تمهيد: مشروعية السؤال
تعيش تونس اليوم بين زمنين متناقضين: زمن الدولة الحديثة المصاغة من أعلى عبر مؤسسات وقوانين ونماذج مستوردة، وزمن المجتمع الذي لم يُستشر تاريخيًا بصورة فعلية في صياغة مصيره الجماعي. لم تتشكّل الدولة بوصفها تعبيرًا تراكميًا عن تفاوض اجتماعي واسع، بل بوصفها جهازًا قانونيًا–إداريًا سابقًا على اكتمال الشروط الرمزية والاجتماعية للمواطنة. بهذا المعنى، لم يكن المجتمع “غائبًا” تمامًا، لكنه لم يمتلك شروط الفعل التأسيسي القادر على تحويل المطالب إلى هندسة مؤسساتية نابعة من داخله.
السؤال هنا ليس فلسفيًا صرفًا، بل مساءلة سوسيولوجية لبنية تشكّل الدولة الوطنية وحدود إنتاجها لمعنى داخلي للسيادة والمواطنة والشرعية الرمزية (Bensaid, 2021؛ المكي، 2018).
تونس تعيش ولادة مؤجَّلة: مؤسسات قائمة وقوانين سارية، لكن المعنى الداخلي للسلطة الوطنية والمواطنة ظلّ هشًّا ومعلّقًا.
مثّلت أحداث 2011 لحظة انفجار اجتماعي حاولت من خلالها فئات واسعة من المجتمع فرض ولادة داخلية للدولة من الشارع الاجتماعي، لكنها اصطدمت بإرث تاريخي ثقيل: بنية دولة موروثة عن الاستعمار، شبكات مصالح اقتصادية، اختلال في علاقة الدولة بالمجتمع، وتداخل مع قوى خارجية تعيد تشكيل المجال الوطني وفق منطق التبعية والضبط غير المباشر. هذا النص لا يقدّم نفسه بوصفه تأريخًا سرديًا للثورة أو توصيفًا تقنيًا لمسار الانتقال السياسي، بل قراءة نقدية في المعاني المفقودة للدولة والسيادة والمواطنة من زاوية سوسيولوجية، تسائل البنية العميقة للاختلال في تشكّل الدولة وحدود سيادتها.
ليس الهدف من هذا السؤال إصدار حكم أخلاقي على الماضي، ولا البحث عن عوامل يُلقى عليها اللوم بشكل فردي في الحاضر، بل تفكيك منطق تشكّل الدولة نفسه، واختبار شروط إمكان ولادة داخلية مؤجَّلة لم تكتمل بعد.
فهل نحن أمام وطنٍ تشكّل من داخله فعلًا؟ أم أمام دولة صُنِعت خارجه ثم تُركت تبحث عن ذاتها؟
1. الدولة والمجتمع: ولادة مفروضة ومشاركة اجتماعية مبتورة
تكوّنت الدولة التونسية الحديثة بوصفها جهازًا قانونيًا–إداريًا سابقًا على تشكّل تعاقد اجتماعي واسع حول قيم السيادة والمواطنة. فالمؤسسات والقوانين جاءت جاهزة، وأحيانًا أكثر جاهزية من القاعدة الاجتماعية القادرة على استيعابها أو إعادة إنتاجها رمزيًا (Bourdieu & Passeron, 1970). لم يكن المجتمع “متفرجًا” بالمطلق، لكنه ظلّ فاعلًا مشتّتًا، محكومًا بتفكك طبقي ورمزي، عاجزًا عن التحوّل من الاحتجاج إلى الفعل التأسيسي.
كشفت ثورة 2011 هذه الفجوة بوضوح: مطالب الكرامة والعدالة الاجتماعية كانت قوية، لكن البنية المؤسسية الموروثة لم تكن مهيّأة لتحويل هذه المطالب إلى سياسات سيادية مستقلة. هكذا نشأ اغتراب رمزي بين الدولة والمجتمع: دولة قائمة بلا شرعية اجتماعية متجذّرة، ومجتمع محتجّ بلا أدوات تأسيس مؤسسي طويل المدى.
2. الإرث الاستعماري وإعادة إنتاج التبعية بصيغ جديدة
لم ينقطع الإرث الاستعماري بانتهاء الحماية، بل أعيد إنتاجه داخل الدولة الوطنية عبر أنماط الإدارة والقانون وتكوين النخب (العياري، 2020). لا يعني ذلك وجود “تحكّم مباشر” دائم، بل استمرار شبكات نفوذ بنيوية مرتبطة بالمركز الاستعماري السابق، تعمل عبر آليات أكثر تعقيدًا:
نفوذ اقتصادي: عبر عقود استثمار غير متكافئة وشراكات تُقيّد هامش القرار الوطني.
نفوذ نخبوي: عبر تكوين إداري–تقني للنخب في الفضاء الفرنسي وإعادة إنتاج نفس النموذج المعرفي في تسيير الدولة.
نفوذ ثقافي–رمزي: عبر تكريس نموذج حداثي مُستعار يُقدَّم بوصفه معيار التقدّم الوحيد.
بهذا المعنى، لم تعد التبعية استعمارًا مباشرًا، بل “هيمنة بنيوية ناعمة” تُعيد إنتاج علاقات القوة داخل الدولة الوطنية نفسها.
3. الفرص الاقتصادية المهدورة والعقود غير المتكافئة
عرفت تونس منذ الاستقلال اختيارات اقتصادية حدّت من إمكان بناء سيادة اقتصادية فعلية: ضعف الاستثمار في الصناعة الوطنية، هشاشة البحث العلمي والتكنولوجيا، والتفريط في قطاعات استراتيجية ضمن صيغ تعاقدية غير متكافئة. ليست الأزمة الاقتصادية الراهنة مجرّد فشل إداري ظرفي، بل نتيجة مسار تاريخي من الاندماج التابع في الاقتصاد العالمي.
كشفت ثورة 2011 حدود هذا النموذج: اقتصاد منفتح شكليًا، لكنه فاقد للقدرة على حماية مصالحه الاستراتيجية. هكذا تبيّن أن الاستقلال السياسي لم يُترجم إلى سيادة اقتصادية، وأن الدولة ظلت محدودة القدرة على إعادة توجيه مواردها وفق أولويات وطنية طويلة المدى.
4. العنف السياسي، الاغتيالات، والجوسسة: أثر في هندسة المجال العام
لم يكن المجال السياسي التونسي منذ الاستقلال فضاءً محايدًا بالكامل. شهدت البلاد أشكالًا من العنف السياسي والاختراق الاستخباراتي في سياقات إقليمية ودولية متوتّرة. تشير دراسات في علم الاجتماع السياسي إلى أن الدول الضعيفة بنيويًا تكون أكثر عرضة للاختراق الأمني والاستخباراتي، بما يساهم في تحييد الفاعلين القادرين على إنتاج مشاريع سيادية مستقلة (المكي، 2018).
هذه الديناميات لا تُقرأ كـ “مؤامرة شاملة”، بل كأثر بنيوي لضعف الدولة الوطنية في سياق تبعية اقتصادية وسياسية، ما يُنتج زلزالًا رمزيًا دائمًا داخل المجال العام، ويُضعف إمكانية تبلور مشروع وطني طويل النفس. لم تنجُ ثورة 2011 من هذا الإرث، إذ وجدت نفسها تعمل داخل مجال سياسي هشّ، مشبع بشبكات نفوذ قديمة وحدود سيادة غير مكتملة.
5. النفوذ الفرنسي في الألفية الثالثة: مستويات الهيمنة الناعمة
في الألفية الثالثة، يتجلّى النفوذ الفرنسي في تونس بصيغ متعددة لا تختزل في بعد واحد:
اقتصاديًا: حضور قوي في قطاعات استراتيجية وشراكات تحدّ من استقلال القرار الوطني.
نخبويًا: إعادة إنتاج نخب إدارية واقتصادية مكوَّنة داخل نفس الأفق المعرفي والمرجعي.
ثقافيًا–رمزيًا: استمرار اعتبار النموذج الفرنسي معيارًا للحداثة والتنظيم والعقلانية.
هذا النفوذ لا يعمل بوصفه “تحكّمًا مباشرًا”، بل كإطار مرجعي يحدّد ما يُعتبر ممكنًا أو “عقلانيًا” داخل السياسات العمومية. بذلك، تواجه أي محاولة لإعادة توجيه المشروع الوطني حدودًا غير مرئية للسيادة.
6. حداثة بلا جذور: المدرسة، الإدارة، والقانون كنماذج مستعارة
تجلّت “الحداثة بلا جذور” بوضوح في مجالات حيوية:
المدرسة: بُنيت وفق نموذج مركزي بيروقراطي مستورد، ينتج مواطنًا مطيعًا أكثر مما ينتج ذاتًا نقدية قادرة على الفعل السياسي المستقل (Bourdieu & Passeron, 1970؛ Bensaid, 2021).
الإدارة: جهاز حديث شكليًا، لكنه مفصول عن الحاجات الاجتماعية المحلية، ما يحوّل الحداثة إلى تقنية ضبط لا إلى أفق تحرّر.
القانون: منظومة قانونية مستعارة تُطبَّق دون تفاوض اجتماعي عميق حول معناها وقيمها.
هكذا تحوّلت الحداثة إلى قشرة مؤسساتية بلا جذور اجتماعية، تنتج صراعًا رمزيًا دائمًا بين نموذج مستورد ومجتمع لم يشارك في صياغته.
7. أزمة تونس: ولادة مؤجّلة ومسار قيد الانتظار
الأزمة التونسية ليست اقتصادية أو سياسية فقط، بل وجودية: دولة لم تُنجز مصالحتها التاريخية مع مجتمعها، ومجتمع لم يمتلك شروط الفعل التأسيسي الكامل. السيادة السياسية محدودة بسيادة اقتصادية ناقصة، وهذه الأخيرة مقيدة بشبكات نفوذ خارجية وداخلية. كانت ثورة 2011 إعلان ولادة محتملة، لكنها اصطدمت بحدود بنيوية عميقة في بنية الدولة الوطنية نفسها (Bensaid, 2021؛ العياري، 2020).
خاتمة: أسئلة بلا مسكّن
هل يمكن لدولة لم تُنجز ولادتها من داخل مجتمعها أن تضمن استقلالها السياسي والاقتصادي؟
هل تكفي إعادة التفاوض حول العقود والقوانين إذا بقي الإطار المرجعي للسياسات العمومية مرتهنًا لنماذج مستوردة؟
متى تجرؤ تونس على مساءلة شروط ولادتها الرمزية والسياسية، لا شعارات استقلالها فقط؟
دولة بلا ولادة داخلية ليست سوى جهاز إداري بذاكرة مستعارة، ومجتمع بلا قدرة تأسيس ذاتي لا يصنع التاريخ بل يُستعمل داخل سرديات الآخرين. هكذا تتحوّل السيادة إلى شعار، والاستقلال إلى ذكرى احتفالية، والدولة إلى هيكل بلا روح. وحدها ولادة داخلية جديدة—تربط الدولة بالمجتمع، والسياسة بالثقافة، والاقتصاد بالسيادة—قادرة على كسر هذا الانتظار التاريخي الطويل.
المراجع:
1. Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1970). La reproduction: léments pour une théorie du système d’enseignement. Paris: Minuit.
2. Bensaid, F. (2021). ducation et société en Tunisie. Tunis: Dar Al-Fikr.
3. المكي، س. (2018). هوية تونسية في صراع الحداثة والتقليد. تونس: دار الفكر الوطني.
4. العياري، م. (2020). الإدارة والقانون في تونس: إرث الاستعمار وتأثيره على الدولة الحديثة. تونس: دار الثقافة.
هل وُلدت تونس من الداخل… أم صُنِعت من الخارج ثم تُركت تبحث عن ذاتها؟ قراءات من الداخل
2026-02-07
8 قراءة
مقالات رأي
سمير سعدولي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال