بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

جغرافيا الخيانة وصناعة التبعية: مولاي الحسن كنموذج بنيوي للاستقواء بالخارج في المخيال السياسي التونسي.

2026-05-27 77 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
جغرافيا الخيانة وصناعة التبعية: مولاي الحسن كنموذج بنيوي للاستقواء بالخارج في المخيال السياسي التونسي.
في مطلع القرن السادس عشر كان حوض المتوسط يغلي فوق صفيح ساخن كأنه لوح زجاج يتنازعه مِطرقتان. إمبراطورية إسبانية يافعة ومزهوة بذهب العالم الجديد تحت تاج هابسبورغ الذي يرتديه شارل الخامس ودولة عثمانية فتية تمد أجنحتها في الشرق والغرب كقضاء مبرم تحت عمامة سليمان القانوني.
وفي وسط هذا النزاع الكوني كانت تونس الحفصية تشبه ثمرة ناضجة تآكلت من الداخل بفعل الديدان
فقد دبت الخصومات في قصر الحاضرة واعتلى مولاي الحسن العرش على جثث إخوته في مشهد من المشاهد الدموية التي تكررت كثيرا في تاريخ الأسر الحاكم حين تصبح السلطة شبقا لا يرتوي إلا بالدم.
غير أن شقيقا واحدا نجح في الإفلات من تلك المجزرة وهو الأمير رشيد الذي ركب البحر قاصداً خير الدين بربروس وكان هذا البحر نفسه معبراً للتحولات الكبرى.
ولم يكن الود مستقرا بين الحفصيين وقادة البحر من آل بربروس فالغيرة السياسية وحسابات العروش الضيقة كثيرا ما أفسدت ذلك التحالف القديم الذي بدأ بمنح الجزائريين جربة كقاعدة لإغاثة الموريسكيين.
بخل البلاط الحفصي بالبارود والعتاد على المجاهدين فبقيت في النفوس مرارات لا تمحوها الأيام.
وحين استغاث الأمير رشيد ببربروس لم يكن القائد البحرى يرى في الاستغاثة مجرد نجدة لأمير طريد بل مفتاحا لغلق باب المتوسط في وجه الإسبان.
طار بربروس بالخطة إلى الباب العالي في القسطنطينية وعاد في عام 1534 م ليعزل مولاي الحسن ويسقط العاصمة تحت الراية العثمانية. وهنا ارتكب السلطان المخلوع الخطيئة التاريخية الكبرى التي لا تغفرها الذاكرة الشعوب
إذ شد رحاله إلى مدريد مستنجدا بشارل الخامس عارضا عليه أن يبيع سيادة بلاده مقابل تاج هش يعود به إلى قصر القصبة.
التقط شارل الخامس العرض بكثير من الجشع السياسي والمخاوف الاستراتيجية فرأى في تونس العثمانية خنجرا مصوبا نحو صقلية ونابولي.
تحركت الآلة الحربية الهابسبورغية في واحدة من أضخم العمليات البرمائية في ذلك العصر ممولة بفضة البيرو وذهب المكسيك وبشحنات من الجواسيس الذين بثهم نائب ملك نابولي في كل ركن لرصد أنفاس بربروس.
تحرك حشد مهيب يضم ستين ألف مقاتل على متن مئات السفن الإسبانية والفلمنكية والجنوية والبرتغالية تحميهم مدافع ثقيلة صيغت في أرسنال مالقة لتهديم الأسوار.
في المقابل كان بربروس يرابط بثمانين سفينة وحامية عثمانية صغيرة مستندا إلى أسوار حلق الوادي وجدرانها العتيقة.
انطلقت الحملة من برشلونة في حزيران عام 1535 م وحين لاحت السفن كالغربان على شواطئ تونس فرضت حصارا خانقا على حلق الوادي استمر شهرا كاملا.
كان المدافعون يقاتلون باللحم الحي بينما كانت المدفعية الإسبانية تقضم الأسوار قضما حتى تهاوت الدفاعات وانفتح الطريق نحو قلب المدينة.
وفي اللحظة التي كان بربروس يحاول فيها لم أشلاء جيشه لرد الصفعة طعنته المدينة من خلفها إذ انتفض تسعة آلاف أسير مسيحي في أقبية القصبة بعد أن نجح أسير يدعى جعفر في كسر الأغلال وفتح الزنازين.
استولى الأسرى على السلاح وخرجوا ليضربوا ظهر الجيش العثماني بينما أغلق سكان المدينة الخائفون الأبواب في وجه بربروس المنسحب.
وجد القائد الكبير نفسه بين فكي كماشة فلم يكن أمامه سوى شق طريق وسط النيران والانسحاب نحو عنابة ومنها إلى الجزائر تاركا تونس لمصيرها المظلم.
دخلت الجيوش الإمبراطورية تونس العتيقة في أواخر يونيو وكان ذلك اليوم يوافق أيام عيد الأضحى المبارك.
تحول العيد في لحظة خاطفة من بهجة التكبير والأثواب الجديدة إلى مأتم إنساني أسود لم تشهد القارة الإفريقية له مثيلاً.
أطلق شارل الخامس يد جنوده في أزقة المدينة مكافأة لهم فاندفع الرعاع والفرسان كوحوش كاسرة يسلبون وينهبون.
ويحدثنا ابن أبي دينار بكثير من الأسى كيف كان مولاي الحسن يدخل القصبة على أسنة الرماح الإسبانية بينما كانت السيوف تحصد أجساد رعاياه في الأسواق والبيوت.
ثلاثون ألف مدني عزل ذبحوا في الطرقات وعشرة آلاف امرأة وطفل سيقوا كالنوق في أسواق الرق والعبودية وباتت المدينة التي كانت تزخر بالحياة مجرد مقبرة شاسعة تفوح منها رائحة الموت والخيانة.
ولم تكن تصفية البشر كافية للغزاة بل امتدت يد الخراب لتنال من روح المدينة ومعرفتها.
اقتحم الجنود جامع الزيتونة الأعظم ذلك الصرح الذي نافس الأزهر والقرويين وحولوا باحاته ودور العلم المحيطة به إلى إسطبلات لخيولهم وثكنات لجنودهم.
فُتحت خزائن المخطوطات النفيسة التي جمعها السلاطين الحفصيون عبر القرون ومُزقت الكتب النادرة وأُلقيت في الأزقة لتدوسها سنابك الخيل.
وتقول الروايات المأثورة إن أحبار المخطوطات سالت مع مياه الأمطار والدماء فاصطبغت شوارع تونس باللونين الأسود والأحمر في مشهد يلخص نكبة الثقافة العربية وإبادتها المعرفية.
وتتداخل في الذاكرة التونسية نكبتان تشبهان التوأم السيامي فما جرى في عام 1535 م من تشتيت للمكتبات ونقلها كغنائم إلى أوروبا تكرر بصورة أخرى في عام 1573 م في وقعة الجمعة حين قاد دون جوان النمساوي حملة أخرى ربطت فيها الخيول في محراب الزيتونة ونُبش فيها قبر الشيخ سيدي محرز.
ورغم أن ابن أبي دينار كتب عبارته الشهيرة عن إهانة المسجد الأعظم واصفا الوقعة الثانية إلا أن الوجع المشترك دمج الحادثتين في وعي التونسيين كرمز لمأساة واحدة مستمرة تحت سنابك الاحتلال الإسباني.
هذه المخطوطات المنهوبة التي عرفت في الأروقة الأكاديمية الغربية باسم الغنيمة التونسية صارت مفارقة من مفارقات التاريخ إذ تحولت إلى المادة الخام التي تأسس عليها الاستشراق الأوروبي في بداية العصر الحديث.
ومن بين هذه النفائس كان مصحف السلطان أبي عمرو عثمان المذهب الذي نسخه ووقفه ترحما على ولده الراحل فقد نهبه ضابط ألماني يدعى يوهان ماركوارت ودون على حواشيه قصة استيلائه عليه من عاصمة بلاد البربر لينتهي به المطاف في مكتبة فاديانا بسويسرا.
وكذلك كان مصير كتاب الشفاء للقاضي عياض الذي تشتتت مجلداته الأربعة بين متاحف بالتيمور وإسطنبول.
هكذا دُمرت المؤسسات التعليمية الحية في تونس لتبنى على أنقاض كتبها المبعثرة كراسي الدراسات العربية في جامعات أوروبا.
ولم يكد الغبار ينقشع حتى التقى شارل الخامس بمولاي الحسن في ضواحي المدينة في مشهد خلده الرسام يان فيرميين وأسفر اللقاء عن معاهدة حلق الوادي في أغسطس 1535 م. كانت المعاهدة صك عبودية كامل الشروط إذ تنازل السلطان الحفصي عن موانئ بنزرت وعنابة وحلق الوادي للإسبان وفتح البلاد لاستيطان المسيحيين وبناء كنائسهم وأطلق الأسرى دون قيد بل والتزم بدفع تكاليف الحملة وجزية سنوية من المال واثني عشر حصانا ومطلا من الخيول المطهرة يُسلم كل عام لملك إسبانيا كإعلان صريح عن التبعية والذل.
لم تكن فاجعة عيد الأضحى الأسود مجرد معركة خسرها المسلمون بل كانت زلزالا جيوسياسيا غير ملامح الشمال الإفريقي بالكامل.
سقطت هيبة الدولة الحفصية في عيون رعاياها ولم يعد ينظر الناس إلى السلطان إلا كخائن مرتد يحتمي بالصلبان واشتعلت الحروب الأهلية والتمردات التي بلغت ذروتها حين انقلب الأمير أحمد على والده مولاي الحسن فخلعه وسمل عينيه بالنار جزاء وفاقا على خيانته.
ودخلت تونس في نفق مظلم من الكر والفر استمر لعقود تحولت فيه الحواضر الساحلية إلى ثكنات إسبانية هشة تستنزف البلاد. ولم ينته هذا الكابوس إلا في عام 1574م حين أرسل السلطان سليم الثاني أسطولا بحرياً ضخما بقيادة سنان باشا استجابة لنداءات الاستغاثة من الأهالي فطرد الإسبان نهائيا وهدم قلاعهم وأسقط بقايا الأسرة الحفصية المتداعية لتبدأ تونس صفحة جديدة كإيالة عثمانية تبني هويتها السياسية المعاصرة على أنقاض رماد تلك المأساة القديمة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال