بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

المهندسون: عقولٌ وآمال‏

2008-04-08 10535 قراءة مقالات فكر أحمد بن عبد المحسن العساف
المهندسون: عقولٌ وآمال‏
طلبَ مني أحدُ المشرفين على موقع طلاب كليةِ الهندسة في جامعة الملك عبد العزيز بجدة أنْ ‏أكتبَ لهم مقالةً خاصة ؛ وقد رأيتُ الكتابة عن المهندسين قديماً وحديثاً لأنها مقالة موجهة إليهم ‏بالدرجة الأولى ؛ معتذراً عن تأخري في إجابة مطلوبهم . ‏

والهندسةُ مهنةٌ شريفةٌ رفيعة؛ أربابها أهلُ عقلٍ وحكمة؛ وقد عُرفوا منذ القدم بتقدمهم في ‏العقليات والمنطق والحساب والطب والنجوم والموسيقى بالإضافة إلى براعة بعضهم في اللغة والفقه ‏والحديث. وفي زماننا بز المهندسون غيرهم في الإدارة والتدريب وعلوم المال والأعمال؛ حتى أن عدداً ‏من المهندسين يديرون بعض المصارف والأسواق المالية وكذلك كبريات الشركات ومؤسسات التنمية ‏البشرية؛ والمكثرون من المشاركة بالبرامج التدريبية يشهدون بتميز المهندسين في التدريب. ‏

وبلغَ من تغلغل المهندسين في مناحي الحياة أن تساءل أحدُ الكتاب الليبراليين عن سبب ‏وجود المهندسين على رأس بعض الجماعات الإسلامية مثل حكمتيار وأربكان وحشاني وعياش ‏وغيرهم ؛ وهذه شهادةٌ غير مجروحة على انتشار التدين والتقى في أوساط المهندسين . ولأمريكا ‏الصليبية الإرهابية في حربها ضد المسلمين حساسيةٌ من المتعلمين ؛ وحين يكون المتعلم مهندساً تزداد ‏هذه النفرة لكنها تبلغ ذروتها مع المهندس المسلم الذي تبدو عليه سيما التدين كما وقع مع مهندس ‏الأجهزة الطبية عصام المهندس ومع مهندس الحاسب الآلي الدكتور سامي الحصين .‏

وقد ألَّف العلامة أحمد تيمور باشا كتاباً بعنوان " أعلام المهندسين في الإسلام " صدرت ‏طبعته الأولى عام 1422 عن دار الآفاق العربية تحت رعاية لجنة المؤلفات التيمورية ؛ وذكر في ثنايا ‏كتابه تراجمَ عددٍ من المهندسين إضافةً إلى بعض المصطلحات الهندسية ونبذة عن التصوير والنقش ‏عند العرب ؛ ومما لاحظته في التراجم المذكورة طول عمر المهندسين وتعمقهم في علوم أخرى وأن ‏الأندلس كانت بلد الكثير منهم وكأن الطبيعة الجميلة تزيد من اللياقة الذهنية والبراعة العقلية التي ‏يحتاجها علمُ الهندسة ، ولم يترجم في كتابه لأي مهندسةٍ ولو أنه عثرَ في بحثه المتعمق على امرأة بارعةٍ ‏هندسياً لما تواني في ذكرها رحمه الله رحمةً واسعة . ‏

‏ وللمهندسين المسلمين في ذمة التاريخ شهادةُ حقٍ حيث حفظتْ لنا التواريخُ الكثيرَ الطيب ‏من وصفِ القصور والصروح وما فيها من إحكامٍ وتشييد وتنميق.كما حفظت لنا طائفةً صالحة من ‏أعمالهم كشقِ الأنهار وعقد القناطر وإجراء الماء واتخاذ المصانع العجيبة ، وقد نقل المقريزي في خططه ‏أن مساكن الفسطاط كانت على خمس طبقاتٍ وستٍ وسبع .ولما شرعَ المنصورُ في بناء بغدادَ قسَّمها ‏إلى أربعةِ أرباع وجعل على كل ربعٍ مهندساً وضم إليه اثنين من رجاله للإشراف. وأجادَ المهندسون ‏في حفرِ عين زبيدة خدمةً للحجاج والمشاعر المقدسة وآثارُها الباقية خيرُ برهان .‏

وكان المجتمعُ الإسلامي يفتخرُ بالمهن والحرف والصنائع وبأهلها خلافاً للوضع في هذه ‏الأزمنة ؛ وذكر العلامة البشير الإبراهيمي أنه اطلع في مكتبة آل القاسمي في دمشق على مخطوط حافل ‏مارأت عينه مثله في موضوعه وهو كتاب " بدائع الغرف في الصنائع والحرف " للشيخ محمد سعيد ‏الحلاق أرَّخ فيه لصناعات دمشقَ الجليلة التي أخنى الزمان على أكثرها وجلا فيه صفحاتٍ من مجدها ‏الصناعي البائد . ( آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي جمع نجله أحمد طالب الإبراهيمي الجزء ‏الثالث صفحة 566 نشر دار الغرب الإسلامي-الطبعة الأولى 1997 ) . وجمع الأستاذ عبد ‏الباسط الغريب عدداً من العلماء الذين نُسبوا لحرفٍ امتهنوها أو كانت لآبائهم وجلها حرف هندسية ‏وصناعية وذلك في كتابه "الطرفة فيمن نسب من العلماء إلى مهنة أو حرفة " نشر دار الراوي- ‏الطبعة الأولى 1421. وعقد السخاوي فصلاً في " الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ " خصه بأنواع ‏ما أُلِّف في أخبار الناس وطبقات الفنيين وغيرهم وسردَ منها أربعين نوعاً . وكان لفظ " المعلم " لقب ‏تكريمٍ لكبارِ ذوي الفنون ثم أخذ يتراجعُ بتراجع الفنون في الشرق حتى آلَ إلى ما هو عليه اليوم. ومن ‏الطبيعي أن يكون الفنيون في أي مجتمعٍ أكثرَ من المهندسين وآملُ ألا يكونَ الواقعُ خلافَ ذلك ؛ ‏علماً أن للفني قيمةٌ سوقية عظيمة في بعض بلدان آسيا الصناعية لأن المصانع تقوم على جهودهم . ‏وقد أورد تيمور باشا عن بعض مُتَرْجَمِيه أنَّ منهم مَنْ توصلَ لفنه بالتمرن لا عن علم درسه وفي هذا ‏تأكيدٌ على ضرورة ومزية الممارسة اليدوية فليستْ الشهادةُ كلَّ شيء . ‏

والهندسةُ علمٌ توارثته بعض العوائل ؛ فكم من مهندسٍ ابنِ مهندس ، ففي ترجمة موسى بن ‏شاكر أنه كان بارعاً في الهندسة لكنه تفرغ لعلم النجوم فكان بنوه : محمد وأحمد والحسن أبصرَ ‏الناس بالهندسة والحيل " الميكانيكا " . ومن العوائل الهندسية بنو أبي الرداد الذين يعرفون الآن في مصر ‏ببني الصواف وقد تولوا بعض المهام الهندسية منذ زمن المتوكل العباسي وظل فيهم قروناً متطاولة كما ‏ذكر تيمور باشا . وكما أنه علمٌ متوارث فهو لقبٌ متوارث لعددٍ من العوائل الكريمة في بلدان ‏المسلمين كالسعودية ومصر والأردن . ‏

‏ ولأوائلنا ولعٌ بترجمة كتب الفنون والعلوم التي تنفع المجتمعات الإسلامية؛ فكتاب " إقليدس ‏‏" في الهندسة ترجمه ثلاثةٌ من أشهر العلماء بثلاثِ ترجماتٍ مختلفة واختصره عالمان وألَّف على نسقه ‏عددٌ من العلماء . ( الموسوعة العربية العالمية الجزء السادس عشر صفحة 539.الطبعة الثانية- ‏نشر مؤسسة أعمال الموسوعة 1419) . بينما تراجعت حركةُ الترجمة في العصور المتأخرة وتغير ‏اتجاهها ولهذا الموضوع المهم مكانٌ آخر يُبسط فيه . ‏

وللمهندسين في زماننا جمعياتٌ ومنتديات ؛ ونحن ننتظرُ منهم أن تكون هذه الجمعياتُ ‏والمنتدياتُ مناراتٍ لخدمة الإسلام والمسلمين بل والإنسانيةِ جمعاء ؛ ونعجبُ من تهاون بعض خيار ‏المهندسين في تولي زمام الأمور لهذه الدوائر التي قد يُستغل بعضها لنشر ما لا يرضاه المسلم العامي ‏فضلاً عن المهندس العاقل المثقف لأن ثمةَ جهاتٍ ترعى إشاعةَ السوء بكل طريق ماوسعهم الجهد ‏وأمكنتهم الحيلة ؛ علماً أن رسائل إخوان الصفا الباطنية دخلت للأندلس بواسطة مهندس يُدعى ‏الكرماني .‏

ومن أخبار المهندسين الطريفة أن أبا علي المهندس المصري قد عشق فقال شعراً تلوح عليه ‏الهندسة:‏
تقسم قلبي في محبة معشـر**********بكل فتى منهم هواي منوط
كأني فؤادي مركز وهم له ********** محيط وأهوائي لديه خطوط

ولما تغلب الروم على مرسيه أكرمَ ملكهم الرقوطيَ المهندس وبنى له مدرسةً فكان يُقرئُ بها المسلمين ‏والنصارى واليهود جميعَ ما يرغبون مما يتقنه من الفنون القديمة بألسنتهم . وهذا من ذكاء هذا المحتل ‏في الاستفادة العلمية خلافاً لما يفعله ائتلاف الاحتلال الصهيوني الصفوي للعراق الحبيب حيث قتلوا ‏عدداً من علمائه وأساتيذه ؛ والمشتكى لله القاهر وحده . ‏

وفي ترجمة الحسن بن الهيثم أنه وعد بعملٍ في النيل لم يُسبق إليه ينتفعُ منه الناسُ ومصر ‏فاستقدمه الأميرُ العبيدي الباطني الحاكم بأمره فلما وقفَ ابنُ الهيثم على النيل ورأى آثارَ مَنْ سبقَه مِن ‏المهندسين تأكد من استحالة تحقيق وعده فأعتذر من الحاكم الذي أظهر قبول العذر وأضمر الشرَ ‏لابن الهيثم ووكلَ إليه بعض الدوواين فقبلها ابن الهيثم مضطراً ثم أظهر الجنونَ والخبل ولزمَ بيته حتى ‏تيقن من وفاة الحاكم فخرج من داره وأظهر العقلَ واشتغل بالتصنيف . وقد قررت جامعة فؤاد ‏الأول عام 1939 ( جامعة القاهرة الآن ) تخليد اسمه بإنشاء محاضرات ابن الهيثم التذكارية لتُلقى ‏بكلية الهندسة فيها . ‏

‏ ‏ وبلغ بعض المهندسين منزلةً رفيعة حتى تولى أحدهم الوزارة لبعض أمراء الأندلس؛ وصاهر ‏بعض الحكام أحد المهندسين وحضر جنازته وصلى عليه، ولُقِّبَ بعضهم ب " مهندس الحرم ". ‏والهندسة من أكثر المهن في مجالس وزراء عدد من البلدان العربية؛ ومع ذلك فليس للمهندسين سُلَّمٌ ‏وظيفي مميز كما لغيرهم من الوظائف والمهن. ‏

وتشرئبُ أعناقُ المجتمع الإسلامي لأبنائه من المهندسين ليقودوا نهضةً تقنية تسهم في رفع ‏الصفة الاستهلاكية عن المسلمين وتعزز من الاستقلالية الذاتية للأقطار الإسلامية ؛ ويورد لنا العلامة ‏محمود محمد شاكر خبرَ الجبرتي الكبير :حسن بن إبراهيم الجبرتي العقيلي ( 1110-1188 ) الذي ‏كان فقيهاً حنفياً كبيراً نابهاً عالماً باللغة والكلام وتصدر للإمامة والإفتاء وهو في الرابعة والثلاثين من ‏عمره ، ولكنه في سنة 1144 ولى وجهه شطر " العلوم " التي كانت تراثاً مستغلقاً على أهل زمانه ‏فجمع كتبها من كل مكان وحرص على لقاء مَنْ يعلمُ سرَ ألفاظها ورموزها وقضى في ذلك عشر ‏سنوات حتى ملك ناصية الرموز كلها في الهندسة والكيمياء والفلك والصنائع الحضارية كلها حتى ‏النجارة والخراطة والحدادة والسمكرة والتجليد والنقش والموازين ، وصار بيته زاخراً بكل أداةٍ في ‏صناعة وكل آلة وصار إماماً عالماً في أكثر الصناعات ولجأ إليه مهرة الصناع يستفيدون من علمه ‏ومارس كلَّ ذلك بنفسه وعلَّم وأفاد حتى علَّم خدمَ بيته ؛ وروى ابنه المؤرخ أن طلاباً من الإفرنج ‏حضروا إليه عام 1159 وقرؤوا عليه علم الهندسة ؛ وأشار أبو فهرٍ رحمه الله إلى أنَّ طلاب الجبرتي ‏اختفوا بعد احتلال نابليون مصر كما اختفى كثيرٌ من الكتب ؛ ويرجح أن المحتلين قد أغروا بطلاب ‏الجبرتي الكبير بعض سفهاء المجرمين لقتلهم . ( بتصرف من كتاب المتنبي – محمود محمد شاكر ‏صفحة 82-83 . مطبعة المدني 1407 ) .‏

ومما لايفوت التنبيه إليه ماذكره الشيخ بكر أبو زيد في كتابه معجم المناهي اللفظية : " ‏إطلاق مهندس الكون على الله سبحانه لفظة مبتدعة من إطلاقات الماسونية كما نصوا على ذلك في ‏كتبهم ، إضافة إلى أن لفظ " مهندس" وأصله " مهندز " ليس من فصيح كلام العرب " انتهى ‏مختصراً من (معجم المناهي اللفظية للشيخ بكر أبو زيد ، الطبعة الثالثة 1417 صفحة 445 دار ‏العاصمة). ويقول أحمد تيمور باشا : ليس في كلام العرب زاي بعد دال ولذا صير العرب زاي " ‏مهندز " سيناً . وليت المشتغلين بالتعريب والترجمة يستصحبون هدا الأنموذج حفاظاً على سَنَن اللغة ‏العربية ونظامها .‏

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال