقال إن التلميذ لم يعد يريد التعلم، أو إن الولي لم يعد يتابع، أو إن المدرس فقد الحافز، أو إن الإدارة ضعيفة. وقد توجد بالفعل مشكلات في كل هذه المستويات، لكن تحويلها إلى تفسير شامل يجعلنا نغفل العلاقات التي تربط بينها.
فالمدرس لا يعمل خارج البرنامج والزمن والتقييم والموارد. والتلميذ لا يتعلم خارج أسرته ومحيطه وثقافته. والأسرة لا تتعامل مع المدرسة خارج وضعها الاقتصادي والاجتماعي. والإدارة لا تعمل خارج التشريعات والموارد والهياكل.
إن المدرسة منظومة، وأي خلل في أحد عناصرها يمكن أن يؤثر في العناصر الأخرى.
ولهذا فإن السؤال السوسيولوجي لا يتوقف عند: «من أخطأ؟»، بل ينتقل إلى: «ما الشروط التي جعلت هذا السلوك ممكنًا ومتكررًا؟».
هذا التحول في السؤال ضروري لأن إصلاح التعليم لا يمكن أن يتحول إلى عملية توزيع للوم. فإذا حمّلنا المدرس كل المسؤولية، تجاهلنا البرنامج وشروط العمل. وإذا حمّلنا الأسرة المسؤولية، تجاهلنا ظروفها الاجتماعية والاقتصادية. وإذا حمّلنا الطفل المسؤولية، تجاهلنا العالم الاجتماعي الذي يعيش فيه.
ولا يعني هذا إلغاء المسؤولية الفردية أو إعفاء الفاعلين من واجباتهم المهنية والأخلاقية، بل يعني وضع هذه المسؤوليات داخل شروطها الفعلية، وفهم حدود قدرة كل طرف على الفعل والتأثير.
وقد دعا إدغار موران إلى تجاوز التفكير الاختزالي والنظر إلى الظواهر المعقدة باعتبارها شبكات من العلاقات المتبادلة (Edgar Morin, 1990). والتعليم من أكثر المجالات التي تحتاج إلى هذا النوع من التفكير، لأنه لا يوجد فيه سبب منفرد ولا حل منفرد.
ومن هنا فإن مساءلة المدرسة تقتضي تجاوز منطق البحث عن المتهم إلى تحليل شبكة العلاقات التي تنتج التعثر وتعيد إنتاجه.
9. من الإصلاح إلى خطاب الإصلاح: حين تصبح الوعود جزءًا من المشكلة
تتغير التسميات، وتتغير المشاريع، وتتغير الهياكل، وتتوالى الوعود بالإصلاح، لكن المدرسة اليومية يمكن أن تواصل مواجهة الأسئلة نفسها.
وهنا ينبغي التمييز بين الإصلاح باعتباره خطابًا والإصلاح باعتباره سياسة عمومية مستمرة.
فالإصلاح الحقيقي يحتاج إلى تصور واضح للمستقبل، وتشخيص للواقع، وتحديد للأهداف، وتوفير للموارد، وتكوين للفاعلين، وآليات للتنفيذ والتقييم، واستمرارية زمنية تسمح بقياس النتائج.
كما يحتاج إلى قدر من التراكم المؤسسي؛ لأن التعليم ليس مجالًا يمكن أن يعيد اختراع نفسه مع كل تغير في المسؤوليات أو الأولويات السياسية.
وقد يصبح الإصلاح نفسه مصدرًا للإرهاق عندما تتعاقب المشاريع قبل أن تأخذ وقتها الكافي حتى تُفهم وتُطبق وتُقيّم. عندها يعيش الفاعل التربوي في حالة انتظار دائم لإصلاح قادم، بينما يستمر في العمل داخل شروط الإصلاح السابق.
وتتولد بذلك مفارقة: يصبح الإصلاح حاضرًا بقوة في الخطاب، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى تغيير ملموس في الحياة المدرسية اليومية.
فقد تتحول بعض المفاهيم التربوية إلى شعارات متداولة، وتصبح الوثائق والمصطلحات الجديدة دليلًا ظاهريًا على التجديد، بينما تظل الممارسات والشروط المادية والتنظيمية على حالها.
ويمكن استثمار نقد ألان دونو لما يسميه «نظام التفاهة» لفهم بعض آليات الخطاب العمومي الذي يفضل أحيانًا اللغة السهلة القابلة للتداول على التفكير العميق في القضايا المعقدة (Alain Deneault, 2015).
لا يتعلق الأمر هنا باتهام طرف بعينه، وإنما بفهم آلية يمكن أن تصيب الخطاب العمومي نفسه: كلما أصبح الشعار أسهل من السؤال، وكلما أصبح الإعلان عن الإصلاح أسهل من بناء شروطه، أصبح السؤال أكثر ضرورة.
فالإصلاح لا يقاس بعدد المشاريع التي أُعلنت، ولا بعدد الوثائق التي أُنتجت، بل بما يتغير فعلًا في القسم، وفي علاقة الطفل بالمعرفة، وفي ظروف عمل المعلم، وفي قدرة المدرسة على ضمان تعلم ذي جودة.
10. المدرسة والثورة الرقمية: هل تقلّص التكنولوجيا الفوارق أم تعيد إنتاجها؟
الثورة الرقمية ليست مجرد إضافة أدوات جديدة إلى القسم. إنها تغيير في طبيعة المعرفة نفسها.
فقد أصبح الوصول إلى المعلومة أسرع، وتعددت مصادرها، وتراجعت قدرة المؤسسات التقليدية على احتكارها. وفي الوقت نفسه ظهرت تحديات جديدة تتعلق بالمصداقية، والمعلومات المضللة، والذكاء الاصطناعي، والخصوصية، والإدمان الرقمي، والتفاوت في القدرة على استعمال التكنولوجيا.
لهذا فإن مجرد إدخال جهاز رقمي إلى القسم لا يعني أن المدرسة دخلت العصر الرقمي. يمكن أن نستعمل التكنولوجيا لإعادة إنتاج الدرس التقليدي نفسه، فنكون قد رقمنّا الوسيلة دون أن نغير فلسفة التعلم.
لكن المسألة تتجاوز حدود الاستخدام البيداغوجي للتكنولوجيا. إنها تتعلق أيضًا بالعدالة التعليمية.
فالأطفال لا يمتلكون الشروط نفسها للانتفاع بالتحول الرقمي. هناك من تتوفر له الأجهزة والاتصال الجيد والمرافقة الأسرية والفضاءات المناسبة للتعلم، وهناك من يواجه صعوبات في الوصول إلى هذه الموارد أو في استعمالها لأغراض معرفية.
وبذلك قد تتحول الفجوة الرقمية إلى شكل جديد من أشكال الفوارق الاجتماعية، لا يتعلق فقط بامتلاك الجهاز، بل بالقدرة على تحويله إلى أداة للتعلم والبحث والإنتاج.
طفل يملك هاتفًا ذكيًا ليس بالضرورة طفلًا يمتلك الثقافة الرقمية التي تمكنه من التعلم بواسطته. كما أن إتاحة المنصات والموارد الرقمية لا تعني بالضرورة أن جميع المتعلمين يستطيعون الانتفاع بها بالقدر نفسه.
وهنا تصبح مسؤولية المدرسة مضاعفة: عليها ألا تكتفي بإدخال التكنولوجيا إلى الفضاء التعليمي، بل أن تضمن قدرًا من العدالة في الوصول إليها، وأن تعلم الطفل كيف يتحقق من المعلومات، وكيف يحمي معطياته، وكيف يستخدم الأدوات الرقمية بوعي نقدي، وكيف يميز بين المعرفة والمحتوى الاستهلاكي.
كما يفرض الذكاء الاصطناعي إعادة التفكير في معنى التعلم والتقويم. فإذا أصبح الحصول على الإجابة ممكنًا في ثوانٍ، فما الذي ينبغي أن نتأكد من أن المتعلم قادر على إنجازه بنفسه؟ وكيف نقيس الفهم والتحليل والاستدلال والإبداع بدل الاكتفاء بالقدرة على إنتاج إجابة جاهزة؟
التحدي الحقيقي هو أن تعيد المدرسة تعريف ما ينبغي أن يتعلمه الطفل في عالم أصبحت فيه المعلومة متاحة بصورة غير مسبوقة.
ومن هنا يصبح السؤال أقل ارتباطًا بحفظ الإجابة وأكثر ارتباطًا بالقدرة على صياغة السؤال، والتحقق من المصادر، وتحليل المعلومات، وبناء الحجة، والعمل مع الآخرين، والتعلم المستمر.
فالمدرسة ليست مطالبة بمنافسة الإنترنت، وإنما بتعليم الطفل كيف يعيش في عالم الإنترنت دون أن يصبح أسيرًا له.
11. نحو عقد اجتماعي جديد للتربية والتعليم:
كل هذه الأسئلة تقود في النهاية إلى سؤال أكبر من البرامج والميزانيات والتجهيزات: أي عقد اجتماعي نريد للتربية والتعليم؟
فالمجتمع الذي أنشأ مدرسة الاستقلال لم يكن هو المجتمع الرقمي الحالي، كما أن الوظائف التي كانت المدرسة تؤديها لم تعد هي نفسها بالدرجة نفسها. لقد كانت المدرسة مطالبة ببناء المواطن الوطني، وتوسيع المعرفة، ومقاومة الأمية، وإدماج فئات اجتماعية واسعة. أما اليوم، فهي تواجه مجتمعًا متعدد مصادر المعرفة، وسوق عمل سريع التغير، وثورة رقمية، وتحديات اجتماعية واقتصادية وثقافيةجديدة.
لذلك لا يكفي أن نسأل كيف نصلح البرنامج. ينبغي أن نسأل: ما المدرسة التي نريدها؟ ماذا نعد به الطفل؟ ما الذي نطلبه من المعلم؟ ماذا تلتزم به الدولة؟ ما الدور الذي تؤديه الأسرة؟ وما معنى النجاح المدرسي؟ وهل نقيسه بالمعدل فقط؟ وهل المعدل نفسه قادر على اختزال التعلم؟ وهل يمكن أن نختزل طفلًا كاملًا في رقم؟
هذه الأسئلة لا تعني التخلي عن التقييم أو المعايير أو الاستحقاق، بل تعني إعادة وضعها داخل تصور أوسع للإنسان والتعلم.
فالطفل ليس رقمًا في قائمة، والمدرس ليس منفذًا آليًا لبرنامج، والمدرسة ليست بناية تحتوي أقسامًا، والتعليم ليس مجرد إنفاق سنوي.
إنها منظومة اجتماعية كاملة، تتقاطع فيها مسؤوليات الدولة والمؤسسة والأسرة والفاعلين التربويين والمجتمع.
ويمكن الاستئناس هنا بأعمال فرانسوا دوبيه حول العدالة المدرسية وتعدد التجارب التعليمية، والتي تبرز أن المدرسة لا تُفهم فقط من خلال القواعد الرسمية التي تنظمها، وإنما أيضًا من خلال التجارب المختلفة التي يعيشها الفاعلون داخلها، وما تحمله تلك التجارب من إحساس بالإنصاف أو التفاوت أو الاعتراف (François Dubet, 2004).
فالعقد الاجتماعي الجديد للتربية لا ينبغي أن يكون مجرد اتفاق حول البرامج والمناهج، بل تفاوضًا مجتمعيًا حول معنى الحق في التعليم، وشروط ضمانه، وحدود المسؤوليات، وطبيعة الالتزامات المتبادلة.
إن الدولة مطالبة بتوفير الموارد والبنية التحتية والسياسات المستقرة، والمؤسسة مطالبة بتحويل هذه الشروط إلى فرص تعلم فعلية، والمعلم مطالب بممارسة دوره المهني داخل بيئة تحترم خبرته وتدعم مبادرته، والأسرة مطالبة بالمشاركة في التنشئة والمتابعة، والمجتمع مطالب بألا يترك المدرسة تواجه وحدها التناقضات التي ينتجها.
ولا يمكن أن يتحقق هذا العقد ما لم ننتقل من منطق تحميل المسؤوليات إلى منطق توزيعها بوضوح، ومن منطق الوعود إلى منطق الالتزامات القابلة للتنفيذ والتقييم.
إن إعادة بناء التعليم ليست مجرد عملية تقنية، وإنما هي إعادة تفاوض حول العلاقة بين الدولة والمجتمع والأسرة والمدرسة والمتعلم. إنها بحث عن عقد اجتماعي جديد يحدد ما الذي يعتبره المجتمع حقًا أساسيًا لكل طفل، وما الذي يستعد لتخصيصه من موارد لتحقيق ذلك الحق.
خاتمة: حين يصبح التأجيل قرارًا
لقد نجحت المدرسة التونسية، في سياقها التاريخي، في نقل التعليم من دائرة الامتياز إلى دائرة الحق الواسع، ولا ينبغي أن يحجب نقد الحاضر قيمة ما تحقق في الماضي. غير أن الاعتراف بما أُنجز لا يعني أن نطلب من المدرسة أن تظل تعمل بالمنطق نفسه إلى ما لا نهاية.
فالمجتمع تغيّر، والطفل تغيّر، والأسرة تغيّرت، والاقتصاد تغيّر، والمعرفة تغيّرت، وسوق العمل تغيّر، والعالم كله تغيّر؛ بينما ما يزال جزء من المدرسة يحاول أداء وظائف القرن الحادي والعشرين بأدوات وتصورات لم تُراجع بما يكفي منذ عقود.
ولهذا فإن السؤال لم يعد: هل نحتاج إلى إصلاح التعليم؟ فالحاجة إلى الإصلاح تكاد تكون بديهية. السؤال الأصعب هو: أي إصلاح نريد؟
هل نريد إصلاحًا يكتفي بإعادة ترتيب بعض البرامج والوثائق، أم نريد إعادة بناء تصور أوسع للمدرسة ووظيفتها وتمويلها وطرق تقييمها وعلاقتها بالمجتمع؟ هل نريد مدرسة تكتفي بإنتاج الناجحين في الامتحان، أم مدرسة تُعدّ أفرادًا قادرين على التعلم والتفكير والتكيف والمشاركة؟ هل نريد أن تبقى المجانية شعارًا نحتمي به، أم أن نحولها إلى حق فعلي في تعليم ذي جودة؟ وهل نريد أن نواصل الاعتماد على مقاومة المدرسين اليومية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أم نريد أن نبني نظامًا يجعل الجودة ممكنة دون أن تتحول إلى بطولة فردية؟
إن التحدي الأكبر لم يعد مجرد ضمان وجود الطفل داخل المؤسسة التعليمية، بل ضمان ألا يتحول وجوده فيها إلى حضور شكلي لا يقابله تعلم فعلي. فالمدرسة العمومية لا تفقد وظيفتها الاجتماعية بالضرورة عندما تعجز عن فتح أبوابها أمام الجميع؛ فقد تفقد جزءًا من هذه الوظيفة أيضًا عندما تفتح الأبواب للجميع، لكنها لا تمنح الجميع القدرة نفسها على التعلم والنجاح.
وهنا تتجلى المسافة بين الحق المعلن والحق المتحقق، وبين مجانية الولوج وعدالة شروط التعلم، وبين المساواة في التمدرس والمساواة في فرص اكتساب المعرفة.
ثم يعود السؤال المالي الذي يختبئ خلف كل هذه الأسئلة: هل إصلاح التعليم مكلف؟ نعم، هو مكلف. لكن هل عدم الإصلاح أقل كلفة؟ هنا تبدأ المسألة الحقيقية.
فالمدرسة التي تتآكل لا تختفي، وإنما تنقل كلفة تآكلها إلى الأسرة، وإلى سوق العمل، وإلى الاقتصاد، وإلى المجتمع، وإلى الأجيال القادمة. وما لا ندفعه اليوم في ميزانية الإصلاح قد ندفعه غدًا في ضعف المكتسبات، واتساع الفوارق، وفقدان الثقة، وصعوبة الاندماج، وتراجع القدرة على إنتاج المعرفة والكفاءة.
وقد تدفع الأسرة ثمن ذلك في صورة دروس خصوصية ومصاريف إضافية، ويدفع المعلم ثمنه في صورة إنهاك مهني واستنزاف مستمر لمبادرته، ويدفع المتعلم ثمنه في صورة فرص ضائعة وشعور متزايد بالعجز، بينما يدفع المجتمع ثمنه في صورة تفاوتات يصعب تجاوزها في مراحل لاحقة.
إن كلفة الإصلاح تظهر في الميزانية، أما كلفة عدم الإصلاح فتظهر في المجتمع. وربما كان هذا هو الفارق الذي لا نحسن حسابه.
لذلك فإن القضية، في النهاية، ليست فقط: كم ننفق على التعليم؟ بل: أي مكان نمنحه للتعليم في تصورنا لمستقبل المجتمع؟ فالميزانية تكشف ما نريد تمويله، والسياسة تكشف ما نريد تحقيقه، والمدرسة تكشف ما نريد أن نصبح عليه.
ومن هنا، فإن السؤال الأعمق ليس: كم ستكلفنا المدرسة إذا أصلحناها؟ بل: كم ستكلفنا إذا واصلنا تأجيل إصلاحها؟
لأن التأجيل، حين يتكرر عامًا بعد عام، لا يعود مجرد غياب للقرار، بل يتحول، بصمت، إلى قرار. قرار لا يُعلن في الخطب، ولا يُكتب بالضرورة في الوثائق، لكنه يُقرأ في ما يتراكم داخل المدرسة وخارجها من فجوات وكلف وتأجيلات.
إن مستقبل المدرسة ليس شأنًا يخص المعلمين وحدهم، ولا الأسر وحدها، ولا الوزارة وحدها. إنه شأن مجتمع بأكمله، لأن المدرسة لا تُعدّ الأجيال للمستقبل فحسب، بل تساهم أيضًا في تحديد نوع المستقبل الذي يصبح ممكنًا أمامها.
وهنا، ربما، لا يعود الأمر متعلقًا فقط بمستقبل المدرسة، بل بمستقبل جيل كامل.
فالحفر لم ينته… بل ربما بدأ للتو.
المراجع:
1. Bourdieu, Pierre. (1979). La Distinction : Critique sociale du jugement. Paris : Les ditions de Minuit.
2. Bourdieu, Pierre & Passeron, Jean-Claude. (1970). La Reproduction : léments pour une théorie du système d’enseignement. Paris : Les ditions de Minuit.
3. Deneault, Alain. (2015). La Médiocratie. Montréal : Lux diteur.
4. Dubet, François. (2004). L'cole des chances : Qu'est-ce qu'une école juste ? Paris : Seuil.
5. Lahire, Bernard. (1995). Tableaux de familles : Heurs et malheurs scolaires en milieux populaires. Paris : Gallimard/Seuil.
6. Morin, Edgar. (1990). Introduction à la pensée complexe. Paris : ESF diteur.
7. Morin, Edgar. (1999). Les Sept Savoirs nécessaires à l’éducation du futur. Paris : UNESCO.
8. Schn, Donald A. (1983). The Reflective Practitioner: How Professionals Think in Action. New York : Basic Books.
9. Sen, Amartya. (1999). Development as Freedom. New York : Alfred A. Knopf.
10.Weber, Max. (1922). Wirtschaft und Gesellschaft. Tübingen : J. C. B. Mohr.
حين تصبح كلفةُ عدم الإصلاح أعلى من كلفة التعليم - حفريات سوسيولوجية في المدرسة العمومية التونسية: من حقّ التعميم إلى حقّ الجودة
2026-11-01
51 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال