بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

سيدي بوحديد: حين كانت الأسوار تعرف أسماء رجالها

2026-06-21 56 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
سيدي بوحديد: حين كانت الأسوار  تعرف أسماء رجالها
كانت الأرض هناك، عند حافة البحر، تبدو وكأنها خارجة لتوها من غسيل طويل وعنيف. الرجال الذين يقفون على الأسوار بوجوههم المحفورة بالملح والشمس يدركون أن هذا المدى الأزرق ليس مجرد ماء بل هو قدر متحرك ممتلئ بالوعود والمخاطر في آن واحد.
مدينة الحمامات التي تنام اليوم على وسادة من الذكريات وتحت ظلال أشجار الليمون لم تكن مجرد تجمع سكاني عابر بل كانت صياغة تاريخية معمارية وأنثروبولوجية معقدة تداخلت فيها التحصينات العسكرية الوعرة بالبنى الروحية والاجتماعية عبر العصور حتى غدا من الصعب الفصل بين حجر السور وحجر الزاوية.

هذه المدينة الساحلية المتميزة نشأت بموقعها الاستراتيجي على أنقاض المدينة الرومانية القديمة المعروفة باسم Pupput. هناك، حيث تهمس الحجارة بلغات غابرة، شهدت المنطقة تحولا بنيويا حاسما مع تشييد حصنها الأثري أو ما يُعرف بين الأهالي باسم برج الحمامات وأحيانا قصر الحمامات كما فضّل الجغرافي الإدريسي أن يسميه في مدوناته الشاهدة على العصر.
يعود البناء الأول لهذا الحصن إلى العهد الأغلبي وتحديدا تحت إمرة الأمير إبراهيم الثاني سنة 893 ليكون عيناً لا تنام على أفق البحر المتقلب. ومع مرور السنين وتطور النسيج الحضري حول هذا المعلم الدفاعي ولا سيما بعد إعادة بناء الجامع الكبير في العهد الحفصي سنة 1236 وتصنيف أسوار المدينة كمعلم تاريخي محمي تشكلت للمكان هوية دفاعية وروحية خاصة جدا. وفي قلب هذا الفضاء المشحون برائحة البارود والصلوات والمتاخم للساحل تبرز زاوية سيدي بوحديد كشاهد معماري فريد يختزل تلك العلاقة الجدلية العميقة بين البحر والمقدس.
يتموضع المعلم بدقة متناهية في الناحية الجنوبية الشرقية للمدينة العتيقة محصورا بشكل دراماتيكي مباشر بين السور التاريخي ومياه البحر الأبيض المتوسط كأنه يرفض أن يترك المدينة وحيدة في مواجهة المدى.
شخصية سيدي بوحديد في الوجدان الشعبي لأهل الحمامات تتجاوز حدود الأسطورة الشفوية لتستند إلى أبعاد بيوغرافية وجهادية موثقة في كتب الطبقات والتراجم التاريخية حيث يُصنف كأحد أشهر سكان رباط الحمامات التاريخي. تُشير المصادر إلى أن هذا الولي الصالح ينحدر من أصول مغربية إذ تذهب بعض الروايات المحلية إلى أنه وفد من منطقة القلّ ببلاد المغرب بينما ترجح روايات أخرى قدومه من الساقية الحمراء قبل أن يستقر به المقام في مدينة الحمامات خلال القرن 12. لم يكن هذا الرجل مجرد زاهد ينعزل في محرابه هربا من ضجيج الدنيا بل كان متطوعا نشطا في حركة الجهاد البحري وحراسة الثغور الإسلامية ضد الغزوات الخارجية الناشئة في حوض المتوسط. وتؤكد الوثائق الأثرية والتاريخية أنه استشهد سنة 1148 وإن كانت بعض المخطوطات والترجمات العربية تعيد تحديدها بسنة 1178 أثناء مشاركته في التصدي للغارات البحرية العنيفة التي شنتها القوات النورمانية النادمة من صقلية بقيادة الغزاة الأجانب مثل Roger II والتي استهدفت السواحل الإفريقية التونسية في تلك الحقبة المضطربة من العصر الوسيط.
وهنا يستوجب التحليل المنهجي التمييز الدقيق لتفادي الخلط الشائع في بعض الدراسات المعمارية والبلدية بين شخصية سيدي بوحديد الحمامات وشخصية أخرى متزامنة معها تحمل اللقب ذاته في تونس العاصمة. فبينما كان ولي الحمامات متطوعا في الجهاد البحري وحارسا للثغور الساحلية وافدا من المغرب ومتوفى مستشهدا عند أسوار المدينة ليدفن في الناحية الجنوبية الشرقية بين السور والبحر وتصبح زاويته مقهى ثقافيا شهيرا، كان سميّه في تونس العاصمة وليا صالحا متصوفا اسمه الحقيقي محمد عاش وتوفي في القرن 12 أيضا لكنه دفن في الحي اليهودي القديم المعروف بالحارة قرب باب قرطاجنة المندثر وارتبط اسمه بمسجد سيدي بوحديد الأثري الواقع في نهج الباشا بشمال المدينة العتيقة ليمثل رمزا للقداسة الحضرية والتعايش السكاني داخل أحياء العاصمة القديمة بينما ظل ولي الحمامات حاميا للبحارة والصيادين والوسيط الميتافيزيقي لمقاومة تقلبات البحر وغدره.
ترتبط نشأة المعالم الروحية في الحمامات بسياق عام من التضامن الاجتماعي والدفاع المشترك الذي قاده الأولياء الصالحون في مواجهة الهجمات الخارجية.
ويظهر هذا الترابط جليا عند تتبع التسلسل التاريخي لتطور الفضاءات الدفاعية والدينية في المدينة فبعد تشييد برج الحمامات سنة 893 لتأسيس النواة العسكرية الأولى لمراقبة الساحل وحماية السفن شهد القرن 12 استشهاد سيدي بوحديد على أيدي النورمان واستقرار جثمانه عند أسوار المدينة وهي اللحظة التي بدأت فيها الرمزية الروحية للموقع تتشكل كحام ميتافيزيقي للبحارة.
وجاءت سنة 1236 لتبني الجامع الكبير بالمدينة العتيقة في العهد الحفصي مما ساعد على تكامل النسيج العمراني وتنظيم المجال البلدي وتوسيع البنى التحتية الدينية للمجتمع المحلي.
وفي سنة 1602 تعرضت المدينة لغارة مدمرة من فرسان مالطا فبرز دور الأولياء التنموي والمالي من خلال الولي أبي الغيث القشاش الذي افتدى الأسرى وأسس حمام بلغيث الشهير ضمن سياق خيري تضامني.
وبحلول القرن 18 شُيّد البناء الحالي لزاوية سيدي بوحديد كمركب ديني متكامل مما ساهم في مأسسة التصوف الطرقي وتحويل ضريح الولي إلى مزار رسمي للمريدين والبحارة. ولم تتوقف هذه الديناميكية حتى سنة 1905 عندما صُنفت أسوار مدينة الحمامات التاريخية كأثر وطني محمي ومصنف قانونيا مما ثبّت تداخل الزاوية مع الجدار الحصين ليتوج القرن 20 هذا المسار بتحول زاوية سيدي بوحديد جزئيا إلى مقهى ثقافي وسياحي مدمج مكملا علمنة الفضاء الصوفي ودمجه في الاقتصاد السياحي العالمي للمدينة العتيقة.
ترتبط زاوية سيدي بوحديد بظاهرة أنثروبولوجية واسعة الانتشار على طول السواحل التونسية تُعرف بحراسة البحر أو الرباطات الروحية. وتستند هذه الظاهرة إلى فكرة أن أولياء الساحل مثل سيدي بو سعيد رايس الأبحار في خليج تونس وسيدي منصور في المنستير وسيدي المحرصي في نابل يمثلون خطوط دفاع ميتافيزيقية تحمي المجتمعات المحلية والبحارة من مخاطر الفناء الغامضة والقرصنة البحرية.
وفي حالة سيدي بوحديد تشكلت ميثولوجيا بحرية متكاملة تتداخل فيها الحقائق التاريخية بالخيال الشعبي المبدع لتعزيز مكانته كرمز مطلق للشجاعة والدفاع عن المدينة.
تبدأ هذه المنظومة الميثولوجية بأسطورة التابوت العائم والأمواج الهادية حيث تروي الحكايات الشفوية المتواترة أن سيدي بوحديد قبل وفاته بأيام قليلة أوصى عائلته ومريديه بوضع جثمانه بعد موته في صندوق خشبي وإلقائه في عرض البحر الأبيض المتوسط مؤكدا لهم أن الأمواج ستحمل جثمانه برفق وتستقر به في المكان الذي يريده الله ليكون مستقراً لضريحه وتنتهي الرواية بقذف البحر للتابوت عند أقدام أسوار مدينة الحمامات التاريخية مما دفع الأهالي لتفسير الحادثة باعتبارها اختيارا ربانيا للولي ليكون حارسا أبديا لخليج المدينة د
وتكتمل هذه الميثولوجيا بأسطورة البناء الذاتي والتدخل الماورائي إذ يُعتقد في التراث الشعبي أن المسجد والضريح ارتفعا من تلقاء نفسيهما فور استقرار التابوت دون تدخل بشري كامل بل تزعم الروايات أن قبته البيضاء الشاهقة بُنيت من مزيج فريد يجمع بين الأسمنت التقليدي وطحالب البحر وأعشابه كإشارة رمزية إلى مشاركة قوى الطبيعة البحرية في تشييد هذا الفضاء الروحي.
وامتدت هيبة الولي الصالح لتشمل البحارة الأجانب والمسافرين من غير المسلمين الذين عبروا البحر الأبيض المتوسط وتناقلت الذاكرة الجماعية لقرون قصة السفينتين الشراعيتين اللتين حوصرتا وسط عاصفة بحرية عاتية في خليج الحمامات وكادتا أن تتحطما على الصخور الساحلية. وتذكر الرواية أن قبطان السفينة الأولى وكان فرنسيا اسمه Jean توسل ببركة سيدي بوحديد وتعهد بزيارة مقامه وتقديم الهبات لزاويته فنجت سفينته من الغرق والتحطم بينما سخر قبطان السفينة الثانية وكان من باليرمو الإيطالية واسمه Paolo من الولي واستهان بقدرته فاصطدمت سفينته بالصخور وتحطمت بالكامل.
رسخت هذه الكرامات مكانة سيدي بوحديد كقوة روحية قادرة على ترويض عنف الطبيعة مما جعل مقامه مزارا دائما يتقاطع فيه سكان المدينة مع البحارة والصيادين الذين يحرصون على تقديم النذور والقرابين لضمان سلامة رحلاتهم البحرية.

يُعتبر مبنى زاوية سيدي بوحديد الحالي معلما متأخرا نسبيا يُرجح تشييده في القرن 18 مع إدخال تعديلات بنيوية متلاحقة للحفاظ على تماسكه المعماري.
يتميز المعلم بتصميم هندسي يدمج بين الوظيفة السكنية والتعبدية والتحصينية ويتألف من مركب ديني متكامل يضم عددا من التوابع والمرافق الأساسية فهناك قاعة الضريح وهي الفضاء المركزي الذي يحتوي على رفات الولي الصالح وتغطيها قبة شاهقة مبنية على طريقة القباب ذات الحنايا الركنية المصبوغة باللون الأبيض الناصع لحمايتها من الرطوبة البحرية المستمرة وتتصل هذه القاعة بالفضاء الخارجي عبر بوابة جانبية مخصصة للزوار. وتسبق قاعة الضريح رواق أو معرض معماري خارجي يفتح على فناء أو صحن داخلي مكشوف يتيح الإضاءة والتهوية الطبيعية للمعلم ويُستخدم كمساحة لتجمع المريدين وإقامة حلقات الذكر.
كما يضم الصحن الخارجي صهريجا مائيا أرضياً تقليديا يُعرف باسم ماجل عين الشفاء وقد اشتهرت مياه هذا الصهريج بين أهالي الحمامات بامتلاكها لخصائص علاجية واستشفائية خارقة تجذب المرضى والتماسين للبركة لقرون طويلة.
عاشت مدينة الحمامات في القرن 20 تحولا عميقا تجسد في انتقالها من مجتمع زراعي وصيادين تقليديين إلى فضاء جذب ثقافي وفني عالمي.
وتأثرت هذه الديناميكية بحركات الاستشراق الفني وزيارات الرسامين الأوروبيين البارزين مثل Paul Klee والروائيين مثل André Gide والمهندسين المعماريين الذين أسسوا لجمالية معمارية منفتحة على البحر تجمع بين البيت والحديقة والمتوسط.
وفي هذا السياق خضعت زاوية سيدي بوحديد لعملية إعادة توظيف وظيفي وسوسيولوجي متميزة إذ تحول المعلم جزئيا وبطريقة ذكية إلى مقهى سياحي وثقافي يحمل الاسم ذاته ليصبح الفضاء نقطة التقاء فريدة تجمع بين الموروث الروحي المحلي ومتطلبات التنمية السياحية والترفيهية الحديثة.
يتميز مقهى سيدي بوحديد بموقعه الاستثنائي المدمج مباشرة بالجانب الجنوبي لأسوار المدينة العتيقة حيث تلامس مياه البحر جدرانه الحجرية التاريخية دون وجود شاطئ رملي يفصل بينهما.
ويتوزع الفضاء حاليا على ثلاثة فضاءات مكانية متميزة تلبي تطلعات الزوار وتوفر تجربة حسية فريدة تعتمد على الطابع الأرستقراطي والشعبي في آن واحد.
الفضاء الداخلي يقع داخل أسوار المدينة العتيقة ويتميز بطراز الأرابيسك المعماري حيث يحتضن مقام وضريح سيدي بوحديد التاريخي ويعرض تشكيلة غنية من اللوحات التشكيلية التقليدية وصورا نادرة توثق أعلام ومشاهير الحمامات عبر التاريخ. أما الفضاء الخارجي المتاخم للسور فهو عبارة عن شرفة خارجية تقع مباشرة تحت منارة الميناء وعند قاعدة حصن المدينة التاريخي تتيح للزوار الاستمتاع بمشاهدة بانورامية لغروب الشمس الشهير فوق خليج الحمامات وسط أجواء هادئة ومنعزلة.
وتأتي المصطبة الكبرى لتشكل الشرفة الخارجية الثانية التي تقع عند المدخل الرئيسي للمقهى وملاصقة للشاطئ الصخري متميزة بإطلالة مباشرة ومفتوحة على أمواج البحر التي تتكسر على الصخور وتضم جلسات أرضية وثيرة مفروشة بالسجاد والوسائد التقليدية وفق النمط العربي الأصيل.

تجاوز هذا الفضاء المعاصر دوره كمرفق اقتصادي بسيط يشغل ما لا يقل عن 8 موظفين دائمين من أبناء الجهة ليصبح رئة ثقافية واجتماعية نابضة بالحياة يرتادها السياح الأجانب والوجوه الفنية البارزة والعائلات التونسية على حد سواء. ويحرص زوار المكان على تذوق الشاي الأخضر التونسي بالنعناع والبندق المعطر بماء الزهر المقطر والتمتع بمشاهدة حركة قوارب الصيد التقليدية والمراكب الحديثة الراسية في الميناء القريب.
قصة سيدي بوحديد وعلاقته بالحمامات تكشف في نهاية المطاف عن مرونة استثنائية للموروث الصوفي والشعبي في تونس حيث نجح معلم ديني جهادي يعود للقرن 12 في البقاء حيا في الذاكرة المعاصرة ليس عبر الانعزال والانكفاء بل من خلال الاندماج العبقري في الحياة اليومية والجمالية لرواد الساحل ليظل البحر شاهدا والولي حارسا والناس يروون الحكاية جيلا بعد جيل.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال