بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الفراشيش: كبرياء السهاب العليا و أرض الدّم التي لم تركع

2026-05-31 44 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الفراشيش: كبرياء السهاب العليا و أرض الدّم التي لم تركع
لم تكن السهوب العليا في الوسط الغربي التونسي مجرد جغرافيا قاسية تعصف بها الرياح، كانت مخبأ لروح جماعية متمردة عصية على الترويض والنسيان.
هنا بين تالة والصرين صعودا إلى المرتفعات المتاخمة لتبسة تجذرت كنفدرالية قبائل الفراشيش كواحدة من أعقد البنى السوسيوثقافية في شمال إفريقيا.
إنها حكاية كيان قبلي صاغ وجوده عبر جدلية أزلية بين الترحال والرفض متصديا لكل سلطة حاولت تحويل مجاله الحر إلى مجرد رقعة جبائية أو مقاطعة خاضعة.
تضرب جذور الفراشيش في أعماق العصور القديمة حيث تلتقي اللسانيات الأنثروبولوجية بصدى النصوص اللاتينية. يجمع المؤرخون من تيسو وديل إلى إيف موديران على الربط العضوي بين التسمية الحالية وقبيلة الفريكس (Frexes) الأمازيغية القديمة التي استوطنت الظهير الغربي لإقليم بيزاسينا خلال العصرين الروماني والبيزنطي.
هذا التماثل الصوتي الذي فككه غابرييل كامبس ليس مجرد تشابه عابر بل هو استمرار سلالي لسكان السهوب الأحرار.
وفي القرن 6 الميلادي وتحديدا نحو عام 540 م انفجرت قوتهم الجيوسياسية مع صعود زعيمهم التاريخي أنطلاس.

لم يكن أنطلاس مجرد محارب بل كان مهندس تحالفات قبلية واسعة ضمّت قبائل اللواتيين القادمة من طرابلس ليقود مقاومة شرسة ضد الوندال ثم البيزنطيين.
وتحت قيادته خاض الفريكس معارك غيرت موازين القوى في إفريقية ففي عام 544 م سحقوا الجيوش البيزنطية في معركة سيليوم (الصرين الحالية) وقُتل القائد البيزنطي سولومون وفي عام 547 م أحرزوا نصرا كبيرا في معركة مارتا مما أتاح لهم السيطرة المؤقتة على مدينة حضرموت (سوسة) وتهديد العاصمة قرطاج جاعلين من تالة مركزا لسيادة بربرية مستقلة.
ومع تعاقب القرون تشكلت الهوية الداخلية للقبيلة عبر مزيج من الحقائق التاريخية والمخيال الشعبي الكثيف.
ورغم المحاولات الإثنوغرافية الكولونيالية لبعض الباحثين الفرنسيين في أواخر القرن 19مثل لوسيان برثولون وإرنست فالو لإرجاع أصول الفراشيش إلى الموجات الهلالية العربية ضمن سياسة تفكيك الهويات المحلية إلا أن الوعي الجماعي ظل متمسكا بأصالته.
سجل الباحث تشارلز مونشيكور مأثورا محليا يزعم فيه الفراشيش انحدارهم من نسل قائد يدعى شيش كان ملازما للبطريق البيزنطي جرجير الذي لقى حتفه في معركة سبيطلة عام 647م أثناء الفتح الإسلامي ورغم الطابع الأسطوري لهذه الرواية التي استثنت بطونا مثل أولاد وزّاز وأولاد ناجي إلا أنها تعكس رغبة دفينة في تأكيد العراقة والارتباط المطلق بالتراب.
بل إن الذاكرة المحلية ذهبت أبعد من ذلك في تفسيراتها التأسيسية بربط اسم القبيلة ببلاد ترشيش المذكورة في العهد القديم (سفر التكوين) في محاولة لإضفاء عمق ميثولوجي على مجالهم الجغرافي.
لم يكن للفراشيش أن يحافظوا على هذا العناد التاريخي دون بنية سوسيواقتصادية متماسكة قوامها المشاع فالأرض الرعوية الشاسعة والغابات المحيطة بجبال الشعانبي وجبل السلوم كانت ملكية جماعية تُدار بأعراف صارمة تضمن حق الرعي لجميع العروش دون خصخصة.
وفي الأودية طوّع السكان تقنيات ري تقليدية تعتمد على توزيع مياه الساقية بترتيب تضامني دقيق يحظر بيع الماء أو تملكه مما عزز اللحمة القبلية وحمى الاقتصاد المحلي من الصدمات الخارجية.
هذا التماسك الداخلي انعكس على توازنات القوى والتحالفات الإقليمية في القرون الحديثة حيث انخرط الفراشيش في نظام الصفوف المعقد الذي نظّم الفضاء المغاربي.
انقسمت القبائل التونسية آنذاك إلى حلفين:
صف يوسف الموالي للمخزن وصف شداد (القبائل الباشية) المناهض للتوغل البايلي والذي انتمى إليه الفراشيش رفقة ماجر والمحاميد في مواجهة مباشرة مع خصومهم التقليديين مثل قبيلة الهمامة (في فصة وسيدي بوزيد) وقبيلة الجلاص (في القيروان) إضافة إلى الصراعات الدورية على الحدود التونسية الجزائرية مع كنفدرالية النمامشة حول تبسة.
ولم تكن هذه الصراعات مجرد حروب رعي بل كانت دفاعا مستميتا عن الاستقلال المحلي ضد مخزن باردو الذي كان يصف الفراشيش في تقاريره بالفرقة الضالة التي لا تنصاع للزجر.
تجلت هذه الجدلية الصدامية مع السلطة المركزية في محطات محورية ففي عام 1821 م ورغم توقيع الاتفاقية الحدودية التونسية الجزائرية وفصل قيادة الفراشيش إداريا عن ماجر بعد عقود من الدمج تحت سلطة قائد واحد في سبيطلة ظلت روح التمرد متقدة.
وقاد الكايد غدوم الفرشيشي عصيانا مسلّحا رافضا تسليم عائدات الجباية حتى غدت أراضي القبيلة محرمة على الرحالة الأوروبيين مثل بارث الذين وصفوا السكان بالأحرار الأشداء المتوحشين في استقلالهم.
وفي عام 1853 م تداخلت الصراعات القبلية بالسياسة الحدودية عندما قاد الفراشيش بتحريض من شريف قادم من تونس يدعى عمار بن قديدة هجوما كبيرا على مدينة تبسة الجزائرية لتحدي الوجود العسكري الفرنسي الناشئ والترتيبات الأمنية للباي.
وفي العام الموالي 1854 م بلغت المواجهة ذروتها عندما عيّن الباي شابا من عائلة صميدة كحاكم خارجي على الفراشيش مدعوما بفرقة من فرسان قبيلة دريد الموالية للمخزن.
اعتبر أعيان القبيلة الإجراء إهانة لسيادتهم فباغتوا الموكب الرسمي في اشتباك عنيف أسفر عن مقتل العديد من فرسان دريد وفرار البقية مؤكدين عجز السلطة عن فرض حكام لا ترضى عنهم القاعدة القبلية.
ولم تنكفئ معاركهم داخل مجالهم التقليدي إذ امتدت عملياتهم ضد المخزن لتشمل مناطق بعيدة حيث قاد مقاتلو الفراشيش وحلفاؤهم العمران من ماجر في 2 أكتوبر (أثناء إحدى موجات الرفض الجبائي) معركة عنيفة في تستور ضد باي المحلة علي ولي العهد وقائد المعسكر الحربي المتنقل ورغم انكسار الهجوم بسبب تذبذب بعض الفصائل الحليفة إلا أن العصيان ظل مستمرا.
وتؤكد التقارير الدبلوماسية الفرنسية قيام الفراشيش ليلة 23 24 ديسمبر 1869 م بحشد قوة هائلة بلغت 1300 مقاتل من مشاة أولاد علي لمهاجمة قبيلة أولاد سيدي يحيى بن الطيب.
وحين أطلق علي بن غذاهم الماجري شرارة ثورته العارمة عام 1864 م ضد مضاعفة الأداءات الجبائية (المجبى) سارع الفراشيش إلى إعلان مساندتهم المطلقة وانخرطوا في لواء بيعة الشعب مساهمين بفرسانهم في قطع طرق الإمداد عن جيش الباي وتثبيت الرفض القبلي للضرائب الجائرة.

لكن المحنة الأكبر كانت تتشكل مع زحف الاستعمار الفرنسي عام 1881 م. رفض الفراشيش رسائل الاستسلام الصادرة من البلاط الحسيني وأعلن الحاج حراث بن محمد قائد فخذ أولاد ناجي العصيان المسلح وبادر بالتنسيق الفوري مع قيادات المقاومة حيث شارك في الاجتماع التاريخي الحاسم بجامع القيروان بين 15 و20 جوان 1881 م لتجاوز الخلافات التقليدية وتشكيل مجلس قيادي موحد بزعامة علي بن خليفة قائد نفات.
وتوجت هذه الملحمة بمعركة حيدرة في 18 أكتوبر 1881 م حيث واجه مقاتلو الفراشيش سلاح الفرسان الفرنسي ببسالة متميزين بارتداء أردية حمراء وحمل راية قانية وهو اختيار لوني رمزي يعكس إعلان الحرب حتى الموت في الأعراف الأمازيغية مما ترك انطباعا عميقا في التقارير الحربية الفرنسية رغم نجاح القوات الغازية لاحقا في تجنيد بعض الأدلة (Goumiers) من أوساط القبيلة لاستكشاف الممرات الجبلية الوعرة لصالح طوابير لوجيرو وفيلبير وتشتت الحلفاء نحو الجنوب.
ومع مطلع القرن الجديد تحول اليأس الصامت إلى انفجار دموّي أفرزته مظالم الإدارة الاستعمارية ليتفجر في ربيع عام 1906م ما عرف تاريخيا وشعبيا بخطرة الفراشيش أول انتفاضة ريفية مسلحة تشهدها البلاد منذ الاحتلال.
كانت الانتفاضة نتاج تضافر عوامل مادية بائسة إذ انتزعت سلطات الحماية حوالي 10000 هكتار من أخصب أراضي تالة والصرين لتمليكها للمعمرين وحوّلت الرعاة إلى أجراء مستغلين بالتزامن مع فرض قوانين غابية جائرة أعوام 1885 م و1896 م و1903 م احتكرت بموجبها عشبة الحلفة مورد الرزق الأساسي للقبيلة.
وجاء شتاء 1905–1906 م ليعمق المأساة بجفاف قارس وتراكم للثلوج بارتفاع 2.5 متر مما تسبب في هلاك 9000 رأس من الغنم و9000 رأس من الماعز وانتشار
مجاعة رهيبة اضطرت الأهالي لأكل حشيش التلاغودة البري للبقاء على قيد الحياة وسط تجاهل تام من الإدارة الفرنسية لنداءات الإغاثة.
في هذا المناخ المشحون التقت التعبئة الروحية بالتخطيط السياسي إذ ظهر المرابط الصوفي عمر بن عثمان القادم من الجزائر كالمخلص المنتظر الذي آمن البدو بكراماته وتحالف معه علي بن محمد بن صالح الشيخ القبلي المعزول منذ عام 1891 م والموجع بمرارة الانتقام الشخصي والسياسي من المستعمر.
أقنع القادة الفلاحين بأن ساعة الخلاص قد حانت وبثوا في عقولهم اعتقادا بأن رصاص الفرنسيين سيتجمد ويتحول إلى قطرات ماء عند ملامسة أجسادهم الحرة.
وفي يوم الخميس 26 أفريل 1906م انطلقت جموع البدو المسلحين بالعصي والمدى من عروش أولاد ناجي والكماتة والحنادرة والحراكتة نحو برج المعمر لوسيان سال في خنقة بولعابة (12 كم من القصرين) واستولوا على الأسلحة والخيل وهاجموا مزرعة المعمر برتراند ومساعده الإيطالي صانع الطاحونة حيث خُيِّر الأوروبيون بين الموت أو الإسلام فنطق برتراند بالشهادتين وحُقن دمه بينما رفض الإيطالي فقُتل في الحين واقتيد الأسرى بملابس عربية وأسماء جديدة.
وفي اليوم الموالي الجمعة 27 أفريل 1906 م زحف مئات الثوار مهللين نحو مقر المراقبة المدنية والثكنة العسكرية بتالة لكن الآلة الكولونيالية كانت أسرع إذ استدعت القيادة الفرنسية فصيلا من فوج الصبايحية الجزائري من تبسة لمنع تمدد المقاومة إلى عروش الفراشيش في الماء الأبيض والقبائل الحليفة كالعلاونة وأولاد سيدي يحيى وحصّنت الصبايحية والعمال داخل الأبراج.
وبمجرد اقتراب الثوار من الساحة الكبرى فتحت القوات الفرنسية نيران بنادقها بكثافة لتتساقط الأجساد النحيلة صرعى في مواجهة غير متكافئة أسفرت عن مقتل 3 أوروبيين وسقوط ما بين 12 و15 شهيداً من الفراشيش دُفنوا في قبر جماعي مجهول الإحداثيات لا يزال حيا في الذاكرة الشعبية لأهالي الصرين باسم حفرة الاثناش.

انتهت الانتفاضة ماديا بعد هروب عمربن عثمان وعلي بن محمد نحو أطراف تالة حيث استدرجهم نائب محلي موال لفرنسا وسلّمهم للاحتلال ونُقل المعتقلون إلى سوسة حيث خضعوا لتحقيقات مكثفة استمرت من أفريل إلى سبتمبر 1906 م سعت خلالها النيابة الفرنسية لتجريد الحركة من طابعها السياسي وتصنيفها كقضية حق عام.
وأُحيل 59 متهاً على المحكمة الجنائية بسوسة في 21 سبتمبر 1906 م لتصدر في فيفري 1907 م أحكام قاسية بالسجن والأشغال الشاقة والنفي وتهجير عائلات بأكملها إلى غويانا الفرنسية وتوفي الشيخ عمر بن عثمان في المستشفى العسكري بسوسة في 13 ماي 1907 م متأثراً بظروف سجنه.
ومع نيل تونس استقلالها عام 1956 م بدأت القوة السياسية المستقلة للقبيلة تتلاشى تدريجيا أمام الهياكل الإدارية للدولة الوطنية الحديثة إذ اتبع الرئيس الحبيب بورقيبة سياسة تحديثية صارمة فككت العصبيات القبلية ودمجت السكان في هوية وطنية موحدة.
ورغم اختفاء الكايدوم ونظام المشاع قانونيا إلا أن التوازنات التاريخية بقيت كقوة كامنة وظفتها السلطة المركزية بشكل غير مباشر لتأمين الاستقرار السياسي وتوزيع الولاءات في مناطق نفوذ الفراشيش بالصرين والهمامة بسيدي بوزيد و فصة والجلاص بالقيروان.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال