ليس من عادتي أن أقف على أطلال المنظمات التي تحولت من قلاع للنضال إلى متاحف للتحنيط البيروقراطي لكننا اليوم أمام حالة مرضية تسمى الاتحاد العام التونسي للشغل. هذا الكيان الذي وُلد من رحم المعارك الكبرى في المدرسة الخلدونية عام 1946 حيث تعانق الفكر الزيتوني مع الوعي العمالي تحت جبة فرحات حشاد ليتحول اليوم إلى جثة هامدة بداخلها بيروقراطية سمينة تقتات على أمجاد لم تصنعها بل ورثتها كما يرث الأبناء العاقون ثروة آبائهم المكافحين.
ما نسميه اليوم الشرعية التاريخية ليس سوى صك غفران يُشهر في وجه كل من يحاول التساؤل عن جدوى منظمة تعيش بعقلية الخميس الأسود في زمن البلوكشين والذكاء الاصطناعي.
فالمنظمة التي كانت رقماً صعباً في صياغة دستور 1959 وبناء الدولة الوطنية سقطت في فخ الجمود العقائدي حيث يصر هؤلاء المتحجرون في المكاتب التنفيذية على ارتداء جلباب الشيخ المتمرد.
بينما العالم من حولهم يتحدث لغة الخوارزميات وقيم الإنتاجية فالاتحاد اليوم لم يعد نقابة تحرير كما كان زمن الاستعمار ولا هو نجح في أن يكون نقابة تدبير في دولة حديثة بل ظل عالقاً في برزخ المواجهة الصفرية مع السلطة يمارس الابتزاز السياسي تحت غطاء المطالب الاجتماعية. بينما الحقيقة المرة هي أن هذه القيادات تعاني من
تكلس بيروقراطي وفجوة معرفية تجعلها تعجز عن قراءة ميزانية دولة أو فهم تعقيدات التفاوض مع المؤسسات المانحة الدولية.
مما حول رأس المال الرمزي للمنظمة إلى ريع نقابي تديره حفنة من البيروقراطيين الذين لا يملكون من النضال سوى صياحهم في مكبرات الصوت.
بينما يفتقرون لأبسط المؤهلات الاستراتيجية لإدارة منظمة تضم نصف مليون عضو في اقتصاد معولم لا يرحم الضعفاء ولا يعترف إلا بالكفاءة العلمية والتقنية.
المتأمل في التشريح السوسيولوجي لهذه البيروقراطية النقابية يدرك أننا أمام طبقة ريعية جديدة تحولت من مدافع عن الحقوق إلى مدير لشبكة مصالح زبونية تتدخل في التعيينات والترقيات داخل مؤسسات الدولة المتهالكة
مما خلق فجوة تعليمية وأكاديمية مخيفة بين النخبة النقابية المثقفة التي تم تهميشها وبين قيادات ميدانية غارقة في الجهوية والمحسوبية.
حيث يبدو الصراع الحالي بين مجموعة العشرة و مجموعة الخمسة داخل المكتب التنفيذي كمشهد من مسرحية عبثية يتصارع فيها الكهنة على تقسيم القربان.
في حين أن المعايير العالمية في دول مثل ألمانيا وسويد وسنغافورة قد تجاوزت هذا الهراء منذ عقود فهناك لا يبحثون عن الزعيم الأبدي بل عن الشريك التنموي
وحيث نجد اتحاد النقابات الألماني (DGB) يمارس التسيير المشترك كشريك في نجاح الشركات نجد اتحادنا يبتهج بإغلاق المؤسسات وتعطيل الإنتاج وكأن الإضراب في حد ذاته هو الهدف وليس الوسيلة.
وهذا الجهل المطبق بمفهوم مؤشر الإنتاجية الذي يربط الناتج المحلي بساعات العمل هو الذي أوصل كتلة الأجور في تونس إلى 17.6% من الناتج المحلي الإجمالي
وهي نسبة انتحارية تعني ببساطة أننا نأكل مستقبل أجيالنا القادمة لتمويل منظومة إدارية فاشلة يحميها الاتحاد بصدور عارية من الفكر وممتلئة بالأوهام التاريخية.
بينما نرى نموذجاً مثل الـ NTUC في سنغافورة يدير مراكز تدريب للذكاء الاصطناعي ويطلق منصات المدرب المهني لضمان بقاء العامل السنغافوري في صدارة سوق الشغل العالمي.
في المقابل لا تزال بطحاء محمد علي تغرق في بيانات ورقية وبرقيات إضراب تعود لعصر ما قبل الرقمنة.
التحدي الجيوسياسي الذي يواجهه الاتحاد اليوم يكمن في كونه أصبح كلفة إضافية على الدولة وعائقاً أمام الاستثمار فالمستثمر العالمي الذي يبحث عن الاستقرار لا يمكن أن يغامر في بلد يتحكم في مصيره مزاج نقابي متقلب يعادي رأس المال بخطاب خشبي مستورد من أدبيات الحر الباردة. مما جعل تونس تفقد جاذبيتها لصالح جيرانها الذين فهموا أن السلم الصناعي هو أقصر طريق للتنمية.
فالإنقاذ الاستراتيجي الذي أطرحه لا يمر عبر الترقيعأو المداهنة بل عبر جراحة قيصرية تبدأ بخلع الجلباب العتيق وفرض ديمقراطية الكفاءة وتفعيل الفصل 20 دون التفاف قانوني رخيص والتحول فوراً نحو النقابة الرقمية التي تعتمد الشفافية المالية المطلقة والتدقيق الخارجي بدلاً من الغموض الذي يلف ممتلكات المنظمة واشتراكات أعضائها.
فلا يمكن الحديث عن حداثة في ظل قيادات ترفض التداول على السلطة وتخشى التكنولوجيا لأنها ستكشف عجزها المعرفي فالمستقبل في عام 2026 وما بعدها لن يعترف إلا بالنقابة التي تزرع المهارات وتحمي العامل الرقمي ومبرمجي اقتصاد المنصات من خوارزميات الاستغلال.
وليس بالنقابة التي تكتفي بالصراخ ضد صندوق النقد وهي لا تملك بديلاً واحداً مكتوباً بلغة العلم والأرقام.
لذا فإن الاتحاد اليوم أمام لحظة داروينية حاسمة فإما أن يتطور ليصبح عقل الدولة الاجتماعي وشريكاً في الثلاثية الرقمية التي تضم الحكومة وأصحاب العمل لرفع الإنتاجية أو أن يستمر في كونه كابوساً اقتصادياً ينتهي به المطاف كأثر بعد عين في مزبلة التاريخ.
لأن الشعارات لا تبني أوطاناً والشرعية التي لا تتجدد بالعلم والعمل هي شرعية ميتة وتونس لم تعد تتحمل عبء الديناصورات التي ترفض الانقراض.
إن التحول الجذري لمجلة الشغل التونسية من وثيقة تعود للسبعينات إلى ميثاق رقمي يضمن حق قطع الاتصال
ويواجه التمييز الخوارزمي هو المسمار الأخير في نعش البيروقراطية الحالية.
فالحداثة ليست مجرد أجهزة كمبيوتر بل هي عقلية تدرك أن السلم الاجتماعي لا يتحقق بزيادة أجور تلتهمها نسبة التضخم بل بخلق قيمة مضافة وبناء صناديق إعادة تأهيل تمولها الأرباح لتدريب العمال المهددين بالأتمتة.
وهذا يتطلب قيادة نقابية لا تخاف من البلوكشين لضمان نزاهة اشتراكاتها ولا تهرب من التصويت الإلكتروني الذي سيعطي الكلمة للقواعد الشبابية المهمشة التي سئمت من رؤية نفس الوجوه الكالحة منذ عقود.
إنها خارطة طريق الإنقاذ الاستراتيجي التي تفرض على الاتحاد أن يكون ضامناً للاستثمار لا طارداً له ومحركاً للتحديث لا فرملة للزمن.
فإما أن يخلع الاتحاد جلباب الشيخ ويلبس درع الحداثة
أو فليستعد للتلاشي وسط عواصف القرن الحادي والعشرين التي لا ترحم من توقف عقله عند حدود عام 1946
إليك الوثيقة الانتحارية لبيروقراطية المكاتب المكيفة المتمثلة في مقترح مشروع قانون العمل والسيادة الرقمية 2026، الذي لا يعد مجرد تعديل قانوني شكلي، بل هو عملية
بتر جراحية لأطراف مجلة الشغل العتيقة التي تحولت بمرور الزمن إلى كفن للاقتصاد التونسي.
عبر هذا المقترح لا نسعى لترقيع خرق في جلباب قديم بال بل نصمم بذلة ضغط عصرية لاقتصاد لا يعترف إلا بمعايير السرعة والقيمة المضافة.
وذلك من خلال مسودة ستجعل كهنة بطحاء محمد علي يرتجفون في مكاتبهم لأنها تنقل السلطة فعلياً من الأختام الورقية البيروقراطية إلى الخوارزميات الشفافة.
يأتي هذا المقترح بقانون المتعلق بإعادة هيكلة العمل والإنتاجية والحوكمة النقابية الرقمية انطلاقاً من ضرورة نفي العبث التاريخي المستمر.
وحيث أن مجلة الشغل الحالية التي تعد إرثاً من الستينات قد أصبحت جريمة اقتصادية مكتملة الأركان في حق الدولة وحيث أن العقيدة النقابية الحالية تحولت إلى مجرد ريع يعيق تحول الدولة نحو اقتصاد المعرفة فإن هذا القانون يأتي لفرض منطق التعاقد الذكي و السيادة الرقمية كبديل جذري عن الغوغائية الاحتجاجية.
وفي صلب هذا المقترح التأسيسي للعمل الجديد والسيادة الرقمية يتم الاعتراف القانوني الكامل بعمال المنصات عبر إلغاء تصنيف عمال التطبيقات (مثل النقل، التوصيل، والخدمات الرقمية) كمقاولين مستقلين بشكل فوري واعتبار كل من يعمل تحت إشراف خوارزمية أجيرًا يتمتع بكافة حقوق الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي.
إذ لا مكان لشركات مثل بولط أو قلوفو أو غيرها خارج مظلة الحماية الاجتماعية التونسية لأن السيادة الحقيقية تبدأ من حماية عرق العامل الرقمي.
وبالتوازي مع ذلك يتم إقرار حق السيادة الشخصية وقطع الاتصال حيث يُمنع منعاً باتاً ملاحقة الموظف عبر تطبيقات مثل الواتساب أو الإيميل أو أي وسيلة رقمية أخرى خارج ساعات العمل الرسمية.
فللعامل الحق الكامل في إغلاق أجهزته دون أي تبعات عقابية تكريساً لمبدأ أن العمل عن بُعد ليس عبودية عن بُعد. كما يتضمن المقترح حظراً صارماً للتمييز الخوارزمي وفرضاً للإشراف البشري الإلزامي بمنع أي مؤسسة سواء كانت عمومية أو خاصة من اتخاذ قرار الطرد أو الحرمان من الترقية بناءً على تقييم خوارزمي صرف.
فالذكاء الاصطناعي يجب أن يظل أداة مساعدة وليس قاضياً مهنياً.
ويجب أن يمر كل قرار استراتيجي يخص المسار المهني للعامل عبر لجنة إشراف بشرية تضم خبيراً تقنيًا وممثلاً نقابيًا مكوناً تكنولوجيا.
أما على صعيد الثورة النقابية والحوكمة الصلبة الهادفة
لخلع الجلباب القديم، فأقترح قانون إلزام جميع المنظمات النقابية وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل باستخدام تقنية Blockchain لإدارة الاشتراكات والميزانيات لضمان الشفافية المالية المطلقة بحيث يحق لكل منخرط عبر تطبيق هويتي الرقمية، الاطلاع لحظة بلحظة على أوجه صرف أموال النقابة .
معلناً بذلك نهاية عصر الصناديق السوداء والتمويلات الغامضة التي تمرر تحت مسمى المساعدات الدولية.
ويفرض المقترح تكريس ديمقراطية الكفاءة والتداول الإلزامي عبر حظر تمديد العهدة الانتخابية قانونياً لأي قيادة نقابية (سواء كانت وطنية، قطاعية، أو جهوية) لأكثر من دورتين غير قابلتين للتجديد تحت أي مسمى كان
ط
واعتبار أي تعديل للقوانين الأساسية للمنظمات يهدف
للتمديد باطلاً بقرار مباشر من المحكمة الإدارية
لتعود السيادة الحقيقية للقواعد عبر آلية التصويت الإلكتروني المباشر لا عبر مناورات الماكينات البيروقراطية. وضمن نفس السياق الإصلاحي تتم مأسسة الإعارة النقابية بإلغاء وضعيتها المفتوحة الحالية التي تحولت إلى شكل من أشكال البطالة المقنعة مدفوعة الأجر من ميزانية الدولة وإجبار العضو النقابي على العودة لمركز عمله الأصلي لمدة ثلاثة أشهر كل سنتين لضمان عدم انفصاله عن واقع الإنتاج الميداني وتحدياته التقنية المتسارعة.
وفيما يتعلق بإرساء معادلة الأجر مقابل الإنتاجية.
أطرح مقترح الربط العضوي والآلي بين الزيادات والنمو بحيث تتوقف تماماً المفاوضات الاجتماعية العشوائية
وتُربط أي زيادة مستقبلية في الأجور آلياً بمؤشر الإنتاجية القطاعي و مؤشر التضخم.
فلا زيادة ممكنة في الأجور داخل المؤسسات العمومية الخاسرة التي تستنزف ميزانية الدولة إلا بعد تقديم مخطط إنقاذ رقمي واضح يثبت خفض الكلفة الإدارية بنسبة 20% على الأقل.
ولضمان المستقبل المهني للعمال يتم إنشاء صندوق إعادة التأهيل الرقمي تُخصص له نسبة 1% من أرباح الشركات الكبرى والمؤسسات العمومية لتمويل
أكاديمية نقابية وطنية للتكنولوجيا
تكون وظيفتها الأساسية إعادة تدريب العمال الذين ستلتهم الأتمتة والذكاء الاصطناعي وظائفهم الحالية، انطلاقاً من مبدأ أن النقابة التي لا تُكوّن عمالها تقنياً هي نقابة تساهم فعلياً في تشريدهم.
وأخيراً وفي باب فض النزاعات وإرساء السلم الصناعي الذكي أقترح قانون إنشاء منصة وساطة رقمية إلزامية
حيث يُمنع إعلان أي إضراب قبل المرور الإجباري عبرها لمدة 15يوماً كمنصة وساطة رقمية وطنية تُنشر فيها مطالب الطرف النقابي وردود الطرف الإداري للرأي العام لتكون الشفافية هي الحكم الفاصل.
وليعرف الشعب التونسي هل الإضراب المعلن هو من أجل حق مهضوم فعلاً أم من أجل امتياز زبوني ضيق.
وبالتوازي مع ضمان الحق الدستوري في الإضراب السلمي يتم تجريم تعطيل حرية العمل بوضوح واعتبار أي تعطيل لمواقع الإنتاج أو منع للعمال الراغبين في العمل من الالتحاق بمراكزهم جريمة اقتصادية يعاقب عليها القانون بأشد العقوبات.
فالإضراب يجب أن يبقى موقفاً سيادياً وليس ممارسة للبلطجة الميدانية.
هذا المقترح يمثل المشرط الجراحي الدقيق الذي يحتاجه جسد الاقتصاد التونسي المنهك في عام 2026، وهو القانون الكفيل بتحويل الاتحاد من ديناصور تاريخي يرفض الانقراض إلى محرك فاعل للدولة الذكية واضعاً بذلك حداً نهائياً لزمن الزعماء التقليديين ليبدأ زمن الخبراء والمنخرطين الحقيقيين.
خارطة طريق الإنقاذ الاستراتيجي: من الشرعية التاريخية إلى ديمقراطية الكفاءة
2026-02-08
73 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال