في اللحظات التي تفقد فيها الدول سيطرتها على المعنى لا يظهر الأنبياء بل يظهر المحتالون.
وحين تعجز السياسة عن إنتاج الأمل تتكفل الرداءة بإنتاج القداسة. هكذا ببساطة وبهذه الوقاحة يولد كل دجال عابر للحدود يحمل في جيبه هاتفًا ذكيًا وفي رأسه وصفة مجرّبة لإدارة القطيع.
ما نراه اليوم ليس شذوذًا تونسيًا ولا استثناءً عربيًا بل إعادة تدوير قذرة لتجارب تاريخية معروفة.
الفرق الوحيد أن المسرح صار رقميًا والجمهور أكثر هشاشة والدولة أكثر غيابًا.
في القرن التاسع عشر خرج جون همفري نويِس في أمريكا ليؤسس طائفة Oneida يوزع الخلاص والجنس والطاعة باسم السماء.
قبله وبعده ظهر جيم جونز نبي العدالة الاجتماعية الذي انتهى بأتباعه إلى انتحار جماعي في غويانا سنة 1978
في التسعينات فعل ديفيد كورش الشيء نفسه في واكو
كتاب مقدس و عدو اسمه الدولة ونهاية محترقة.
في اليابان بشّر شوكو أساهارا أتباعه بالخلاص الروحي وانتهى بهم إلى غاز السارين في مترو طوكيو.
في إفريقيا أعلن جوزيف كوني نفسه نبيًا ومحاربًا إلهيًا فحوّل الأطفال إلى جنود والأمهات إلى سبايا باسم الرب.
ولا ننسى إيران ما قبل 1979حين تحولت الخرافة المذهبية إلى برنامج حكم ولا أفغانستان حين استبدلت الدولة بعمامة ولا أوروبا القرون الوسطى حين باعت الكنيسة صكوك الغفران لمن يريد اختصار الطريق إلى الجنة مقابل المال.
كل هؤلاء يشتركون في شيء واحد
حين فشلت الدولة دخل الدجال من الباب الخلفي.
المدّعي الذي نراه اليوم ليس عبقريًا ولا حتى ذكيًا.
هو نسخة رخيصة من أرشيف قديم يعرف أن المواطن المكسور لا يريد الحقيقة بل المخدر، لا يريد الحل بل المعنى السهل، لا يريد الوطن بل أبًا صارمًا أو إلهًا جاهزًا للاستخدام. وهنا يبدأ الاستثمار يا سادة
خطاب ضد الدولة و شتم للمؤسسات و تحقير للعلم وتقديس للجهل بوصفه فطرة.
الأتباع لا ثورة فيهم ولا بطولة، هم نتاج معامل التفكك الاجتماعي، أفراد لفظهم التعليم وخذلتهم السياسة وتركتهم الدولة نهبًا للفراغ ،بدل أن يعالجوا جراحهم حوّلوها إلى عقيدة و بدل أن يطالبوا بحقوقهم باعوا عقولهم و بدل أن يبنوا وطنًا احتموا خلف شاشة وبخور وأوهام.
الأخطر أن هذا النوع من الدجل لا يحتاج إلى قمع خارجي. هو يقوم بالمهمة القذرة ذاتيًا
تفكيك الثقة في الدولة و تحويل المواطن إلى تابع و تدميرفكرة القانون و تجفيف الوطنية من معناها.
أي جهاز استخباراتي في العالم يعرف هذه المعادلة
حين ينهار الداخل لا حاجة للتدخل من الخارج.
وهنا لا يعود السؤال من هذا الدجال؟بل لماذا تركته الدولة يتكاثر؟
الدولة التي لا تدافع عن العقل ستُحكم بالخرافة.
الدولة التي لا تحمي المدرسة ستُحاصر بالزاوية.
الدولة التي تترك الإعلام في الحضيض ستحصد أنبياء التيك توك.
الدولة التي تخاف من المواجهة الفكرية ستواجه لاحقًا الانفجار الأمني.
هؤلاء لا يشكلون خطرًا لأنهم كُثر بل لأنهم فراغ متحرك. والفراغ حين يتحول إلى جماعة يصبح أداة تخريب ذاتي.
لا يبنون شيئًا لكنهم قادرون على تلويث كل شيء،السياسة و الدين و الوطنية وحتى فكرة الحقيقة نفسها.
لا يا سادة هذا ليس تدينًا بل انتحار عقلي جماعي .
ليست حرية معتقد بل انسحاب كامل من المسؤولية التاريخية.
ومن يظن أن الوطن يُستبدل بزعيم رقمي أو أن السيادة تُقايَض بإشعارات أو أن الخلاص يُبث مباشرًا فهو لا يعيش خارج الدولة فقط بل خارج الزمن.
البلدان لا تنهار فجأة،هي تتآكل ببطء حين يصبح الدجال رأيًا والجهل وجهة نظر والخيانة اختلافًا.
وحين نصل إلى هذه النقطة لا يعود السؤال كيف نوقفهم؟
بل هل بقي في الدولة ما يستحق الإنقاذ؟
حين تفشل الدولة يظهر الدجال: تشريح سياسي لانهيار المعنى
2026-02-09
252 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال