بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

حرب القرم..ملحمة منسية،جيش قاتل من أجل السيادة.

2026-07-07 66 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
حرب القرم..ملحمة منسية،جيش قاتل من أجل السيادة.
عاشت إيالة تونس في منتصف القرن التاسع عشر تحت وطأة معادلة جيوسياسية بالغة التعقيد فرضتها التحولات الاستعمارية الإقليمية والتوازنات الدولية المتصارعة في حوض البحر الأبيض المتوسط.
منذ الاحتلال الفرنسي للجزائر عام 1830م أدركت النخبة الحسينية الحاكمة في تونس أن التهديد الفرنسي بات على الأبواب وأن مسألة الحفاظ على كيان الدولة التونسية تتطلب إعادة صياغة جذرية لعلاقاتها الخارجية ومقدراتها الدفاعية. وفي هذا السياق صعد المشير أحمد باي الأول عام 1837م إلى سدة الحكم حاملا مشروعا إصلاحيا طموحا يهدف إلى بناء دولة تونسية حديثة قادرة على الردع الذاتي. وكان عماد هذا المشروع هو العسكر النظامي الجديد وتأسيس المدرسة الحربية بباردو عام 1840م لتخريج ضباط ومهندسين عسكريين على الطراز الأوروبي الحديث مستعينا بخبرات أجنبية مثل العقيد الإيطالي لويجي كاليغاريس وبجهود إصلاحية فكرية قادها الشيخ محمود قابادو.
وعندما اندلعت حرب القرم عام 1853م بين الإمبراطورية الروسية والدولة العثمانية وحلفائها الأوروبيين من فرنسا وبريطانيا ولاحقا مملكة سردينيا وجد أحمد باي الأول نفسه أمام فرصة ومأزق في آن واحد.
تمثل المأزق في الضغط الأدبي والسياسي الذي مارسته الأستانة بوصفها مرجعية الخلافة الاسمية لإشراك القوات التونسية في الحرب.
أما الفرصة فقد كانت تكمن في رغبة الباي الدفينة في انتزاع اعتراف دولي صريح باستقلال تونس الفعلي عن الباب العالي من جهة وإثبات جدارة جيشه النظامي الجديد أمام النوايا الاستعمارية الفرنسية من جهة أخرى.
أراد أحمد باي أن يظهر لفرنسا وحلفائها أن تونس تمتلك جيشا عصريا منظما يقاتل بكفاءة تضاهي الجيوش الأوروبية على مسارح العمليات الدولية مما يحول دون التجرؤ على غزوها.
هذا التناقض الظاهري بين تأكيد السيادة التونسية والتبعية الاسمية للدولة العثمانية شكل المحرك الأساسي لإرسال فيلق عسكري تونسي ضخم لمساندة العثمانيين في حرب القرم.

ولم تكن هذه البعثة العسكرية مجرد قوة رمزية عابرة بل كانت مجهودا حربيا متكاملا شارك فيه آلاف الجنود والضباط بتمويل وتجهيز تونسيين خالصين حيث عكست دفاتر وزارة الحربية التونسية في ذلك الوقت استنفارا إداريا ولوجستيا غير مسبوق.
وتحت إشراف مباشر من الوزارة تم تنظيم إرسال البعثة على ثلاث دفعات رئيسية امتدت بين عامي 1854م و1855م حيث تقاطعت فترتا حكم أحمد باي وخلفه محمد باي لإتمام هذا الجهد العسكري الشاق.
تولى القيادة العليا للبعثة التونسية الجنرال رشيد وهو ضابط مملوك بارز من أصول جورجية تخرج من مدرسة باردو الحربية وعاونه الجنرال عثمان في قيادة سلاح الخيالة والمشاة.
وتشير التقديرات الرسمية المستمدة من دفاتر وزارة الحربية والتقارير الأرشيفية للجنرال رشيد إلى أن العدد الإجمالي الفعلي للمجندين التونسيين المرسلين بلغ 9503 أفراد بين ضباط وجنود. ومع ذلك يظهر تباين لافت في سرديات المؤرخين إذ يتحدث المؤرخ أحمد بن أبي الضياف في كتابه الشهير إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان عن مشاركة ما يقرب من 14000 إلى 15000 مقاتل ويمكن تفسير هذا الفارق بدمج طواقم السفن الحربية التونسية وقوات المتطوعين غير النظاميين ومجندي الأسطول اللوجستي ضمن الحساب الإجمالي للمشاركة التونسية.

وتجلت هذه التعبئة الشاملة في تفاصيل البعثات الثلاث التي انطلقت تباعا لترسم ملامح ملحمة بشرية وتقنية فريدة. انطلقت البعثة الأولى في جويلية من عام 1854م خلال أواخر عهد أحمد باي وكانت القوة الضاربة الكبرى بضمها 7582 رجلا من بينهم 6194 جندي مشاة نظامي و500 جندي مدفعية من الطبجية و888 عسكريا بحريا.
وقد أبحر هذا الفيلق على متن 7 سفن حربية تونسية نظامية ترافقها 65 مركبا لوجستيا مستأجرا لنقل الرجال والعتاد الذي شمل 60 مدفعا ميدانيا و461 رأسا من الخيول وكانت السفن الحربية المرافقة مثل الفرقاطة الحسينية وبريك النسر وبريك السعيد وبريك الحطاب والبابور المنصور والبابور المينوس والبابور الباجي مسلحة بمجموع 104 مدافع بحرية.
ثم تبعتها البعثة الثانية في مارس من عام 1855م لتضم 188 رجلا منهم 90 جندي مشاة و4 ضباط أركان حرب و
60 خيالا مع 8 ضباط و26 جندي مدفعية أبحروا مع قطع دعم بحري خفيفة لنقل الخيول الإضافية والمعدات التكميلية والبنادق الخفيفة للخيالة.
وأخيرا، شهد جوان من عام 1855م في عهد محمد باي انطلاق البعثة الثالثة التي ضمت 1831 رجلا أرسلوا كقوات دعم وإسناد لسد العجز الناتج عن الخسائر البشرية الفادحة في الجبهات مستعينين ببواخر نقل عثمانية وتونسية مشتركة لإيصال التعزيزات ومصغية لـ 594 رأسا من الخيول بالإضافة إلى 6000 مكحلة وهي بنادق صيد تقليدية مطورة أرسلت كهدية مباشرة من باي تونس لخزينة الباب العالي لدعم الجهد الحربي العام.

ومن الأسرار اللوجستية التي تكشفها مراسلات البعثة أن السلطان العثماني وجه طلبات مباشرة لعرش باردو لتوفير إمدادات نوعية شملت تلك البنادق الإضافية ومئتي حصان إلى جانب مبلغ ضخم قدره 200000 دورو فرنسي نقدا لدعم الخزانة العثمانية المنهكة.
بل إن المراسلات العسكرية تكشف عن تفاصيل بالغة الدقة تلامس يوميات الجند واغترابهم مثل إرسال كميات من الطواجن التونسية الخاصة بصنع الخبز تلبية لطلب القيادة العسكرية العثمانية لتأمين إعاشة الجنود وفق عاداتهم الغذائية المقاومة لغربة الميدان.
تطلبت هذه البعثة الضخمة إرسال كميات هائلة من الملابس الشتوية الصوفية المعروفة بكساوي ملف شتوي وحبال السفن الغليظة المسماة خيت سباولو خشين والجرار المعدنية للزيت والماء والخيام والفؤوس والمجارف.
وبعد انتهاء المعارك تخلت تونس رسميا عن 466 حصانا متبقيا للدولة العثمانية لدعم سلاح فرسانها المنهك.
وتكشف وثائق الأرشيف العسكري أيضا عن لغز تاريخي ارتبط بوسام حرب القرم التونسي إذ ساد اعتقاد خاطئ بين بعض الخبراء والمؤرخين بوجود وسام عسكري تونسي خاص بحرب القرم صاغه الباي والحقيقة التاريخية الموثقة تثبت أن السلطان العثماني هو من منح وسام القرم العثماني لباي تونس والوزراء والضباط والجنود التونسيين المشاركين وبسبب العرف السائد لدى البايات التونسيين بارتداء هذا الوسام العثماني كشارة وراثية في المناسبات الرسمية التبس الأمر على الباحثين وظنوا أنه وسام تونسي مستقل في حين أنه لم يتم تأسيس أي وسام محلي تونسي خاص بهذه الحرب على الإطلاق.
وفي غمرة هذه التفاصيل اللوجستية كانت جبهات القتال تشهد فصولا من التضحية شابتها سرديات مجحفة وتعد معركة بالاكلافا التاريخية في 25 أكتوبر من عام 1854م واحدة من أهم محطات حرب القرم وتكتسب أهمية بالغة في التاريخ العسكري لكونها ألهمت الشاعر البريطاني ألفرد لورد تنيسون قصيدته الشهيرة هجوم لواء الخيالة الخفيف.

ومع ذلك فإن هذه المعركة تحمل في طياتها أكبر عملية تشويه وتغييب للجهد العسكري التونسي في التاريخ الحديث.
لطالما رددت السرديات العسكرية البريطانية والغربية المعتمدة على كتابات الضباط الإنجليز وتقارير الصحفي ويليام راسل أن الكارثة التي حلت بجيش الحلفاء في بالاكلافا نتجت عن جبن وتخاذل القوات العثمانية التي وصفتها المصادر بالمليشيات التركية أو الجنود التونسيين ضعيفي التدريب الذين فروا من مواقعهم الدفاعية في التحصينات الأمامية المعروفة بالروابي الترابية تاركين المدافع البريطانية للروس إلا أن التحليل النقدي المعمق للتوزيع التكتيكي والظروف الميدانية يكشف وجها آخر مسكوتا عنه تماما في الأدبيات الغربية فقد أقام لورد راغلان القائد العام للقوات البريطانية خط دفاع خارجي ضعيف ومترهل لحماية ميناء بالاكلافا معتمدا على ستة رواب ترابية مستعجلة غير مكتملة البناء على طول مرتفعات كوزواي.
ووضعت القيادة البريطانية حوالي 500 جندي تونسي من قوات المشاة والميليشيات في الردوت رقم 1 الواقع على تلة كانروبرت وعززت الروابي الأخرى بقوات تونسية مماثلة تحت مسمى القوات العثمانية الحليفة مزودين ببعض المدافع البريطانية من عيار 12 رطلا.

وفي فجر ذلك اليوم الدامي من أكتوبر شن الجنرال الروسي بافل ليبراندي هجوما صاعقا ومفاجئا بقوة روسية كاسحة قوامها 25000 جندي و78 مدفعاً وسلاح فرسان ثقيل وتركز الهجوم الروسي الأول على الردوت رقم 1 المأهول بخمسمئة جندي تونسي فقط.
ورغم التفاوت العددي الهائل الذي يبلغ 50 جنديا روسيا مقابل كل جندي تونسي واحد صمد هؤلاء الجنود التونسيون ببسالة منقطعة النظير لأكثر من ساعتين تحت وابل من القصف المدفعي الروسي العنيف وهجوم المشاة المتكرر وقدمت القوة التونسية تضحيات جسيمة إذ سقط منهم ما بين 34 بالمئة إلى 50 بالمئة من تعداد القوة أي نحو 170 قتيلا داخل الخنادق والروابي الترابية.
وطوال هاتين الساعتين من القتال الدامي والمستميت لم تحرك القيادة البريطانية ساكنا لإرسال أي تعزيزات عسكرية أو خطوط إمداد بالذخيرة بل إن سلاح الفرسان البريطاني ظل يراقب المعركة من مسافة بعيدة دون تدخل.
وعندما نفدت ذخيرة المدافع التونسية بالكامل وأصبحوا مطوقين من كل جانب من جحافل المشاة الروس اضطر الناجون إلى الانسحاب والتراجع نحو خط الدفاع الثاني البريطاني الذي تشكل لاحقا في صورة الخط الأحمر الرفيع للكتيبة 93 من المرتفعات الاسكتلندية.
استغلت القيادة البريطانية التي كانت تعاني من صراعات داخلية حادة وحالة من الفوضى والارتباك وسوء التواصل بين لورد راغلان ولورد لوكان ولورد كارديغان هذا الانسحاب التونسي الحتمي لجعله كبش فداء يعلقون عليه فشلهم التكتيكي الذريع وسقوط مدافعهم في أيدي الروس وتجاهلت الصحافة البريطانية حقيقة أن الروس أنفسهم شهدوا بضراوة المقاومة التونسية حيث كتب الجنرال الروسي ليبراندي في تقاريره الرسمية أنه صُدم بصلابة المقاومة التونسية في الردوت رقم 1 وعثور قواته على جثث المدافعين مكدسة داخل الخنادق مما ينفي تماما فرية الفرار دون قتال ويكشف زيف الادعاءات البريطانية التي وصفت تلك الروابي بالتحصينات الكاملة بينما كانت تفتقر للحماية الفعالة ومدعية كفاية القوات بينما كان الاختلال رهيبا وزاعمة التراجع الفوري بينما استمر الصمود ساعتين تلاحميتين وسط إهمال بريطاني كامل للإسناد اللوجستي.

وتكشف التركيبة الاجتماعية لهؤلاء العساكر لاسيما مشاة الزواف أنهم ينتمون لطبقات ريفية فقيرة جندت قسريا وعانت من سوء الإدارة مقارنة بضباطهم الأرستقراطيين الحضر.
وإذا كانت جبهة بالاكلافا قد حظيت بتغطية إعلامية وصحفية واسعة فإن مسرح العمليات الشرقي للبحر الأسود وتحديدا في جبهة باطوم ومناطق القوقاز والبلقان شهد المأساة الكبرى والفاجعة الصامتة التي حلت بالجيش التونسي.
لم تكن نيران المدافع الروسية هي العدو الفتاك الأول للمجندين التونسيين بل كانت الأوبئة القاتلة وسوء التخطيط والظروف الجوية القاسية هي التي حصدت أرواح الآلاف منهم في صمت براري الشرق الوعرة.
تجمع المصادر التاريخية والتحليلات الأرشيفية الحديثة على أن ما يقرب من 40 بالمئة من إجمالي الفيلق التونسي المشارك في حرب القرم قد لقي حتفه في معسكرات باطوم ومحيط سيفاستوبول وكان هذا الانهيار البشري المروع نتاجا مباشرا لما يُعرف تاريخيا بالفراغ اللوجستي المشترك بين حكومتي باردو والأستانة.
فعند إرسال القوات ساد اعتقاد واهم لدى القيادة التونسية بأن الدولة العثمانية بوصفها الجهة المستفيدة والداعية للحرب ستتولى تأمين الرعاية الطبية والإعاشة والملابس الشتوية والخيام المقاومة للبرد لجنود البعثة فور وصولهم إلى الأراضي التركية.
وفي المقابل كانت الإدارة العسكرية العثمانية تعاني من ترهل مالي وإداري خانق وفساد مستشر في صفوف ضباطها وافترضت تلقائيا أن البعثة التونسية ذاتية التجهيز والتمويل والتموين من بلدها الأصلي.
وبسبب هذا التضارب والتنصل المتبادل من المسؤولية اللوجستية تُرِك آلاف الجنود التونسيين القادمين من مناخ شمال أفريقيا الدافئ في معسكرات باطوم الرطبة يواجهون شتاء القوقاز القارس بملابس صيفية خفيفة وقليلة وتفشت بينهم أمراض قاتلة مثل الكوليرا والملاريا والتيفوس وحمى المستنقعات بسبب انعدام النظافة وشح المياه الصالحة للشرب وفساد الأغذية المقدمة لهم.
وتكشف التقارير اليومية التي كان يبعث بها الجنرال رشيد إلى تونس عن حالة من اليأس الجماعي والصراخ اللوجستي الإنساني حيث كان الجنود يموتون بالعشرات يوميا في الخيام ومستشفيات الميدان المكتظة دون أدنى رعاية طبية. ولم تقتصر هذه الفاجعة على الجنود البسطاء بل تداخلت مع الهيكل الإداري والاجتماعي للإيالة التونسية ويبرز هنا كنموذج عائلي توثيقي حالة عائلتي المزالي والسقا المنستيريتين فعندما غادر الجنرال عثمان لتولي القيادة في القرم عُيّن الموثق وصاحب الدفتر الشرعي صلاح المزالي قائدا عسكريا برتبة يوزباشي أي نقيب في اللواء الثالث للمشاة التونسي ليتولى رعاية مصالح عساكر الساحل التونسي وهو ما فتح الباب لاحقا لترقي عائلته في مراتب المخزن الإداري والحزبي التونسي بالكامل بعد العودة من الجبهة.
ومن رحم هذه المآسي اللوجستية والحروب الشرسة نشأت واحدة من أكثر القصص الإنسانية غرابة وإثارة في تاريخ العلاقات الدولية وهي قصة تأسيس قرية تونسلار ومعناها بالتركية قرية التوانسة والتي تقع في أعالي جبال ولاية قسطموني على ساحل البحر الأسود في شمال وسط تركيا وتبعد حوالي 300 كيلومتر عن العاصمة أنقرة وترتفع نحو
1400 متر عن سطح البحر وسط منطقة غابية كثيفة.
يرتبط تأسيس القرية بمسار تكتيكي وإنساني معقد جرى لبعض الجنود التونسيين في نهاية حرب القرم عام 1856م إذ تشير الحقائق التاريخية الموثقة إلى أنه عقب صدور أوامر الإخلاء والعودة إلى تونس ضل فيلق من الجنود والخيالة التونسيين طريقهم وسط الجبال الشاهقة المكسوة بالثلوج الكثيفة والظروف المناخية القاسية التي عجزوا عن التعامل معها وبسبب انقطاع السبل وضعف درايتهم بجغرافية الأناضول الوعرة اتخذ قائد الوحدة قرارا بالاستقرار المؤقت في مرتفعات قسطموني لإنقاذ حياة رجاله من التجمد والموت.
ومع مرور الوقت وتصاهر هؤلاء الجنود مع العائلات التركية المحلية في القرى المجاورة تحول الاستقرار المؤقت إلى استيطان دائم وتأسست القرية التي منحتها السلطات العثمانية للجنود كأرض إقامة تكريما لجهودهم الحربية الباسلة.
وتحتضن القرية حتى اليوم معلما روحيا بارزا يُعرف بتربة التونسي وهو ضريح القائد العسكري الكولونيل محمد التونسي الذي قاد هذه المجموعة المستوطنة وتوفي ودفن هناك بناء على وصيته الشخصية.
وتكشف التحقيقات التاريخية عن وجود جدل وأسطورة شعبية طريفة يتداولها أهالي المنطقة والأتراك إذ يخلط الوجدان الشفوي المحلي بين حملة حرب القرم لعام 1853م وحملة قديمة قادها أمير بني جوبان السلجوقي حسام الدين جوبان إلى شبه جزيرة القرم في القرن الثالث عشر الميلادي حوالي عام 1223م بأمر من السلطان علاء الدين كيقباد وتزعم الأسطورة أن محمد التونسي كان قائدا عسكريا في تلك الحملة السلجوقية القديمة واستقر في المنطقة منذ ذلك الحين إلا أن الأدلة العلمية والمادية تدحض هذه الأسطورة وتثبت ارتباط القرية بحرب القرم حيث تؤكد الدراسات الزراعية أن أشجار الكستناء الجبلية وعينات بندق الصخور التركي العملاقة المحيطة بالضريح في هضبة توس توربه يقارب عمرها 150 عاما وهو ما يطابق بدقة زمن استيطان الجنود التونسيين في منتصف القرن التاسع عشر.
كما أن الأرشيف الوطني التونسي يحتفظ بفرمان سلطاني عثماني يثمن دور الجيش التونسي في حرب القرم ويسجل بقاء بعض الجنود وتصاهرهم هناك وما تزال عائلات القرية التركية ذات الأصول التونسية تحافظ على رفع العلمين التونسي والتركي فوق أسطح المنازل والمباني العامة كرمز لهويتهم المزدوجة وفي جويلية من كل عام تقام فعاليات ومهرجانات صداقة رسمية تجمع دبلوماسيين تونسيين ومسؤولين أتراك لزيارة قبر محمد التونسي والارتواء من بئر سبيل الصداقة التركية التونسية المنشأ عند مدخل القرية لإحياء ذكرى أجدادهم الفارين من الصقيع.

خاض الجنود التونسيون حرب القرم وحققوا مع حلفائهم نصراً تاريخيا تجسد في توقيع معاهدة باريس في مارس من عام 1856م وهزيمة الإمبراطورية الروسية وعاد الفيلق العسكري التونسي منتصراً وهبط في مرسى العبدلية في 3 أوت من عام 1856 وسط احتفالات رسمية وشعبية عارمة قادها محمد باي والجنرال رشيد.
غير أن هذه النشوة العسكرية لم تكن سوى الستار البراق الذي حجب وراءه انهيارا ماليا وسياسيا غير مسبوق عجل بزوال الدولة الحسينية وسقوط تونس في قبضة الاستعمار الفرنسي فقد أفرغت التكلفة الخيالية لتجهيز البعثة العسكرية وإرسالها وصيانتها خزانة الدولة التونسية بالكامل ولمواجهة العجز المالي المتفاقم الناتج عن نفقات الحرب إلى جانب المشاريع العمرانية والبذخ الاستهلاكي لأحمد باي الأول اضطرت الدولة التونسية إلى الاقتراض الداخلي المكثف من التجار الأجانب والمحليين بربا فاحش وتأجيل دفع رواتب الموظفين والجنود النظاميين.
ومع وفاة أحمد باي المفاجئة عام 1855 تسلم محمد باي عرشا مثقلا بالديون والالتزامات الهيكلية المتراكمة واستغلت القوى الاستعمارية الأوروبية وخاصة فرنسا وبريطانيا هذا الضعف المالي الخانق لفرض شروط سياسية تمس بسيادة الإيالة وتحت ضغط مباشر من القناصل الأجانب أُجبر الباي على توقيع عهد الأمان عام 1857 م إعلان أول دستور للبلاد عام 1861م لتسهيل تملك الأجانب للأراضي والنشاط التجاري دون الخضوع للقضاء التونسي.
ولتغطية الديون المتزايدة وسداد فوائد القروض الخارجية الفلكية التي تعاقدت عليها الدولة مع البنوك الأوروبية اتخذ محمد الصادق باي في أواخر عام 1863 قرارا برفع ضريبة الرأس أو ما عُرف بالمجبى بنسبة 100 بالمئة لترتفع من 36 ريالا إلى 72 ريالا تونسيا مما أدى لاندلاع انتفاضة المجبى العارمة عام 1864م بقيادة علي بن غذاهم والتي اجتاحت معظم مناطق الإيالة وكادت تعصف بالعرش الحسيني.

وفي مفارقة تاريخية تراجيدية كُلفت القيادات العسكرية والسياسية التي قادت فيلق القرم بقمع هذه الثورة الداخلية بالحديد والنار فقاد الجنرال أحمد زروق والجنرال رشيد حملات عسكرية وحشية ضد القبائل الثائرة لجمع الضرائب بالقوة وسداد الديون الأوروبية وخلال الأحداث قُتل قائد الجيش الجنرال فرحات بينما حوصر الجنرال رشيد الذي كان عاملاً على القيروان في دار الأمان واضطر لفتح النار على المهاجمين من أفراد شعبه للدفاع عن موقعه.
أفضى قمع الانتفاضة وتدمير البنية الاقتصادية والزراعية
للبلاد إلى إعلان إفلاس الدولة التونسية رسميا عام 1869 وتشكيل اللجنة المالية الدولية المعروفة بالكوميسيون المالي التي منحت القوى الأوروبية سيطرة كاملة ومباشرة على الموارد المالية والجمركية لتونس وشكل هذا التغلغل الاقتصادي التمهيد المباشر والمنطقي للغزو العسكري الفرنسي عام 1881م وفرض الحماية.
وهكذا فإن المغامرة الجيوسياسية والعسكرية لأحمد باي الأول لإبراز قوة تونس العسكرية أمام فرنسا وحماية سيادتها عبر التضحية بآلاف الجنود في القرم كانت هي ذاتها السبب الجوهري والمالي الذي قاد إلى فقدان تونس لسيادتها بالكامل ووقوعها تحت الاحتلال الفرنسي.
وتكشف المراجعة التحليلية الشاملة لمشاركة الجيش التونسي في حرب القرم بين عامي 1853م و1856م عن جملة من الحقائق التاريخية بالغة الأهمية والدلالة
أولاها إنصاف الجندي التونسي ودحض السردية العسكرية البريطانية التي حاولت تحميل القوات التونسية والعثمانية مسؤولية الكارثة التكتيكية في بالاكلافا وإثبات الصمود البطولي للمدافعين في الروابي الترابية الذين واجهوا قوة روسية تفوقهم بخمسين ضعفا وقدموا تضحيات بشرية هائلة بلغت نصف تعدادهم دون تلقي أي إسناد من حلفائهم الإنجليز.
وثانيتها تكمن في التبعات القاتلة لغياب التخطيط اللوجستي المشترك حيث إن الفشل اللوجستي المتبادل بين باردو وإسطنبول والافتراض الواهم لكل طرف بمسؤولية الآخر عن رعاية وإعاشة البعثة العسكرية قد كلف إيالة تونس ما يقرب من نصف فيلقها الحربي حيث مات الآلاف من الأوبئة والتجمد في معسكرات باطوم والقوقاز الرطبة دون قتال فعلي.
وتتجلى الحقيقة الثالثة في الأثر الاقتصادي التراكمي الكارثي متمثلا في العلاقة السببية المباشرة بين نفقات تعبئة وتجهيز البعثة التونسية والقطع البحرية وبين إفلاس الخزانة الحسينية وهو ما قاد بالتوالي لفرض عهد الأمان والدستور ومضاعفة ضريبة المجبى التي فجرت انتفاضة 1864م وانتهت بتأسيس الكوميسيون المالي تمهيدا لفرض الحماية الفرنسية عام 1881.
وتأتي الحقيقة الرابعة لتعبر عن الخلود الثقافي والسكاني الهجين متجسدا في قرية تونسلار في قسطموني التركية كنموذج فريد للهوية المهاجرة التي ولدت من رحم الحرب حيث ما يزال الأحفاد يحافظون على تراث أجدادهم التونسيين الفارين من صقيع جبال الأناضول رافعين علم بلدهم الأم كشاهد مادي وتاريخي حي على واحدة من أكثر قصص المآسي والبطولات العسكرية إثارة وعمقا في القرن التاسع عشر.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال