بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

جهاز التفقد البيداغوجي: بين لاهوت التنظير وتصدّع البنية – قراءات نقدية في المدرسة التونسية

2026-02-11 126 قراءة مقالات بحوث سمير سعدولي
تقديم: حين يصبح السؤال خطرًا

يُقدَّم التفقد البيداغوجي في الخطاب الرسمي التونسي باعتباره ممارسة مرافِقة، تقنية، ومحايدة، هدفها تحسين التعلمات وتجويد الأداء المهني. غير أنّ هذا التقديم ذاته يمثّل جزءًا من الإشكال، إذ يُخفي البعد السلطوي للتفقد خلف لغة بيداغوجية ناعمة، ويحوّل السلطة إلى «إجراء»، والضبط إلى «مرافقة».
إنّ اختيار تسمية «جهاز التفقد البيداغوجي» ليس اختيارًا لغويًا، بل موقفًا تحليليًا. فالجهاز، كما بلوره فوكو، هو شبكة من الخطابات، القوانين، الممارسات، الطقوس، وأشكال الشرعنة التي تُنتج السلطة وتعيد توزيعها داخل المؤسسة (Foucault, 1977).
وفي السياق التونسي، لا يمكن فصل التفقد عن تاريخ الدولة المدرسية المركزية التي تشكّلت منذ القانون المدرسي لسنة 1964، حيث ارتبطت وظيفة التفقد منذ نشأتها بمنطق الضبط والتوحيد أكثر من منطق التكوين والمرافقة (وزارة التربية، 1964).
لا ينطلق هذا المقال من عداء للتفقد ولا من شيطنة المتفقدين كأفراد؛ فالكثير منهم مهنيون ومتخصصون يسعون لدعم المدرّسين وتحسين الممارسة الصفية. بل الهدف مساءلة الجهاز بوصفه بنية مؤسساتية تشتغل داخل مدرسة مأزومة، وتُمارس سلطة رمزية غالبًا ما تُقدَّم باسم المهنية والمعرفة العلمية. فحين يُصبح السؤال مصدر ريبة، والنقد دليل «عدم جاهزية»، نكون إزاء جهاز لا يرافق بقدر ما يُقنّن الطاعة.


1. لاهوت التنظير… حين تُقدَّس البيداغوجيا

أخطر ما في جهاز التفقد البيداغوجي ليس سلطته الإدارية، بل خطابه. خطاب يحوّل النظريات البيداغوجية إلى مسلّمات، والمقاربات إلى عقائد، والمفاهيم إلى نصوص مغلقة. هنا لا نكون أمام علم تربية حيّ، بل أمام لاهوت بيداغوجي يُطالب المدرّس بالامتثال لا بالفهم، وبالتطبيق لا بالمناقشة.
هذا ما نبّه إليه محمد بوبكري في نقده للإصلاحات التربوية في تونس، حين أشار إلى تحوّل الخطاب البيداغوجي الرسمي إلى خطاب معياري يفرض نماذج جاهزة دون اعتبار للسياقات المدرسية الفعلية (بوبكري، 2015).
في هذا السياق، تُستدعى النظرية لا لفهم الواقع، بل لإدانته: يُدان المدرّس لأنه «لم يحترم المقاربة»، لا لأن التعلّم لم يتحقّق.
يحذّر باولو فريري من هذا الانزلاق حين تتحوّل البيداغوجيا إلى خطاب فوقي يُفرَض باسم العلم، ويُلغي الوعي النقدي للفاعل التربوي (Freire, 1974).
وهكذا يتحوّل التنظير من أداة تحليل إلى سلطة رمزية، ومن مرجع إرشادي إلى أداة تقويم، وهو ما وصفه برنار شارلو حين تفقد المعرفة بعدها العلاقي وتُختزل في معايير حكم وتصنيف (Charlot, 1997).


2. التفقد كطقس مؤسساتي – مقاربة أنثروبولوجية

من منظور أنثروبولوجي، لا يمكن فهم التفقد البيداغوجي خارج منطق الطقس.
زيارة التفقد ليست ممارسة بيداغوجية خالصة، بل مسرح مؤسساتي مكتمل الشروط: زمن استثنائي، توتّر عام، إعداد مسبق، درس «نظيف»، وسردية جاهزة عن القسم.
هذا الطابع الطقوسي حاضر بقوة في المدرسة التونسية، حيث تُعاد صياغة الفعل التربوي مؤقتًا لإرضاء النظرة السلطوية، لا لتحسين الممارسة الفعلية. وهو ما يلتقي مع تحليل إرفينغ غوفمان حول «إدارة الانطباع» داخل المؤسسات (Goffman, 1959).
في هذا الطقس، لا يُقاس العمل التربوي في امتداده الزمني، بل في لحظة احتفالية تُختزل فيها سنة دراسية كاملة في خمسين دقيقة.
وقد نبّه المنصف الجلاصي إلى هذا الانفصام بين «المدرسة المعروضة» و«المدرسة المعاشة»، حيث تصبح الممارسة التربوية مسرحًا للامتثال لا فضاءً لبناء المعنى (الجلاصي، 2018).
بهذا المعنى، يشتغل جهاز التفقد لا على الواقع المدرسي، بل على تمثيله، وهو ما يجعله عاجزًا عن التقاط الزمن التربوي الطويل والمعقّد، كما بيّن فيليب بيرنو في تحليله لمحدودية التقييم اللحظي (Perrenoud, 1994).


3. تصدّع البنية… التفقد داخل مدرسة مأزومة

يعمل جهاز التفقد داخل مدرسة تونسية تعاني اختلالات بنيوية واضحة: اكتظاظ، فقر، هشاشة اجتماعية، برامج مثقلة، وزمن مدرسي مضغوط. ومع ذلك، يتصرّف الجهاز كما لو أنّ الخلل فردي، وكأنّ المدرّس هو المتغيّر الوحيد القابل للمساءلة.
هذا المنطق يتجاهل ما أكدته السوسيولوجيا التربوية، كما يتجاهل ما وثّقته تقارير وطنية حول التعليم في تونس، والتي تُبرز بوضوح أثر العوامل الاجتماعية والاقتصادية في نتائج التعلّم (INS).
وقد بيّن عبد اللطيف الهمامي أنّ المدرسة التونسية تعكس اختلالات المجتمع أكثر مما تُنتج حلًّا لها، وأن تحميل الفاعل التربوي وحده مسؤولية الفشل هو تبسيط مخلّ (الهمامي، 2010).
في هذا السياق، يصبح التفقد جزءًا من الأزمة حين يُطالب بالنتائج دون شروط، ويُقيّم الأداء بمعايير مجرّدة لا تأخذ بعين الاعتبار البنية المدرسية المتصدّعة.


4. العنف الرمزي وتطبيع الخوف:

لا يمارس جهاز التفقد عنفًا مباشرًا في الغالب، لكنه يُتقن العنف الرمزي:
لغة تقريرية قاطعة، أحكام غير قابلة للنقاش، توصيات تُقدَّم كحقائق مهنية، وصمت مفروض باسم «الاحتراف».
هذا الشكل من الضبط الرمزي حاضر بقوة في الثقافة الإدارية التربوية التونسية، حيث تتحوّل الوثيقة والتقرير إلى أداة سلطة، لا إلى أداة تفكير.
للأسف، تُترجم هذه السلطة أحيانًا إلى أفعال عنف حقيقي، كما حدث مؤخرًا حين تعرّضت إحدى المعلمات لهرسلة حادة من قبل متفقد، وصلت حدّ إصابتها بجلطة. الحادثة، التي تداولها الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، ليست استثناءً فرديًا، بل تكشف عن الوجه المظلم للجهاز حين يُستخدم كأداة ضغط رمزي وجسدي، ويُثبت كيف يمكن للخطاب البيداغوجي أن يتحول إلى سلطة مدمّرة (مصادر إعلامية، 2026).
مع ذلك، لا يمكن أن نعمم هذه التجارب على كل المتفقدين؛ فالكثير منهم مهنيون يقدّمون دعمًا حقيقيًا للمدرّسين ويساهمون في تحسين التعلمات. لكن هيكل الجهاز ككل، في صيغته الحالية، يمكن أن يُنتج هذه الانزلاقات.
وقد أشار فتحي بن زيد إلى أنّ الخوف من التقييم أصبح عنصرًا مكوّنًا للهوية المهنية للمدرّس، ما يحدّ من المبادرة ويُشجّع الامتثال (بن زيد، 2016).
وهكذا يُنتج الجهاز ما وصفه فوكو بـ«الأجساد الطيّعة»: فاعلين يراقبون أنفسهم ذاتيًا، ويُفضّلون السلامة على الجرأة (Foucault, 1975).


خاتمة: أي تفقد نريد؟ أم هل نحتاج هذا الجهاز أصلًا؟

إذا كان التفقد البيداغوجي جهازًا يُقدّس التنظير، ويشتغل كطقس سلطوي، ويتجاهل تصدّع البنية، ويُطبع الخوف بدل الفهم، فإنّ السؤال لم يعد:
كيف نُصلحه؟
بل:
هل هذا الجهاز، بصيغته الحالية، قابل للإصلاح أصلًا؟
وهل يمكن لمدرسة مأزومة أن تتحرّر بأدوات تنتمي إلى منطق الضبط أكثر من منطق التربية؟
ثم، وهو السؤال الأكثر إزعاجًا:
ماذا لو كان جهاز التفقد، كما تشكّل تاريخيًا في المدرسة التونسية، جزءًا من المشكلة لا من الحل؟


المراجع:
1. Bourdieu, P. & Passeron, J.-C. (1970).
.La reproduction.

2. Bourdieu, P. (1998). La domination masculine.

3. Charlot, B. (1997). Du rapport au savoir.

4. Durkheim, . (1922). ducation et sociologie.

5. Foucault, M. (1975). Surveiller et punir.

6. Foucault, M. (1977). Dits et écrits.

7. Freire, P. (1974). Pédagogie des opprimés.

8. Goffman, E. (1959). La mise en scène de la vie quotidienne.

9. Perrenoud, P. (1994). La formation des enseignants.

10. بوبكري، محمد (2015). إصلاح التعليم في تونس: إشكالات المنظور والاختيارات. تونس: دار محمد علي.

11. الشرفي، محمد (1992). المدرسة والجمهورية. تونس: دار سراس.

12. الهمامي، عبد اللطيف (2010). سوسيولوجيا التربية: المدرسة والتحولات الاجتماعية في تونس. تونس: دار نقوش عربية.

13. الجلاصي، المنصف (2018). المدرسة التونسية وأسئلة المعنى. تونس: دار المتوسط.

14. بن زيد، فتحي (2016). الأزمة التربوية في تونس: قراءة نقدية. تونس: دار مسكلياني.

15. وزارة التربية (1964). القانون المدرسي التونسي.

16. المعهد القومي للإحصاء (INS). تقارير التعليم والمؤشرات الاجتماعية.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال