بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

هندسة الخراب البيداغوجي : كيف طعن الشرفي الهوية التونسية بسكين الإستبداد و باع المدرسة في سوق البنك الدولي

2026-06-27 61 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
هندسة الخراب البيداغوجي : كيف طعن الشرفي الهوية التونسية بسكين الإستبداد و باع المدرسة في سوق البنك الدولي
حينما ارتدت السلطة في تونس خوذتها الجديدة في خريف 1987 لم تكن تبحث عن مجرد بيداغوجيا تلقن الصغار أبجديات القراءة بل كانت تفتش عن ترسانة أيديولوجية تحمي أسوارها من رياح الأصولية القادمة من الشرق.
في هذا المنعطف التاريخي التقت حاجة الديكتاتورية الناشئة الباحثة عن شرعية التحديث بشغف المثقف اليساري المسكون بهاجس صياغة مجتمع على مقاس أطروحته.
ومن هنا ولد مشروع محمد الشرفي لإصلاح المنظومة التربوية كعملية جراحية كبرى في جسد الهوية التونسية قادها رجل جاء من معاقل المعارضة الماركسية اللينينية ليجلس على كرسي الوزارة بين عامي 1989 و1994.

يمثل محمد الشرفي المولود في صفاقس عام 1936 والمتوفى عام 2008 التجسيد التراجيدي للمثقف الذي اعتقد واهما أنه يستطيع استخدام أدوات السلطة لتمرير الأنوار فاستخدمته السلطة كواجهة مدنية وحقوقية لتجفيف المنابع وتصفية الحسابات السياسية. تخرجه من جامعة باريس في القانون الخاص وانخراطه في حركة آفاق المعارضة لنظام الحبيب بورقيبة ثم قيادته للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، كل هذا الرصيد تم توظيفه في صفقة سياسية غير مكتوبة داخل قصر قرطاج.
شخّص الشرفي الأزمة بأنها انفصام في الشخصية التونسية نتيجة التناقض بين دولة حديثة ومناهج تقليدية فمنحه زين العابدين بن علي الضوء الأخضر لتبدأ المعركة الأخطر ليس في الشوارع أو الثكنات بل فوق المصاطب الخشبية للمدارس.
كان التوقيت الجيوسياسي لهذا التعيين شديد الخبث إذ توازى مع نهاية هدنة مؤقتة بين النظام وحركة الاتجاه الإسلامي التي وقعت على الميثاق الوطني عام 1988. نقل النظام المعركة من المربع الأمني العاري إلى الحقل الثقافي والتربوي وغدا الشرفي المهندس الأيديولوجي المكلّف بصياغة عقل تونسي جديد منزوع السلاح العقدي عبر تفكيك المناهج القديمة واستبدالها بهيكل بيداغوجي هجين.
تبلور هذا المشروع هيكليا في القانون التوجيهي عدد 65 لسنة 1991 المؤرخ في 29 جويلية 1991 والذي أرسى ما سمي بنظام التعليم الأساسي الممتد على تسع سنوات دامجا الابتدائي بالإعدادي مع فرض الإلزامية والمجانية. غير أن هذه الهندسة لم تكن نتاج عبقرية محلية خالصة بل كانت استجابة مشروطة لتمويل خارجي ضخم من البنك الدولي عبر قرض بلغت قيمته 90 مليون دينار تونسي جرى توجيهه لإعادة تخطيط الخارطة التربوية وتوفير المستلزمات البيداغوجية.
وهنا تبرز مفارقة لافتة: اليسار الماركسي الذي قضى عقودا يندد بالإمبريالية وشروط المؤسسات المانحة بات هو العراب المخلص لتنفيذ إملاءات البنك الدولي في صياغة عقول ناشئة الدولة المدنية.
وفي الكواليس المعتمة للجان القطاعية المكلفة بصياغة المناهج جرت عملية إقصاء منهجي ومدروس لكل الكفاءات ذات النزوع المحافظ أو التقليدي.
تشير الشهادات والتقارير التربوية إلى تلاعب متعمد بتركيبة هذه اللجان عبر تغيير أعضائها بشكل دوري مريب بحيث لا تستقر الأشغال إلا بين يدي نواة صلبة من اليسار الملمع ببعض الوجوه المنشقة عن الحركة الإسلامية.
أفرزت هذه العزلة الأيديولوجية مناهج قائمة على بيداغوجيا الأهداف التفكيكية التي استبدلت العمق المعرفي والتربوي بقيم كونية مجردة جرى إسقاطها بشكل قسري لا يراعي الخصوصية الثقافية للمجتمع.
القراءة لآثار هذا الإصلاح تكشف عما يمكن تسميته بالأثر التدميري المنظم الذي طال ركائز التعليم العمومي. تجلى ذلك أولا في تجفيف المنابع الدينية وهندسة الاغتراب القيمي حيث سحبت الوزارة كتب التربية الإسلامية للسنتين الخامسة والسادسة من التعليم الابتدائي وعوضتها بكتاب جديد ركز على مسائل الاجتهاد مع حذف بترس استئصالي لكل ما يتعلق بأحكام الميراث والجهاد والخلافة وحد الردة بدعوى أنها تتناقض مع مدنية الدولة.
لكن هذا الاختزال الأيديولوجي المتعجل للمدونة الدينية لم ينتج مواطنين مستنيرين كما بشر الشرفي بل خلق خواء روحيا وفراغا قيميا مرعباً لجيل كامل. وعندما انفتحت الفضاءات الإعلامية والتكنولوجية لاحقا وجد الشباب التونسي نفسه بلا حصانة دينية معتدلة أو بنية عقدية واقية داخل مدرسته العمومية مما جعله صيدا سهلا وسريعا للاستقطاب من قبل الجماعات المتطرفة والفكر الدا.ع.ش.ي العنيف ليكون الحصاد المر للإصلاح العقلاني هو تصدير أكبر نسب من المقاتلين نحو بؤر التوتر.

ولم تتوقف الضربات عند حدود النص الديني بل امتدت لتطال العمود الفقري للعملية التعليمية عبر إغلاق دور المعلمين العليا في سوسة وبنزرت دون توفير قنوات بديلة لتأهيل المدرسين.
كان هذا القرار طعنة قاتلة للعمق البيداغوجي لأساتذة التعليم الثانوي والإعدادي الذين باتوا يدفعون إلى الفصول دون تكوين أكاديمي رصين وهو الخطأ الاستراتيجي الفادح الذي اعترف به الشرفي نفسه في كتابه المعنون كفاحي من أجل الأنوار واصفا إياه بأنه إحدى أكبر الهفوات التي ميزت تجربته وأدت إلى توتر مزمن داخل الإدارات التربوية وسلك التفقد.

بالتوازي مع ذلك وتحت ضغط الكثافة الطلابية المتزايدة التفتت الإصلاحات نحو تخفيض الحصص الدراسية وساعات التدريس الأسبوعية لتكريس منحى كمي بحت. غدا المعيار الأساسي لنجاح المدرسة هو الخفض الآلي والقسري لنسب الرسوب والانقطاع المدرسي لتتحول المؤسسة التعليمية إلى مصنع لإنتاج الأرقام ونسب النجاح الوهمية على حساب التحصيل المعرفي الفعلي. أفرزت هذه السياسة تضخما هائلا في الشهادات الجامعية الجوفاء التي لا تقابلها كفاءة حقيقية في سوق الشغل، مما عمق أزمة البطالة وهيكل الفشل الاقتصادي.
وفي سياق العلمانية القسرية والصراع الرمزي ارتبطت فترة الشرفي بتطبيق حديدي للمنشور 108 الصادر منذ عهد الهادي نويرة والذي يمنع ارتداء الحجاب في المؤسسات التربوية بوصفه لباسا طائفيا.
ورغم توسلات المربين وسلك التفقد للوزير بضرورة إبداء مرونة وتسامح مع الخصوصيات المحلية إلا أن الشرفي تمسك بفرضه مدفوعا برؤيته الأيديولوجية الصارمة.
تحولت المدارس جراء ذلك إلى ساحات للتوجس والتضييق الأمني مما عمق الفجوة النفسية والعداء بين المتعلم والمؤسسة التعليمية التي رآها أداة قمع وإكراه لا فضاء علم ومعرفة.
أما الصدمة الكبرى فكانت في السياسة اللغوية المرتبكة التي كرست تعريبا مبتورا. فبعد السياسات التي قادها الوزير الأسبق محمد المزالي لتعريب مواد كالمنطق والفلسفة والتي انتهت بإقالته عام 1986 جاء الشرفي بهندسة لغوية هجينة أحدثت ارتباكا معرفياً مدمراً إذ قضى قانون 1991 بتدريس العلوم والتقنيات باللغة العربية طوال سنوات التعليم الأساسي التسع ليفاجأ الطالب عند انتقاله إلى المرحلة الثانوية والجامعية بتحول لغة التدريس بالكامل إلى الفرنسية.
هذا الانتقال الفجائي أحدث عجزا بيداغوجيا مزدوجا حيث تخرجت أجيال تعاني من لسان مشلول فلا هم تمكنوا من لغتهم الوطنية الأم ولا هم أتقنوا اللغات الأجنبية والعلوم الحديثة مما جعلهم عاجزين عن المنافسة في الفضاءات المعرفية الدولية.
إذا ما تأملنا المسار التاريخي للتعليم التونسي عبر محطاته الكبرى يتضح حجم الانحدار البنيوي الذي أحدثه منعطف 1991 مقارنة بما قبله وما تلاه. فبينما كانت مرحلة ما قبل 1991 تحت إشراف محمود المسعدي ومحمد المزالي تتميز بسلم تعليمي واضح يتكون من ابتدائي لست سنوات وثانوي لسبع سنوات مع آليات توجيه وتصفية مبكرة وتكوين أكاديمي دقيق في دور المعلمين العليا وسعي تدريجي نحو التعريب مع الحفاظ على الفرنسية جاءت مرحلة الشرفي لتهدم هذا البناء لصالح تعليم أساسي تساعي وتعريب مبتور متبوع بفرنسة فجائية وإلغاء لدور المعلمين وتعويض المضامين الدينية بتربية مدنية كونية جوفاء مع تغليب المنحى الكمي ورفع نسب النجاح شكليا.
هذا الإرث المشوه لم يصمد طويلا أمام ضربات الواقع فسرعان ما تعالت الأصوات الداعية إلى إصلاح الإصلاح ليتم تعويض قانون الشرفي بالكامل بالقانون التوجيهي عدد 80 لسنة 2002 تحت إشراف وزير التربية منصر الرويسي. وعلى الرغم من ادعاء القانون الجديد مواكبة العولمة ورهاناتها الرقمية وتطبيق ما عرف بمقاربة الكفايات إلا أن التدقيق الفكري يكشف أنه حافظ بالكامل على نفس الفلسفة والمبادئ السياسية والأيديولوجية التي وضع حجر أساسها محمد الشرفي. لم تكن التحويرات اللاحقة سوى تعميق للأزمة الهيكلية، وتغطية للعجز بمسميات حديثة، مما أدى في المحصلة إلى مآلات كارثية تجلت في المسوح الدولية؛ حيث تراجعت تونس بشكل حاد ل تحتل المرتبة 65 من أصل 70 دولة في مؤشر بيسا الدولي لتقييم التلاميذ لعام 2015، وهي المرتبة المخجلة التي تتناغم مع استطلاعات الرأي الحديثة التي تؤكد أن نسبة عدم رضا التونسيين عن أداء وجودة منظومتهم التربوية الحالية تتجاوز 70 بالمئة.
آثار السياسة التربوية لمحمد الشرفي تكشف عن مأساة وطن وقعت مدرسته العمومية ضحية لتوظيف سياسي متبادل: سلطة استبدادية غاشمة تبحث عن أمنها ونفوذها عبر تجفيف المنابع ونخبة أيديولوجية يسارية حاولت فرض نموذجها الثقافي والفكري القسري من الأعلى إلى الأسفل باستخدام أدوات الدولة المدنية.
أفرغت شعارات التحديث والتنوير والعقلانية المدرسة من محتواها الأخلاقي والروحي والوطني الأصيل وتحولت القرارات البيداغوجية المتسرعة مثل تخفيض الحصص وفرض الازدواجية اللغوية المتناقضة وإلغاء معاهد التكوين إلى أدوات هدم أفقدت المعلمين كفاءتهم المهنية وجعلت التلميذ مغترباً في وطنه.
هذا السقوط الحر لتونس إلى ذيل الترتيب العالمي في جودة التعليم ليس سوى النتيجة الحتمية والحصاد المر لمنظومة فضلت إدارة المعارك الفكرية وتصفية الحسابات السياسية الحزبية الضيقة على حساب رصانة التخطيط العلمي والتربوي السليم، لتظل المدرسة التونسية تنزف من كرامتها المعرفية حتى اليوم.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال