بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

داخل القفص الحديدي للفرز المدرسي: السيزيام بين وهم الجدارة وإعادة إنتاج الإقصاء

2026-06-12 17 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تقديم:

كلّ سنة، تتحوّل مناظرة السنة السادسة، أو ما يُعرف بـ"السيزيام"، إلى لحظة توتر جماعي داخل المجتمع التونسي؛ حيث تتقاطع أحلام العائلات، وضغط المؤسسة المدرسية، وخوف الأطفال، مع خطاب رسمي يقدّم الامتحان باعتباره بوابة “التميّز” ووسيلة عادلة لاكتشاف “النخب” المدرسية. غير أنّ ما يبدو، في ظاهره، آلية بريئة لتكريس الاستحقاق، يخفي وراءه بنية أكثر تعقيدًا؛ بنية تُحوّل المدرسة من فضاء للارتقاء والتحرر إلى جهاز مبكر لإعادة توزيع الحظوظ الاجتماعية وتصنيف الأطفال وفق مواقعهم داخل السلم الاجتماعي والثقافي.

فمنذ السنوات الأولى للتعلّم، يدخل الطفل تدريجيًا داخل ما سمّاه ماكس فيبر (Max Weber, 1905) بـ”القفص الحديدي”؛ أي ذلك النظام العقلاني الصارم الذي يُخضع الأفراد لمنطق التصنيف، والقياس، والانتقاء، باسم الكفاءة والتنظيم والاستحقاق. وهكذا، لا يعود النجاح المدرسي مجرد تجربة تربوية، بل يتحول إلى معيار مبكر لتحديد القيمة الاجتماعية للأفراد، وإلى آلية خفية لفرز الأطفال بين من يُنظر إليهم باعتبارهم “مشروع نخبة”، ومن يُدفعون مبكرًا نحو هوامش المدرسة العادية.

ولم تعد مناظرة السيزيام مجرّد امتحان مدرسي، بل تحوّلت لدى كثير من العائلات إلى حالة استنفار نفسي ومالي؛ حيث تُستنزف الأسر في سباق الدروس الخصوصية، بينما يعيش بعض الأطفال ضغطًا مبكرًا يفوق أحيانًا طاقتهم النفسية والعمرية. وهكذا، يصبح “التفوّق” نفسه جزءًا من منظومة ضغط اجتماعي متواصل، لا تُقاس فيه قيمة الطفل بما يتعلّمه فقط، بل كذلك بقدرته على الصمود داخل سباق تنافسي يبدأ في سنّ مبكرة جدًا.

وفي هذا السياق، تبدو مناظرة السيزيام أكثر من امتحان عابر؛ إنها لحظة اجتماعية كثيفة تُختبر فيها ليس فقط قدرات التلاميذ، بل كذلك الفوارق الطبقية، والامتيازات الثقافية، والإمكانات الاقتصادية للعائلات. فخلف خطاب “تكافؤ الفرص”، تشتغل آليات دقيقة لإعادة إنتاج اللامساواة، ولكن هذه المرة تحت غطاء الجدارة والاستحقاق.

1. وهم الجدارة: حين تُقدَّم اللامساواة في هيئة استحقاق

تقوم المدرسة الحديثة، في خطابها الرسمي، على فكرة مركزية مفادها أنّ النجاح نتيجة طبيعية للكفاءة الفردية والعمل الشخصي. فالطفل الذي ينجح في السيزيام يُقدَّم باعتباره “الأفضل” و”الأكثر استحقاقًا”، بينما يُفهم الفشل باعتباره نتيجة نقص في الجهد أو القدرة. غير أنّ هذا التصور يخفي جانبًا أساسيًا من الحقيقة الاجتماعية؛ إذ إنّ المدرسة لا تستقبل الأطفال وهم متساوون فعليًا في شروط النجاح.

لقد بيّن بيار بورديو (Pierre Bourdieu, 1970) أنّ المؤسسة المدرسية تميل، في العمق، إلى مكافأة ما سمّاه “الرأسمال الثقافي”؛ أي جملة المعارف والمهارات واللغة والعادات التي يكتسبها الطفل داخل أسرته ووسطه الاجتماعي قبل دخوله المدرسة. فالأطفال المنحدرون من عائلات ميسورة أو ذات مستوى تعليمي مرتفع يصلون إلى الامتحان وهم يمتلكون مسبقًا أدوات النجاح: لغة مدرسية أقرب إلى انتظارات المؤسسة، دعمًا عائليًا أكبر، قدرة على النفاذ إلى الدروس الخصوصية، وبيئة أكثر استقرارًا نفسيًا وثقافيًا.
وهكذا، لا يعود التفوق المدرسي منفصلًا عن الإمكانات الاقتصادية، بل يتحول المال نفسه، بشكل غير مباشر، إلى رأسمال تربوي يُعاد تقديمه في هيئة “استحقاق” فردي مشروع.

في المقابل، يجد أطفال الفئات الشعبية أنفسهم داخل منافسة غير متكافئة؛ إذ يُطلب منهم اجتياز نفس الامتحان، وفق نفس المعايير، رغم اختلاف شروط الانطلاق. وهنا يتحول مفهوم “الاستحقاق” إلى ما يشبه الأسطورة الاجتماعية التي تُخفي التفاوت الحقيقي خلف خطاب الحياد المدرسي.

فتحت طقوس التقييم الكمي، والاحتفاء المبالغ فيه بالأعداد والترتيب، يُعاد إنتاج نوع من “الشعوذة البيداغوجية” التي تُقنع الأطفال والعائلات بأن الامتحان يمثل الشكل الوحيد والعادل لقياس القيمة والذكاء، رغم أنّ نتائجه مشروطة مسبقًا بفوارق اجتماعية وثقافية غير متكافئة.

ولعلّ أخطر ما في هذه العملية أنّها تُقنع الأفراد بأن نتائجهم تعكس قيمتهم الذاتية. فالطفل الذي يُقصى من المدارس النموذجية لا يشعر فقط بأنه أخفق في امتحان، بل قد يترسّخ لديه شعور مبكر بأنه أقل كفاءة أو أقل ذكاء. وهذا ما وصفه بورديو بـ”العنف الرمزي”؛ أي ذلك الشكل من الهيمنة الذي يجعل المهيمن عليهم يقبلون النظام القائم باعتباره طبيعيًا وعادلًا.

ومن هنا، لا تصبح مناظرة السيزيام مجرد آلية تقييم، بل تتحول إلى جهاز اجتماعي يمنح الامتيازات القديمة شرعية جديدة، عبر تحويلها إلى “نجاح مدرسي” يبدو وكأنه ثمرة مجهود فردي خالص.

2. المدرسة كآلة فرز: السيزيام وإعادة توزيع الفرص بشكل غير متكافئ

إذا كان الخطاب الرسمي يقدّم السيزيام كأداة لاكتشاف “المتفوقين”، فإنّ التحليل السوسيولوجي يكشف أنّ الأمر يتعلق، في جانب كبير منه، بآلية مبكرة لإعادة فرز الأطفال داخل الهرم المدرسي والاجتماعي. فالمدرسة لا تقوم فقط بتعليم المعارف، بل تؤدي أيضًا وظيفة خفية تتمثل في توزيع الأفراد داخل مسارات متفاوتة القيمة والفرص.

في هذا السياق، تتحول المدارس الإعدادية النموذجية إلى فضاءات لإعادة تجميع الامتيازات المدرسية والاجتماعية داخل مؤسسات محددة، تستقطب أفضل النتائج، وأفضل نسب النجاح، وأحيانًا أفضل الإطارات التربوية أيضًا. وهكذا، يتكرّس تدريجيًا نوع من الفصل الرمزي بين “مدرسة النخبة” و”المدرسة العادية”، بما يُعيد إنتاج التفاوت داخل الفضاء التربوي نفسه.

ولا يتعلق الأمر هنا بجودة هذه المؤسسات في حد ذاتها، بل بالمنطق الذي يحكم توزيع الفرص منذ سن مبكرة جدًا. فحين يتم تصنيف الأطفال في عمر الحادية عشرة أو الثانية عشرة إلى “متفوّقين” و”عاديين”، فإن المدرسة لا تكتفي بقياس القدرات، بل تبدأ فعليًا في رسم مسارات اجتماعية مختلفة، سيكون لها أثر طويل المدى على الثقة بالنفس، والتمثلات الذاتية، والطموحات المستقبلية.

وقد أشار ميشال فوكو (Michel Foucault, 1975) إلى أنّ المؤسسات الحديثة لا تشتغل فقط عبر القمع المباشر، بل كذلك عبر تقنيات المراقبة والتصنيف والانضباط. ومن هذا المنظور، تبدو مناظرة السيزيام جزءًا من شبكة أوسع من الآليات التي تُنتج “الأفراد القابلين للتصنيف”، عبر تحويل التفوق إلى أداة للانتقاء المبكر.

وهكذا، يصبح النجاح المدرسي أقل ارتباطًا بالتحرر المعرفي، وأكثر ارتباطًا بإعادة ترتيب الأفراد داخل بنية اجتماعية هرمية. فبدل أن تكون المدرسة فضاءً لتقليص الفوارق، تتحول تدريجيًا إلى مؤسسة تمنح هذه الفوارق شرعية جديدة باسم الكفاءة والتميّز.

3. المدارس النموذجية وإعادة إنتاج النخبة المدرسية

لا يمكن فهم مناظرة السيزيام دون فهم الوظيفة الرمزية التي تؤديها المدارس النموذجية داخل المخيال الاجتماعي التونسي. فهذه المؤسسات لا تُقدَّم فقط كمدارس ذات مستوى مرتفع، بل باعتبارها فضاءات لإنتاج “النخبة” المستقبلية؛ أي أولئك الذين يُنتظر منهم لاحقًا احتلال المواقع الأكاديمية والمهنية الأكثر قيمة داخل المجتمع.

غير أنّ هذه الصورة تخفي مفارقة أساسية: فالنخبة المدرسية لا تُصنع دائمًا انطلاقًا من تكافؤ حقيقي للفرص، بل كثيرًا ما تكون نتيجة تراكم سابق للامتيازات الاجتماعية والثقافية. وهكذا، تتحول المدرسة النموذجية إلى فضاء يعيد تجميع أبناء الفئات الأكثر قدرة على التكيف مع متطلبات النجاح المدرسي، مما يجعل التفوق يبدو وكأنه نتيجة طبيعية للموهبة الفردية، في حين أنّه مرتبط أيضًا بشروط اجتماعية غير متساوية.

ومن هنا، تكتسب المدارس النموذجية وظيفة مزدوجة: فهي من جهة تُنتج التميّز المدرسي، لكنها من جهة أخرى تُعيد إنتاج التراتبية الاجتماعية في شكل أكثر نعومة ورمزية. أي أنّ اللامساواة لا تظهر هنا في شكل حرمان مباشر، بل في صورة “استحقاق مشروع” تمنحه المؤسسة المدرسية ختمها الرسمي.

4. من النخبة المدرسية إلى هجرة الأدمغة: حين يتحول التفوق إلى مسار للهجرة

لقد تجاوزت وظيفة المدارس النموذجية مجرد إنتاج “التفوّق” الداخلي، لتصبح، بشكل غير مباشر، جزءًا من مسار عالمي لإعادة توزيع الكفاءات بين دول الجنوب ودول الشمال. فالنخب المدرسية التي تُنتجها هذه المؤسسات لا تُدمج دائمًا داخل مشروع وطني قادر على استثمار قدراتها، بل تجد نفسها تدريجيًا داخل ديناميكية تدفعها نحو الهجرة الأكاديمية والمهنية، خاصة باتجاه فرنسا وكندا وأوروبا عمومًا.

وهكذا، يتحول “التفوّق المدرسي” إلى مرحلة أولى داخل سلسلة طويلة من الانتقاء؛ تبدأ بالسيزيام، ثم المدارس النموذجية، ثم الشعب الانتقائية، فالجامعات الكبرى، لتنتهي في كثير من الأحيان بهجرة الكفاءات نحو الاقتصادات الأكثر قدرة على استقطاب العقول وتثمينها.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو مناظرة السيزيام مجرد آلية داخلية للفرز التربوي، بل تصبح أيضًا جزءًا من بنية عالمية لإنتاج “النخب القابلة للتصدير”. فالدولة تستثمر، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تكوين المتفوقين، بينما تجني دول الشمال لاحقًا ثمار هذه الكفاءات الجاهزة، دون أن تتحمل كلفة تكوينها الأولى.

بل إنّ المفارقة تصبح أكثر حدّة حين ندرك أنّ تكوين هذه النخب لا يتم بأموال خاصة فقط، بل أساسًا عبر موارد الدولة والمال العمومي؛ أي من أموال المجموعة الوطنية نفسها. فالمجتمع، عبر الضرائب والميزانية العمومية، يموّل المدرسة العمومية، ويؤمّن تكوين المتفوّقين منذ السنوات الأولى، ويوفّر لهم أفضل المؤسسات والإطارات والبرامج، قبل أن تجد نسبة مهمّة من هذه الكفاءات نفسها مندمجة لاحقًا داخل اقتصادات دول الشمال.

وهكذا، لا يتعلق الأمر فقط بهجرة أفراد معزولين، بل بنوع من تحويل غير مباشر للاستثمار التربوي العمومي نحو الخارج؛ حيث تتحمل بلدان الجنوب كلفة التكوين الأساسية والممتدة لسنوات، بينما تستفيد الاقتصادات المتقدمة من الكفاءات الجاهزة بأقل تكلفة ممكنة.

وقد وصف سمير أمين (Samir Amin, 1973) هذا الشكل من العلاقة بكونه جزءًا من التبعية البنيوية بين المركز والأطراف؛ حيث تتحول بلدان الجنوب إلى فضاءات لإنتاج الموارد البشرية التي يُعاد امتصاصها داخل المراكز الرأسمالية العالمية.

وهنا تظهر مفارقة عميقة: فبينما تُقدَّم المدارس النموذجية باعتبارها رمزًا للنجاح الوطني، قد تتحول عمليًا إلى إحدى القنوات التي تُسرّع نزيف الكفاءات، وتُفرغ المدرسة العمومية العادية تدريجيًا من جزء مهم من النخب والمواهب، بما يعمّق الفوارق داخل المنظومة التربوية نفسها.

ومن هنا، تبرز إحدى المفارقات العميقة داخل المنظومة التعليمية: فبينما تُقدَّم المدرسة بوصفها أداة لبناء التنمية الوطنية، قد تتحول — داخل سياق عالمي غير متكافئ — إلى قناة تُسهم، بصورة غير مباشرة، في استنزاف جزء من الرأسمال البشري الذي موّل المجتمع تكوينه جماعيًا.

الأخطر من ذلك أنّ هذا المسار يُعيد تشكيل وعي المتفوقين أنفسهم؛ إذ يصبح النجاح، لدى بعضهم، مرتبطًا ضمنيًا بفكرة “الخروج” من البلاد أكثر من الاندماج في مشروع جماعي محلي، وكأن المدرسة تُعدّهم — بشكل غير معلن — لسوق عالمية للكفاءات، لا لحاجات المجتمع الذي تكوّنوا داخله.

خاتمة: القفص الحديدي للاستحقاق وإعادة شرعنة الإقصاء

لا تكمن خطورة مناظرة السيزيام فقط في الضغط النفسي الذي تفرضه على الأطفال والعائلات، بل في المنطق العميق الذي تؤسسه داخل الوعي الجماعي؛ منطق يربط القيمة الإنسانية مبكرًا بالتصنيف المدرسي، ويحوّل النجاح إلى معيار شبه وحيد للاعتراف الاجتماعي.

فحين تتحول المدرسة إلى جهاز مبكر للانتقاء، يصبح “الاستحقاق” نفسه جزءًا من القفص الحديدي الذي تحدّث عنه ماكس فيبر (Max Weber, 1905)؛ إذ تُقدَّم اللامساواة في صورة عقلانية ومحايدة، بينما تخفي خلفها تفاوتًا فعليًا في الإمكانات والحظوظ والموارد.

وهكذا، لا تعود المؤسسة المدرسية مجرد فضاء لنقل المعرفة، بل تتحول إلى آلة اجتماعية دقيقة لإعادة إنتاج التراتبية، عبر منح الفوارق الاجتماعية القديمة شرعية جديدة تحمل هذه المرة ختم الامتحان والشهادة والتفوق المدرسي.

أما الحفر الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم، فلا يتعلق فقط بمستقبل المدارس النموذجية، بل بالسؤال الأعمق: كيف يمكن بناء مدرسة تُنصف الأطفال فعلًا، بدل أن تُحوّلهم مبكرًا إلى فئات متفاوتة القيمة داخل سباق اجتماعي يبدأ منذ الطفولة؟

هذا المقال مودع ومحمي دوليا على منصة Zenodo
https://doi.org/10.5281/zenodo.20671541

المراجع:

1. Max Weber (1905), L’thique protestante et l’esprit du capitalisme — autour du concept de la « cage d’acier » et de la rationalisation moderne.

2. Pierre Bourdieu & Jean-Claude Passeron (1964), Les Héritiers : Les étudiants et la culture — sur la reproduction des privilèges sociaux à travers l’école.

3. Pierre Bourdieu & Jean-Claude Passeron (1970), La Reproduction : léments pour une théorie du système d’enseignement — sur le capital culturel et la reproduction des inégalités scolaires.

4. Michel Foucault (1975), Surveiller et punir — sur les mécanismes de discipline, de surveillance et de classification dans les institutions modernes.

5. Louis Althusser (1970), Idéologie et appareils idéologiques d’tat — sur l’école comme appareil de reproduction sociale.

6. Samir Amin (1973), Le Développement inégal : Essai sur les formations sociales du capitalisme périphérique — sur la dépendance structurelle entre centres et périphéries et l’extraction des compétences des pays du Sud.

7. Ivan Illich (1971), Une société sans école — critique de l’institution scolaire moderne et de ses fonctions sociales.

8. Paulo Freire (1970), Pédagogie des opprimés — sur l’éducation comme instrument de libération ou de reproduction de la domination.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال