بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

جمهورية الرصاص والريع: هندسة التحول الرأسمالي وتشريح الأزمات البنيوية في تونس المعاصرة

2026-06-28 46 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
في خريف عام 1969 لم يكن سقوط أحمد بن صالح مجرد تبديل طفيف في قطع الشطرنج البورقيبية أو تراجع تكتيكي عن خيار اشتراكي أثبتت المؤشرات الميدانية عسره بل كان بمثابة عملية تشريح علنية وإعدام أيديولوجي شامل صاغ الهوية الاقتصادية والاجتماعية للدولة التونسية الفتية على نحو عاصف.
هنا انحلت يوتوبيا التعاضد التي امتدت بين عامي 1962 و1969 وتلاشت معها أحلام صغار الفلاحين والعمال في بناء دولة العدالة المجالية لتبدأ على أنقاضها مرحلة التراكم البدائي لرأس المال وولادة نموذج رأسمالي تبعي طفيلي.
ظل بن صالح حتى في أحلك سنوات سجنه ومنفاه يصر على أن تجربته لم تسقط بفشل ذاتي بل جرى إفشالها بدم بارد من داخل بنية النظام البورقيبي نفسه معترفا بمرارة بأن نكبته السياسية نبعت من ثقته المطلقة في كاريزما الرئيس الحبيب بورقيبة واحترامه الأعمى للتراتبية القيادية التي جعلته يساق إلى المقصلة السياسية كبش فداء لتسكين روع الملاك العقاريين والبرجوازية الحضرية الصاعدة.
ارتكز منوال الستينيات على دمج الملكيات الفردية للفلاحين الصغار مع الأراضي الدولية المسترجعة من المعمرين الفرنسيين لتأسيس الوحدات التعاضدية للإنتاج الفلاحي والخدماتي لكن هذا الكيان الهجين حمل بذور فنائه في جوفه.
تحت غطاء الشعارات الاشتراكية البراقة جرى اعتصار الفئات المتوسطة والدنيا التي تحملت العبء الأكبر من الجباية بنسبة بلغت 72.2% من مجمل الإيرادات الضريبية في وقت قفزت فيه الضرائب بنسبة جنونية وصلت إلى 225% بين عامي 1962 و1971.
رافق هذا الحصار الضريبي ركود حاد في الأجور وتراجع حاد في القدرة الشرائية للمواطنين بينما كانت الدولة تغرق في الديون الخارجية التي قفزت من 22.1% من الناتج الداخلي الخام سنة 1961 إلى 43.5% سنة 1970.
هذه المفارقة الصارخة تلتقي مع التشريح السوسيولوجي والسياسي للمفكر سمير أمين في مؤلفه المغرب الحديث حيث تجلى بوضوح أن الاشتراكية الدستورية التونسية لم تكن سوى واجهة تاكتيكية وأداة تاريخية استخدمتها الدولة لتسريع وتيرة التراكم البدائي لرأس المال ممهدة لانتقال منظم نحو الرأسمالية عبر خلق برجوازية دولة مدينية متحالفة مع كبار الملاكين في الريف.
وبعد سقوط التجربة وتجاوز مرحلة انتقالية قصيرة قادها الباهي الأدغم لقرابة عام فسح المجال في نوفمبر 1970 لتنصيب الهادي نويرة الذي قَدِم من دهاليز البنك المركزي التونسي مسلحا بلغة الأرقام الباردة ليعيد هندسة الاقتصاد الوطني على قواعد لبرالية صارمة.
تمثلت الركيزة الأساسية والعمود الفقري لهذه الهندسة الجديدة في تصفية الملكية الاشتراكية وتحويل الأراضي الدولية الفلاحية الخصبة إلى غنائم وشبكات محسوبية. كانت هذه الأراضي قد استرجعت بالكامل من المعمرين
الفرنسيين بموجب قانون الجلاء الزراعي في 12 ماي 1964 وهو التاريخ الذي حمل رمزية وطنية مزدوجة وجارحة إذ جرى توقيع وثيقة التأميم على ذات الطاولة التي شهدت توقيع معاهدة الحماية الفرنسية، معاهدة باردو، في 12 ماي 1881.
وبدلا من أن تظل هذه المساحات الشاسعة قاطرة للتنمية التشاركية جرى تفكيكها بعد عام 1970 وتوزيعها بأثمان بخسة على النخب السياسية والحزبية المقربة من دوائر السلطة وأصهارها في مناخ ساد فيه انهيار أسعار الأراضي الفلاحية.
كشفت تقارير اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الفساد والرشوة بعد عقود أن الرئيسين بورقيبة وبن علي كانا يشرفان بنفسهما على إدارة هذا التوزيع العقاري الريعي.
ولم يتوقف الأمر عند الأراضي الدولية بل امتدت يد التصفية لتطال الأراضي الاشتراكية وهي أراضي القبائل الجماعية في مناطق الجنوب والوسط التي كانت تمسح عند الاستقلال قرابة ثلاثة ملايين هكتار ما يعادل خمس مساحة
البلاد وثلث أراضيها الصالحة للزراعة.
وفي عام 1977 أصدرت الدولة حزمة إجراءات لتحديد هذه الأراضي وترسيم حدودها مكلفة مجالس التصرف بتصفيتها وتحويل سنداتها الجماعية إلى ملكيات خاصة فردية عبر آلية المسح العقاري مما سهل التفويت فيها لصالح المضاربين وكبار الملاكين.
جرد بنيان هذه الأراضي بعد عقود من التفكيك يكشف عن خريطة مرعبة للاستحواذ والتشتيت إذ ظلت هناك 196 ألف هكتار من الأراضي غير المهيكلة تتوزع بين ديوان الأراضي الدولية بواقع 165 ألف هكتار والوحدات التعاضدية ومؤسسات البحث العلمي بينما التهمت شركات الإحياء والتنمية الفلاحية 90 ألف هكتار بموجب قوانين الاستثمار لعامي 1982 و1983.
وجرى تخصيص 55 ألف هكتار كمقاسم فلاحية للفنيين
والإطارات العليا و30 ألف هكتار للفلاحين الشبان والعملة القدامى في حين سُوغت 32 ألف هكتار من القطع المشتتة للخواص لمدد طويلة وتوزعت 38 ألف هكتار بين الغابات وأراضي التعويضات وبقيت 59 ألف هكتار تحت تصرف ديوان الأراضي الدولية بصفة مؤقتة في انتظار إعادة الهيكلة.
هذا الفتيت العقاري أدى إلى إقصاء صغار الفلاحين والعملة الزراعيين الذين جردوا من حقوق التصرّف التاريخية وتحولوا إلى عمال مياومة بأجور زهيدة.
ومع استحداث مجلة الاستثمارات الفلاحية لسنة 1982 وقانون 4 مارس 1983 لبعث شركات الإحياء تمكنت اللوبيات المتنفذة عبر شبكات الفساد من تغيير صبغة مساحات واسعة من هذه الأراضي الخصبة من فلاحية إلى عقارية لدمجها في مشاريع سكنية وسياحية كبرى حققت منها أرباحا طائلة على حساب الأمن الغذائي للبلاد.
بالتوازي مع هذا النحر العقاري صاغ الهادي نويرة قانون عدد 38 لسنة 1972 المؤرخ في 27 أفريل 1972 المتعلق بإحداث نظام خاص بالصناعات التي تنتج للتصدير ليكون الأداة التشريعية الأكثر تأثيرا وتخريبا في تاريخ تونس المعاصر.
أرسى هذا القانون نظام التصدير الكلي أوف شور محولا البلاد إلى منطقة حرة غير مقيمة تقدم امتيازات ضريبية وجمركية استثنائية للمستثمرين الأجانب مقابل استغلال اليد العاملة المحلية الرخيصة.
أعفت هذه الترسانة التشريعية المؤسسات المصدرة بالكامل من الأداءات الجمركية على المعدات والمواد الأولية المستوردة وقدمت إعفاءات ضريبية طويلة الأجل على الأرباح مترافقة مع دخول اتفاق التعاون التجاري مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية حيز التنفيذ ليرسخ تحرير التبادل وإزالة العوائق أمام السلع المصنعة أوروبيا.
انطوت فلسفة نويرة اللبرالية على مفارقة عميقة ومدمرة فبينما كانت الدولة في عهد بن صالح تخلق نسيجا صناعيا وطنيا متكاملا عبر مؤسسات عمومية كبرى في قطاعات الفولاذ والسكر وتكرير النفط والحلفاء والفسفاط لتقود قاطرة التنمية بشكل عمودي متوازن اتجه نويرة نحو استقطاب الاستثمارات الخارجية المباشرة لإنشاء صناعات خفيفة تعتمد على المناولة الجمركية وإعادة التصدير دون خلق أي روابط خلفية أو أمامية مع النسيج الصناعي المحلي.
وترافق ذلك مع صناعة طبقة من رجال الأعمال المحليين الطفيليين والوكلاء عبر التحفيزات والتمويلات البنكية الميسرة مما سمح لإطارات إدارية بالانتصاب للحساب الخاص في قطاعات الفندقة والسياحة والنسيج ومناولة كابلات السيارات والمصنوعات اللدائنية.
أنتج هذا النموذج تشوهات بنيوية مريعة فصناعات المناولة تحولت إلى أنشطة شبه ريعية ترتبط عضويا بتوريد المواد الأولية وشبه المصنعة لإعادة تصديرها بعد عمليات تشغيل نهائية بسيطة كخياطة الملابس الجاهزة مما جعل تونس عاجزة عن امتلاك قاعدة إنتاجية مستقلة تحميها من الهزات العالمية.
كما كرس هذا المنوال تفاوتا مجاليا وطبقيا حادا إذ تركزت المشاريع السياحية والصناعية في الشريط الساحلي الشرقي للاستفادة من البنية التحتية والموانئ والمطارات بينما ظل الداخل التونسي والمناطق المنجمية مجرد خزانات خلفية لاستنزاف اليد العاملة والمواد الخام دون نيل أي نصيب عادل من عوائد النمو الاقتصادي الذي سجل في تلك العشرية معدلات قياسية فاقت 7% سنويا لكنها صبت بالكامل في جيوب قلة من المحظوظين المقربين من السلطة وأصهارها.
في خضم هذا التحلل البنيوي بدأت الجبهة القومية في التفكك ووقع الطلاق المأساوي بين رفاق الأمس.
لعب الحبيب عاشور الأمين العام التاريخي للاتحاد العام التونسي للشغل دورا حاسما في تثبيت أركان النظام البورقيبي منذ فجر الاستقلال مساندا الرئيس في معاركه السياسية الكبرى لا سيما في مؤتمر صفاقس عام 1955 لحسم الصراع ضد صالح بن يوسف.
وتجلى هذا التحالف التاريخي في مؤتمري الحزب الحاكم بالمنستير عامي 1971 و1974 حيث اصطف عاشور مع ثنائي بورقيبة ونويرة لإقصاء المعارضة الدستورية الليبرالية والمطالبين بالإصلاح السياسي مما أثار تحفظات القواعد النقابية الحريصة على استقلالية المنظمة الشغيلة.
وعقب أزمة الستينيات عاد عاشور لقيادة الاتحاد سنة 1971 بدعم مباشر من الرئاسة وتوجت هذه العلاقة التوافقية بإبرام الميثاق الاجتماعي في 19 جانفي 1977.
أشرف نويرة بنفسه على صياغة هذا الميثاق كصيغة تعاقدية خماسية تجمع الحكومة بالمنظمات الوطنية الثلاث لضمان السلم الاجتماعية ومنع الإضرابات طيلة فترة المخطط التنموي الخامس بين عامي 1977 و1981 مقابل ترفيع تدريجي للأجور ومراجعتها سنويا وفق مؤشرات التضخم والإنتاجية.
دافع عاشور بقوة عن هذا الميثاق في مؤتمر الاتحاد الرابع عشر في مارس 1977 مجددا ولاءه المطلق لنهج بورقيبة وتصديه لمحاولات التشكيك الديمقراطي واليساري في خيارات الحكومة.
لكن هذه الهدنة المؤقتة سرعان ما تهاوت في غضون ستة أشهر بفعل تداخل العوامل المعيشية والطبقية والتصفيات السياسية إذ قادت سياسات الانفتاح والتضخم إلى تآكل قيمة الأجور بشكل حاد حيث كان الدخل السنوي لنصف الشعب التونسي يقل عن 100 دينار بينما انحصر الدخل السنوي المرتفع الذي يفوق 400 دينار في حدود 5% فقط من المحظوظين ورجال الأعمال مما جعل القواعد العمالية ترفض الالتزام بالميثاق الاجتماعي وتتهم المركزية بالخضوع لإملاءات السلطة.
تزامن ذلك مع تسييس العمل النقابي ففي ظل خنق الحريات العامة وتصفية الصحف والمعارضة السياسية تحول الاتحاد العام التونسي للشغل إلى الحصن والمظلة شبه الوحيدة المتاحة للنشاط السياسي والتعبير الديمقراطي واليساري وضغط هذا الوعي الطبقي والسياسي المتنامي بدعم من نقابات المعلمين والأطباء وأساتذة التعليم العالي لدفع عاشور نحو القطيعة مع خيارات نويرة اللبرالية.
ولم تتأخر المؤشرات الدموية والتصفيات إذ شهد خريف 1977 تصاعداً كبيراً في العنف الحزبي الموجه ضد النقابيين
وتكشف الشهادات التاريخية عن مخطط لاغتيال الحبيب عاشور سنة 1977 خطط له مبروك الورداني أحد الفاعلين المتورطين في تصفية صالح بن يوسف بالمنفى سنة 1961 والذي أشهر مسدسه في فندق بسوسة مهددا بتصفية عاشور بذات السلاح مما أثار ذعرا نفسيا وسياسيا كبيرا لدى القيادة النقابية وعجل بإعلان الطلاق التام مع السلطة.
لم يكن هذا الصراع المتفاقم معزولا عن كواليس صراع الخلافة الرئاسية وعسكرة السلطة داخل أروقة قصر قرطاج المغلق. فخلال خريف عام 1976 تدهورت الصحة النفسية والعصبية للرئيس بورقيبة بشكل حاد حيث عانى من نوبات انهيار واضطرابات كآبة وهلوسة متكررة جعلته ينعزل كليا عن محيطه ولا يستقبل إلا دائرة ضيقة من المقربين.
وفي هذا المناخ المتأزم انقسمت الدولة إلى معسكرين يستبقان إعلان شغور منصب الرئاسة جناح نويرة والصياح المتشدد الذي تشبث بالقبضة الأمنية المطلقة لحماية النموذج الاقتصادي وخيار التوريث الدستوري لنويرة مدعوما بمحمد الصياح مدير الحزب الاشتراكي الدستوري وعبد الله فرحات وزير الدفاع الوطني وجناح وسيلة بورقيبة الإصلاحي والمناور الذي قادته سيدة تونس الأولى وسيلة بن عمار بالتوافق مع وزير الداخلية الطاهر بلخوجة وأحمد بنور كاتب الدولة للأمن الوطني.
سعت وسيلة لإضعاف جبهة نويرة وعزل الصياح عبر استخدام أجهزة تنصت سرية زرعتها داخل قصر قرطاج لمعرفة كواليس تحركات خصومها ومال هذا الجناح إلى مهادنة الاتحاد العام التونسي للشغل وتفادي الصدام الدموي معه.
تداخلت الخيوط الإقليمية مع الصراع الداخلي عندما قام الحبيب عاشور بزيارة رسمية إلى الجماهيرية الليبية في صيف 1977 حيث استقبله معمر القذافي بحضور محمد المصمودي وزير الخارجية السابق والخصم اللدود للهادي نويرة ومصمم وحدة جربة الفاشلة عام 1974.
اعتبر نويرة هذه الزيارة وعودة المصمودي اللاحقة جزءاً من مؤامرة إقليمية مبيتة مدعومة من القذافي والجزائر للإطاحة بحكومته كما عمق تخوف بورقيبة المرضي من المعسكر الشرقي والتدخل السوفياتي من تبعية النظام للغرب إذ رفض بورقيبة بشكل قاطع عروض شراء السلاح الروسي قائلا بوضوح لا سبيل إلى السلاح الروسي إنهم قد يبيعون السلاح لكنهم يبتزون بقطع الغيار والاتحاد السوفياتي سينهار حتما ونحن نفضل سلاح الأصدقاء الغبريين.
بلغت الأزمة ذروتها في 23 ديسمبر 1977 عندما ألقى وزير الداخلية الطاهر بلخوجة خطابا مهادنا في البرلمان أغضب الهادي نويرة فتدخل بورقيبة بإيعاز من جناح نويرة والصياح وأصدر قرارا بإقالة بلخوجة ومحاصرة مكتبه وتلفيق تهم التآمر والخيانة له.
اعتبر الوزراء الليبراليون محمد الناصر والمنصف بلحاج عمر وعزوز الأصرم هذه الخطوة إعلانا رسميا للحرب فقدموا استقالات جماعية من الحكومة زادت من قناعة الاتحاد بأن السلطة تتجه نحو الخيار الأمني والعسكري الشامل.
ولفرض الهيمنة البوليسية الكاملة أجرى النظام تعيينات حاسمة عشية المواجهة إذ تسلم عبد الله فرحات وزير الدفاع مقاليد وزارة الداخلية لربط قوات الأمن بالقيادة العسكرية للجيش الوطني وعُين العقيد زين العابدين بن علي الملحق العسكري السابق في المغرب ومدير الأمن العسكري مديرا عاما للأمن الوطني برتبة كولونيل مستعينا بنفوذ صهره الجنرال الكافي لتكتمل أركان الماكينة القمعية.
في 10 جانفي 1978 قدم الحبيب عاشور استقالته رسميا من الديوان السياسي للحزب الحاكم وفي 22 جانفي قررت الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد شن إضراب عام إنذاري لمدة 24 ساعة يوم الخميس 26 جانفي احتجاجا على الاعتداءات الميليشياوية واعتقال كاتب عام صفاقس عبد الرزاق غربال. انطلق الإضراب العام وسط استنفار أمني وعسكري غير مسبوق ليتحول ذلك اليوم إلى مسرح لمجزرة الخميس الأسود الدموية والمروعة حيث جرى تشريح جسد الشغيلة التونسية بالرصاص الحي في شوارع العاصمة ومدن الحوض المنجمي والساحل والجنوب.
في بطحاء محمد علي وشارع فرنسا بوسط العاصمة تجمع آلاف العمال والنقابيين في الساحة المقابلة لمقر الاتحاد رافعين شعارات اجتماعية وسياسية حادة من بينها يد العامل والفلاح أقوى منك يا صياح وخبز وماء ونويرة لا.
طوقت قوات الأمن والشرطة المعروفة بـ BOP الأسواق والساحات وبدأت الاشتباكات برشق الحجارة والغاز المسيل للدموع ومع تدفق مئات الشبان من أزقة المدينة العتيقة تقدمت وحدات من الجيش يرتدون الزي القتالي الكامل حاملين أسلحة آلية حية وفتحت القوات الأمنية والعسكرية النار العشوائي وسقط عشرات الضحايا على عتبات نهج فرنسا ونهج باب الجزيرة من بينهم مساح أحذية مسن أصيب برصاصة قاتلة في الرأس أثناء ممارسته عمله اليومي دون علمه بظروف الإضراب.
وفي مستودع حافلات باب سعدون شكل عمال الشركة الوطنية للنقل لجنة دفاع لحماية المستودع ومنع خروج الحافلات العسكرية لتأمين العمل القسري وتحصنوا خلف الحافلات وبراميل البنزين وزيوت المحركات فحلقت مروحيات عسكرية تابعة للجيش وأنزلت مظليين مدربين على قمع التمرد وفتحوا النار العشوائي لتفريق العمال المتجمعين مما أسفر عن سقوط ثلاثة عمال قتلى على الفور واشتعال النيران في البنزين المنسكب واحتراق الحافلات والممستودع بالكامل.
أما في حي الملاسين والأحياء الشعبية الحزامية فقد شهدت المنطقة هجمة عسكرية قمعية عنيفة حيث قامت مروحيات عسكرية بقيادة وإشراف زين العابدين بن علي بعمليات قنص عشوائي من الجو استهدفت شبانا وصبية يلوذون بالفرار وداهمت قوات الصاعقة المنازل وأطلقت الرصاص الحي على العائلات من مسافات قريبة وردا على هذا العنف قام متساكنو حي الملاسين بمحاصرة عوني أمن وقطع رأسيهما انتقاما لقتلاهم العزل.
وفي الكبارية والوردية ولا كانيا أغلق السكان الطرق الرئيسية المؤدية للعاصمة ونظموا لجان دفاع لمنع مرور السيارات الفاخرة التي فرضوا عليها جزية عبور لتأمين مبالغ مالية وأضرم الشبان النار في سيارات الشرطة ومقرات الشعب الحزبية واشتبكوا بالأسلحة البيضاء مع الميليشيات المسلحة للحزب الدستوري.
وفي المنطقة الصناعية ببن عروس وبير القصعة تجمع عمال السكك الحديدية والنسيج والمعادن لدعم مسيرات العاصمة ففتحت آليات الجيش الرصاص الكثيف أمام مقر معمل بير القصعة للنسيج مما أدى إلى استشهاد العامل عبد الله بوزيان. وفي حالة غضب عارم هاجم العمال والطلبة مبنى بلدية بن عروس ومكتب القباضة المالية وشعب الحزب وقاموا بإحراقها بالكامل وأمسكوا بضابط مسؤول عن إطلاق النار وقاموا بحرقه حيا وإلقاء جثته المتفحمة على سكة القطار.
تواصلت مأساة الخميس الأسود في الساعات والأيام اللاحقة عبر حملة اعتقالات شملت آلاف العمال والنقابيين والطلبة واقتيدت القيادات النقابية إلى أقبية وزارة الداخلية ومكاتب أمن الدولة حيث تعرضوا لتعذيب منهجي وحشي أشرف عليه زين العابدين بن علي شخصيا.
وقضى تحت التعذيب عدد من الرموز النقابية والشبابية من أبرزهم الزعيم الطلابي حمادي زلوز الذي صعق بالكهرباء في رأسه حتى الموت والنقابي سعيد قاقي الذي تعرض لتنكيل بدني عنيف داخل زنزانته وتقييد يده إلى السرير وحرمانه من العلاج حتى وفاته متأثرا بجراحه في جانفي 1979. ولمحاكمة القيادة وتشويه مسار الحركة الاجتماعية أحالت السلطة 30 عضوا من المكتب التنفيذي للاتحاد برئاسة الحبيب عاشور على محكمة أمن الدولة التابعة فعليا لمدير الحزب محمد الصياح ووجهت لهم تهم جاهزة بالتآمر ضد أمن الدولة والنهب والتخريب الممنهج لقلب النظام الدستوري ورغم مطالبة الادعاء العام بتسليط عقوبة الإعدام
قضت المحكمة في أكتوبر 1978 بأحكام شاقة مختلفة شملت الحكم على عاشور بالسجن لمدة 10 سنوات مع الأشغال الشاقة.
بذلت حكومة الهادي نويرة جهودا دعائية وبلدية مكثفة للتستر على حجم المجزرة إذ قامت شاحنات البلدية بغسل شوارع العاصمة وبطحاء محمد علي وباب الخضراء بالخراطيم والبلدوزرات لإزالة آثار الجثث والدماء والزجاج المتناثر وإخفاء معالم الجريمة فجر الجمعة وصادرت الأجهزة الأمنية أعداد الصحافة المستقلة ومنعت تداولها لقمع أي قائمة حقيقية لأعداد الوفيات مما أنتج تضاربا صارخا في الأرقام وحصيلة الضحايا بين الروايات الحكومية الرسمية والتقديرات المستقلة.
فبينما اعترفت الحصيلة الرسمية للحكومة بسقوط 51
قتيلا و365 جريحا بعد أن نشرت في أول الأمر مقتل 46 ثم عدلت الرقم في صحيفة العمل الحزبية تشير الأرقام الأمنية الداخلية المسربة من أحمد بنور إلى تصفية 56 مدنيا وعسكريا في تقديرات سرية لأجهزة الأمن الداخلي.
ومن جهتها كشفت وثائق ويكيليكس عبر برقية مولكاهي السرية الصادرة عن السفارة الأمريكية أن الرقم تخطى 70 قتيلاً بعد رصد 22 قتيلا في الساعات الأولى.
وفي المقابل أكدت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان سقوط قرابة 200 قتيل بناء على إفادات العائلات وتعدادات ميدانية تجاوزت بكثير الأرقام الحكومية في حين ذهبت المركزية النقابية والشغيلة للاتحاد إلى تقدير الحصيلة بما بين 300 و400 قتيل و3000 معتقل وموقوف في العاصمة ومدن الحوض المنجمي والساحل.
أما البحث الأكاديمي المستقل فقد وثقت الباحثة سلمى الزغيدي سقوط 61 قتيلا بالاعتماد حصرا على سجلات مستشفيي الرابطة وشارل نيكول بالعاصمة مما يرجح ارتفاع الرقم وطنيا ليفوق كل التوقعات الرسمية المعلنة.
شكلت مأساة 1978 النموذج البنيوي والمختبر الأولي لكل المواجهات اللاحقة التي ميزت علاقة الشارع التونسي بالأنظمة الحاكمة إذ تكرر المشهد ذاته في انتفاضة فصة عام 1980 التي قادتها حركة جبهة تحرير تونس وأسفرت عن سقوط 47 قتيلا شملت 25 عسكرياً و22 مدنياً كاشفة عن هشاشة عميقة في بنية النظام البورقيبي.
وتطابقت الترساة القمعية والإعلامية ذاتها في انتفاضة الخبز بين ديسمبر 1983 وجانفي 1984 التي فجرها قرار حكومة محمد مزالي رفع الدعم عن منتجات الحبوب بضغط من صندوق النقد الدولي مما تسبب في مضاعفة أسعار الخبز والمعجنات بنسبة 110% وسقوط مئات الضحايا.
وفي غمرة أحداث 1984 استهدفت الأجهزة الأمنية شبان الأحياء الشعبية الحزامية كحي الملاسين لتلفيق تهم التخريب وسجنهم دون أدلة ملموسة وصدرت أحكام بالإعدام شنقا ضد خمسة شبان من بينهم حسن السنوسي الذي كان يبلغ من العمر 16 سنة ونصف والملقب بكلب السبخة لتشويه سمعته إعلاميا وصناعة صورة مجرم خطير منه.
ولم تنجح اللجنة الوطنية لمناهضة عقوبة الإعدام في ثني رئيس الوزراء الصارم محمد مزالي عن تجميد الأحكام لفرض هيبة الدولة إلا أن تدخل وسيلة بورقيبة ومناشدات المنظمات الدولية أثمرت عفوا رئاسيا من بورقيبة حول العقوبة إلى السجن المؤبد، وجاء موقف وسيلة بورقيبة كجزء من صراع أجنحة لتشويه مصداقية غريمها مزالي وإضعاف شرعيته السياسية مما يؤكد من جديد أن دماء الشغيلة والأحياء الهامشية كانت توظف كوقود في معارك الخلافة والقصر.
يكشف التشريح السوسيولوجي والاقتصادي لمنعطف السبعينيات التونسية أن نموذج الدولة الريعية الأمنية لم يكن نتاج الصدفة السياسية بل كان بناء هيكليا متكاملا صُمم بدقة لخدمة تحالف ثلاثي وثيق بين البيروقراطية السياسية الحاكمة والقبضة الأمنية المتعاظمة والريع المالي للبرجوازية الوكيلة المرتبطة برأس المال الأجنبي وهو التحالف الذي أنتج تشوهات عميقة حددت مسار تونس المعاصر عبر أربع ركائز رئيسية أولها عسكرة الشأن العام وشرعنة القمع العسكري بزج الجيش التونسي بقوته القتالية الكاملة ضد مواطنين مدنيين عزل وشرعنة استخدام الأسلحة الثقيلة لحراسة خيارات الأقلية المالية المسيطرة وثانيها تدجين المنظمة الشغيلة وعقب تفكيك القيادة الشرعية وسجنها نجح النظام في تحويل الاتحاد العام التونسي للشغل مرحليا من قوة نقابية سياسية قادرة على صياغة مشاريع تنموية بديلة إلى هيكل تكنوقراطي يفاوض دوريا حول زيادات مادية محدودة في الأجور مما سمح بتمرير السياسات النيوليبرالية والتقشفية وإملاءات الهياكل النقدية الدولية دون مقاومة حقيقية وثالثها تعميق نموذج المناولة التبعي حيث كرّس قانون أفريل 1972 زواج مصلحة غير متكافئ دمر النسيج الصناعي الوطني وحول تونس إلى مستودع لليد العاملة الرخيصة والنشاط الفلاحي الموجه كليا للتصدير على حساب تحقيق الأمن الغذائي والتكامل التكنولوجي ورابعها تأصيل الفساد العقاري والريعي بشرعنة بيع وتفويت الأراضي الدولية الفلاحية وتصفية الأراضي الاشتراكية لخلق فئة من الملاك العقاريين والمستثمرين الطفيليين الذين نموا على أنقاض التعاضديات المفككة مستندين إلى حماية الأجهزة الأمنية.
إن محاكمة نقابيي 1978 وتشويه شبان الملاسين عام 1984 وظل محكمة أمن الدولة المهيمن كانت المختبر الحقيقي الذي صيغت فيه تشوهات تونس في عهد بن علي وظلت هذه الأزمات البنيوية تتراكم لتشكل الوقود الفعل للإحباط الجمعي التونسي المعاصر الذي لم يجد فكاكا من الانفجار المتتالي في الهبات الشعبية المعاصرة بحثا عن الخبز والحرية والكرامة الوطنية.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال