توطئة: إصلاحات بلا ذاكرة ولا جذور
يعيش المشهد التربوي التونسي منذ عقود على موجات إصلاح بلا ذاكرة، كما يسميها بورديو (Bourdieu، 1993): خطابات تُعلن، ووثائق تُحتفى، ومشاريع تتبخر قبل أن يجفّ حبرها. الإصلاح يشبه أثر مسافر كُتب على حجر قديم… مرّ من هنا، ثم اختفى.
المدرسة التونسية لا ينقصها التخطيط فقط، بل البنية التحتية للمعنى: الثقة، الثقافة المهنية، انتظام المؤسسات، والقدرة على صوغ رؤية طويلة النفس. الإصلاح ليس وثيقة تقنوية؛ هو هواء وبنية تحتيّة للعلاقات.
ويجدر التنويه أن جزءًا كبيرًا من هذا «الإصلاح المزعوم» لم ينطلق من الداخل فحسب، بل تأثر بقوة بالخبرة الفرنسية المستمرة منذ الحقبة الاستعمارية، ومن مشاريع تمويلية دولية تهدف إلى ضبط المنظومة وفق أجندات «المؤسسات المانحة» (Sraïeb, 1993; France ducation International, 2025; La Presse de Tunisie, 2023).
في هذا السياق، يظهر البرنامج الفرنسي PARLE (Projet d’appui au Renforcement des compétences Linguistiques des lèves tunisiens) كمثال حديث لإعادة نسج المنهاج الفرنسي في تونس. يهدف PARLE (20242027) إلى تطوير قدرات المعلمين في التعليم الابتدائي، وتحديث الموارد التعليمية، وتعزيز مهارات التلميذ في اللغتين العربية والفرنسية، مع تركيز على البيداغوجيا الحديثة وقدرة الوزارة على التخطيط والتقييم (Expertise France, 2024).
من منظور تحليلي، هذه البرامج تعكس التبعية الفرنسية المستمرة: فرنسا لا ترى تونس كشريك متساوٍ، بل كمستعمرة تقنية وفكرية، يجب أن تتلقى النموذج الفرنسي وتعيد إنتاجه في بيئتها المحلية، دون تعديل جوهري للخصوصيات الثقافية والاجتماعية المحلية. هذا يعمّق أزمة المدرسة ويزيد من صعوبة التعبير عن هوية تعليمية وطنية مستقلة.
كما أن المناهج التونسية (curriculum) تُعاد نسجها بشكل مستمر من فرنسا، وفق معايير وبرامج فرنسية حديثة، وهو ما يجعل الإصلاحات التعليمية أقل قدرة على التعبير عن خصوصية الواقع الاجتماعي والثقافي المحلي، وأكثر انسجامًا مع توقعات الشركاء الدوليين أو الخبرة الفرنسية الحديثة.
1. إصلاح بلا رؤية: سردية وعود جوفاء
منذ الستينات حملت المدرسة وعد التحديث. لكن منذ التسعينات، تحوّل الوعد إلى مجرّد إعادة إنتاج خطابي. وثائق 1991، إصلاح 2002، مشاورات 2015، كلها تحمل نفس التشخيص، ونفس التوصيات، ونفس النهاية غير المكتملة.
عمق الأزمة يكمن في غياب ما يسميه ديوي (Dewey، 1938) الإيطيقا المؤسسية: طبيعة العلاقات، اتخاذ القرار، بناء ثقافة القسم. لا إصلاح دون إعادة هندسة الحياة المدرسية من الداخل.
وتزداد الأزمة وضوحًا مع سردية التهميش الممنهج:
- تآكل المكانة الرمزية للمدرس.
- تردي البنية التحتية.
- نقص الموارد.
- تراكم التقادم في البرامج.
وهو ما يفتح الباب لخوخصة ناعمة تتحرك بلا إعلان، في ظل مشاريع دولية تمول هذه الخطوات أحيانًا وتفرض إطار عملها التقني (Oxford Business Group, 2017).
2. الإصلاح من وراء البحار: التمويل الدولي وأجندة الإصلاح
لا يمكن فهم الإصلاح التربوي في تونس بمعزل عن التمويلات الدولية، التي أصبحت جزءًا من المنظومة منذ سنوات التسعينات. مشاريع مثل دعم Global Partnership for Education (GPE) أو الشراكات مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، تأتي غالبًا مع شروط ومعايير تربوية وتقنية يجب الالتزام بها (La Presse de Tunisie, 2023; Oxford Business Group, 2017).
هذه التمويلات تُحوّل الإصلاح من مشروع وطني يعتمد على خصوصية السياق الاجتماعي والثقافي إلى مشروع «حسب المقاس الدولي»، حيث تُفرض السياسات والبرامج وفق معايير عالمية، وأحيانًا دون مراعاة الواقع المدرسي اليومي، أو طبيعة العلاقة بين المدرس والتلميذ، أو الهشاشة الاقتصادية للمؤسسات التعليمية المحلية.
وبين زيف الاستشارة الوطنية وخصوصية طرحها كما يراها بعض المحللين، تظهر الحكومة التونسية خطابًا عامًا للإصلاح، لكنه يخفي غياب مشاركة الفاعلين التربويين الحقيقيين: المختصون التونسيون، المتفقدون، المعلمون، الأساتذة… جميعهم يتم تجاهلهم، فيما تتحكم البرمجة الفرنسية (PARLE) والمعايير الدولية في تفاصيل التنفيذ (Expertise France, 2024).
3. المشهدية التربوية: إصلاحات تُعرض أكثر مما تُنجز
مفهوم “المشهدية” الذي طرحه غوفمان (Goffman, 1956) يكشف عن جانب أساسي في الإصلاحات التونسية: هي غالبًا عروض شكلية أكثر من كونها مشاريع فعلية. هذه الإصلاحات تشبه المسرحيات التي تُقدَّم للجمهور، بينما يبقى الجوهر الحقيقي خلف الستار، غير مكتمل وغير متابع.
نشهد في هذا السياق تضخّم الواجهة على حساب الجوهر:
1. الواجهة المتقنة مقابل الجوهر الهش: مؤتمرات مزخرفة، منشورات رسمية، حملات إعلامية… لكنها غالبًا لا تتجاوز الشكل، فلا تغيير حقيقي في طريقة التدريس أو في بنية الفضاء المدرسي.
2. القطيعة بين المعرفة العلمية والسياسات العمومية: القرارات غالبًا تُتخذ بعيدًا عن الدراسات الميدانية، أو توصيات البحث العلمي التربوي المحلي، مما يخلق فجوة بين ما يُفترض أن يفعله الإصلاح وما يُطبق فعليًا.
3. التحويل الإداري للإصلاح: تتحول البرامج الإصلاحية إلى ملفات إدارية، تُتداول بين الوزارات والمصالح دون مشاركة حقيقية للفعل التربوي، مما يبعد المعلم عن دوره الأساسي كفاعل تربوي.
4. غياب الفاعلين المحليين: المتفقدون، الأساتذة، المعلمون، وحتى المختصون التونسيون، كثيرًا ما يتم استبعادهم من صنع القرار. تصبح المدرسة رهينة برامج خارجية، غالبًا وفق أجندة فرنسا أو المؤسسات المانحة، دون مراعاة الخصوصيات المحلية.
إضافة لذلك، غياب ثقافة التقييم والتقويم يعمّق أزمة الإصلاح: المشاريع لا تُتابع، نتائجها لا تُنشر، ولا يُحاسب أحد على إخفاقاتها، وهو ما يجعل أي إصلاح بلا ذاكرة، وبالتالي بلا تأثير دائم.
4. تآكل السلطة البيداغوجية: معلم بلا موقع ثابت
السلطة البيداغوجية للمعلم ليست مجرد قوة إدارية، بل سلطة معنوية وثقافية تمكنه من توجيه التلميذ وبناء بيئة تعليمية (Durkheim, L’ducation morale). هذا البناء ينهار تدريجيًا في السياق التونسي، بفعل عوامل متشابكة:
التكنولوجيا وتغيير القيم: تسارع التحولات الرقمية والقيمية يجعل المعلم أقل قدرة على توجيه التلميذ وفق معايير ثابتة.
تراجع صورة الوظيفة العمومية: عندما يُنظر إلى الوظيفة التعليمية كمجرد وظيفة روتينية، تنهار المكانة الرمزية للمعلم.
التمويل الدولي والسياسات الخارجية: التوجهات المفروضة من برامج مثل PARLE أو المشاريع الدولية تجعل المعلم منفذًا للخطط، لا صانعًا لها، مما يحوّل المدرسة إلى مساحة إعادة إنتاج للمعايير الخارجية بدل إنتاج التربية المحلية.
غياب المشاركة الحقيقية للفاعلين المحليين: كل هذه العوامل تحصر دور المعلم في هامش العملية التربوية، فتضعف شعوره بالمسؤولية، وتحد من قدرته على الابتكار، وتقلل من إحساسه بالانتماء للمشروع التربوي الوطني.
5. التلميذ بين عالمين: مدرسة متكلسة ومجتمع سائل
جيل اليوم يعيش في ما يسميه باومان (Bauman, 2000) الحداثة السائلة: عالم متغير، قيمه متقلبة، وأفقه متفكك. المدرسة، في المقابل، متكلسة، تعتمد برامج جامدة ومنهجيات تقليدية لا تواكب التحولات المجتمعية:
فجوة الزمنين: المدرسة تتحرك بسرعة سنة، والمجتمع يتحرك بسرعة ثانية. التلميذ يقف على جزيرتين متباعدتين، يحاول أن يتنقل بين عالم جامد وعالم متغير باستمرار.
لامعيارية تربوية: غياب القيم المشتركة، غياب سردية تربوية موحدة، وانعدام الإيقاع الذي يربط التعلم بالواقع اليومي، مما يولّد شعورًا بالارتباك والانفصال لدى التلميذ.
انعكاس الأزمة على الذاتية: التلميذ ينشأ في بيئة تربوية مجزأة، لا يستطيع بناء هويته المعرفية والاجتماعية إلا بصعوبة، ويصبح التعلم هدفًا شكليًا أكثر من كونه تجربة حياة.
6. تكلس المنهاج: بنية معرفية خارج الزمن
المنهاج التونسي يعتمد غالبًا على تراكم المعلومات بدل التجديد الفلسفي أو البيداغوجي. كل عشر سنوات يُضاف فصل جديد أو وحدة تعليمية دون مراجعة الهيكل العام أو الروح التعليمية:
استيراد وتجديد فرنسي: المنهاج يُعاد نسجه من فرنسا، كما في برنامج PARLE، وفق نسق “curriculum” حديث، لكنه غالبًا يفتقد لمراعاة الخصوصيات الثقافية والاجتماعية المحلية (Expertise France, 2024).
نتائج التراكم: المعرفة تتضخم بلا معنى، يزداد الانفصال بين المدرسة والحياة اليومية، ويضعف التصور الأنثروبولوجي للمتعلم.
غياب السؤال المركزي: أي إنسان نريد؟ أي هوية تعليمية نبني؟ المنهاج، بهذه الطريقة، لا يجيب عن هذا السؤال، ويبقى وسيلة لإعادة إنتاج البرامج الخارجية أكثر من كونه مشروعًا وطنيًا يعكس الواقع المحلي.
7. إصلاح محاصر بالصراع النقابي والسياسي: بين الزمن القصير والهيمنة المؤسساتية
إصلاح التعليم في تونس لا يحدث في فراغ؛ بل يتفاعل مع المنظومة السياسية والاجتماعية التي تحيط به. الزمن السياسي القصير، وضغط الانتخابات، وتعقيدات النقابات، كلها عوامل تجعل الإصلاح رهينة مصالح متعددة تتقاطع أحيانًا وتتعارض أحيانًا أخرى.
أ. الزمن السياسي القصير:
الوزارات تتغير بسرعة، والمشاريع الإصلاحية تحتاج سنوات لتترسخ، بينما الحكومات غالبًا ما تهتم بالنتائج السريعة التي يمكن عرضها إعلاميًا قبل الانتخابات. هذا التناقض بين زمن الإصلاح طويل المدى وزمن السياسة القصير المدى يؤدي إلى تبني إصلاحات سطحية أو مشاريع إدارية فقط، دون قدرة على التغيير البنيوي العميق.
ب. تعقيدات النقابات التعليمية:
النقابات في تونس تلعب دورًا مزدوجًا:
حماية حقوق المعلمين: وهي وظيفة أساسية ومبررة، لكن في أحيان كثيرة تصبح أداة للتفاوض السياسي أكثر من كونها شريكًا استراتيجيًا في الإصلاح.
الضغط على الحكومة: تؤخر النقابات تطبيق بعض الإصلاحات أو تعرقلها، خاصة إذا اعتبرت أنها تقلل من مكان المعلم أو تفرض أعباء إضافية.
نتيجة هذا الوضع: الإصلاحات غالبًا ما تُصبغ بصبغة تسوية سياسية أكثر منها بُنية استراتيجية تهدف إلى تحسين العملية التعليمية بشكل فعلي.
ج. الحسابات الانتخابية والسياسات القصيرة المدى:
الحكومات تبحث عن حلول تظهر نتائجها سريعًا لتكتسب دعم الرأي العام، فتختار مشاريع تقنية سهلة القياس أو إحصاءات جيدة، بدل المشاريع التي تحتاج إلى جهد ثقافي وبيداغوجي طويل. هذا يولّد نموذج “إصلاح دون مسؤولية” (Reform without responsibility): مشاريع تُطلق، تُعلن، وتختفي دون متابعة حقيقية، دون موارد كافية، ودون قدرة على التنفيذ الفعلي.
د. التفاعل مع التمويل الدولي:
الإصلاح المحاصر بالصراع السياسي والنقابي يصبح أكثر هشاشة حين يتقاطع مع التمويلات الدولية:
المشاريع الدولية غالبًا ما تأتي بشروط تقنية صارمة، مع جدول زمني محدد، دون مراعاة مرونة النقابات أو الضغوط السياسية المحلية.
هذا يخلق توترًا مزدوجًا: الحكومة مضطرة لتطبيق المشاريع الخارجية، والنقابات تمنع أي تعديل قد يقلل من مكتسبات المعلمين، فتصبح المدرسة ساحة لصراع بين إرادة التغيير وإرادة الصمود النقابي والسياسي.
خلاصة التحليل:
العنصر السياسي والنقابي ليس مجرد عقبة جانبية؛ بل هو جزء من تركيب الأزمة التعليمية: كل إصلاح يُطرح يخضع لموازين القوى السياسية والنقابية، ما يحول المدرسة من مشروع تربوي وطني إلى ساحة تفاوض سياسي مستمر. النتيجة أن أي خطة إصلاحية عاجلة غالبًا ما تتفكك، وتبقى المدرسة معلقة بين وعود الإصلاح ومتطلبات السلطة السياسية والنقابية، دون أن تتحقق أي تغييرات جوهرية.
8. المدرسة مرآة المجتمع: الأزمة المتشظية
كما يقول موران (Morin، La Méthode)، المدرسة لا تستطيع إصلاح ما لم يُصلحه المجتمع. والمجتمع التونسي اليوم يعيش:
- هشاشة منظومة القيم.
- تراجع الثقة العامة.
- لامعيارية اجتماعية.
بحثًا عن سرديات بديلة بعد سقوط السرديات الكبرى للحداثة.
الإصلاح يفشل لأننا نطلب من المدرسة معالجة أزمة مجتمع كامل. وهو حمل يفوق طاقتها، خاصة حين يكون جزء من الإصلاح موجهًا من مؤسسات دولية وفق أجندات قد لا تعكس خصوصية المجتمع التونسي، كما هو الحال في برنامج PARLE، الذي يجعل تونس في عيون فرنسا امتدادًا استعماريًا للمعايير التربوية الفرنسية (Expertise France, 2024).
خاتمة: تونس بين التبعية المأبدة والهوية التربوية المسحوقة
السؤال لم يعد: هل لدينا وثيقة إصلاح؟ بل: هل لدينا مجتمع قادر على حمل الإصلاح، أم أننا نعيد إنتاج نموذج تربوي يُفرض علينا من الخارج؟
برنامج PARLE الفرنسي، وبرامج التمويل الدولي الأخرى، تظهر تونس في عيون العالم كما لو كانت امتدادًا مستعمريًا: قاعدة لتطبيق المعايير الفرنسية، وميدانًا لإعادة إنتاج تجربة خارجية لا تتماهى مع خصوصية الواقع الاجتماعي والثقافي المحلي (Expertise France, 2024). الإصلاح هنا ليس مشروعًا وطنيًا، بل أداء تقني يفرضه الخارج على الداخل، ويترك المدرسة معلقة بين إرادة التغيير وقيود التبعية.
تونس ليست مجتمعًا ميتًا، لكنها مجتمع يُصارع من أجل سردية جديدة: سردية تُبنى من الأسفل، من المعلم، من التلميذ، ومن الحياة اليومية، لا من فوق وفق جدول أعمال دولي.
في هذا المشهد، يصبح السؤال الأخير الذي يربك كل الخطط والحسابات:
هل نملك القدرة الجماعية على ابتكار سردية تربوية جديدة، أم سيواصل الإصلاح المرور من هنا… دون أن يقيم؟
المراجع:
1. Bourdieu, Pierre. La Misère du monde. 1993.
2. Durkheim, mile. L’ducation morale. Presses Universitaires de France.
3. Dewey, John. Experience and Education. 1938.
4. Goffman, Erving. The Presentation of Self in Everyday Life. 1956.
5. Morin, Edgar. La Méthode. Seuil.
6. Bauman, Zygmunt. Liquid Modernity. Polity Press.
7. Castells, Manuel. The Rise of the Network Society. Blackwell.
8. Hargreaves, Andy. Changing Teachers, Changing Times.
9. Apple, Michael. Ideology and Curriculum.
10. Sraïeb, Noureddine. “L’idéologie de l’école en Tunisie coloniale (18811945)”. Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée, 6869, 1993.
11. France ducation International. Tunisie – Système éducatif en bref. 2025.
12. La Presse de Tunisie. “Enseignement scolaire : un système déclassé et contreproductif”. 10 Octobre 2023.
13. Oxford Business Group. “Tunisia's education sector to be overhauled”. 2017.
14. Expertise France. PARLE – Projet d’appui au Renforcement des compétences Linguistiques des lèves tunisiens. 2024.
الإصلاح التربوي مرّ من هنا: قراءة ممتدة في المشهدية التونسية
2025-11-08
584 قراءة
مقالات بحوث
سمير سعدولي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال