بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

المبادئُ الثابتةُ أمْ الرموزُ القابلةُ للتحول ؟‏

2008-03-25 9852 قراءة مقالات فكر أحمد بن عبد المحسن العساف
المبادئُ الثابتةُ أمْ الرموزُ القابلةُ للتحول ؟‏
في السادسِ والعشرينَ منْ شهرِ رجبٍ عامَ 1342 ( الموافق 3 من مارس 1924 ميلادية) ‏قُدِّمتْ ثلاثةُ قراراتٍ على صيغةِ مقترحاتٍ مُذَّيلةً بتوقيعِ خمسينَ نائباً إلى المجلسِ الوطني في تركيا؛ ‏وهيَ قرارُ إلغاءِ الخلافةِ الإسلاميةِ وقرارُ إلغاءِ وزارةِ الأوقافِ والأمورِ الشرعيةِ وقرارُ إغلاقِ ‏المدارسِ الشرعيةِ ومنعِ التدريسِ الديني. وقدْ وقَّعَ بالموافقةِ على قرارِ إلغاءِ وزارةِ الأوقافِ شيخُ ‏الإسلامِ موسى كاظم أفندي وكانَ حينَها وزيراً للأوقافِ والشيخُ عبدُ اللهِ عزمي وهو وزيرٌ سابقٌ ‏للأوقافِ والشيخُ خالد خلقي أفندي منْ مشاهيرِ علماءِ سعرد (1). ‏

وفي ذاتِ اليومِ ألقى البروفيسور سيِّد بك عميدُ كليةِ الشريعةِ وأستاذُ الفقهِ الإسلامي ‏ووزيرُ العدلِ وكانَ إذْ ذاكَ مُعَمَّماً ويُحسبُ على المشايخِ لأنَّ لهُ أصولاً علميةً شرعيةً – ألقى – ‏خطاباً في مجلسِ النُّوابِ استمرَ ثلاثَ ساعاتٍ ونصفَ الساعةِ عنْ الإسلامِ والدِّينِ وتاريخِ الخلافةِ، ‏وقدْ كانَ هذا الخطابُ عاملاً حاسماً في إلغاءِ الخلافةِ الإسلاميةِ؛ وقدْ قُوطعَ خطابهُ كثيراً بالتصفيقِ ‏منْ بعضِ النُّواب. ونظراً لأنَّ سيِّد بك نفَّذَ أكثرَ ممَّا طُلبَ منهُ لإلغاءِ الخلافةِ فقدْ لقَّبهُ الصحفيونَ ‏بعدَّةِ ألقابٍ منها: الوطنيُ الكبير، ¬رجلُ الدِّينِ الواعي، الرجلُ الفاضل؛ وغيرها منْ الألقاب (2)، ‏ولاغرو فسيِّد بك هذا كانَ صديقاً حميماً لمصطفى كمال أتاتورك!.‏

وقدْ وردَ في القرآنِ العزيزِ ذكرُ قصةِ عالمِ بني إسرائيلَ الذي انسلخَ منْ آياتِ اللهِ بعدَ أنْ ‏كانَ عالماً بها فلمْ ينفعْه علمُه ولمْ يكنْ "منصبه" العلمي مانعاً منْ فضحِ ضلالتهِ وبيانِ خطلهِ ‏وانغماسهِ في الدنيا (3). وفي الحديثِ الشريفِ مواقفٌ نبويةٌ صريحةٌ حكيمةٌ كما في قولهِ- عليه ‏الصلاةُ والسلام-: "اللهمَّ إنِّي‎ ‎أبرأُ‎ ‎إليكَ‎ ‎ممَّا‎ ‎صنعَ‎ ‎خالدُ‎ ‎بنُ الوليد" (4)؛ وكذلكَ قولُه لأبي ذرٍ ‏رضيَ اللهُ عنه: "إنَّك‎ ‎امرؤٌ‎ ‎فيكَ‎ ‎جاهلية" (5).‏

لقدْ كانَ منْ الأمورِ التي تعارفَ عليها المسلمونَ أنَّ الحقَّ لا يُعرفُ بالرجال؛ فالحقُّ هو ما ‏وافقَ الكتابَ والسنَّةَ ولوْ خالفَه أيُّ أحد؛ ومخالفةُ الوحيينِ الشريفينِ باطلٌ وإنْ قالَ بهِ مَنْ قال، ‏وعلى مثلِ هذهِ القواعدِ المُحكمةِ تربَّى المسلمونَ وتجاذبَ العلماءُ أطرافَ المسائلِ وأنكروا على ‏مَنْ رأوهُ قدْ حادَ عنْ سبيلِ الحقِّ بردودٍ علميةٍ يغلُبُ عليها السمتُ الإسلامي والأدبُ العلمي ‏وتراثُ الأمَّةِ المحفوظُ يجلِّي هذه الحقائقَ ويوضحُها.‏

‏ ‏ وكانَ منْ عقابيلِ ذهابِ العلمِ واندراسِ رسمه ضياعُ المنهجِ العلمي وغيابُ طرائقِ التفكيرِ ‏السليمِ إلاَّ ما رحمَ الله؛ فصارَ للمسمياتِ وهجٌ تعشو عندَها الأبصارُ ولا تتأملها البصائر، وأصبحَ ‏بعضُ المسلمين مشدودٌ إلى الألقابِ مشدوهٌ بالمناصبِ مأسورٌ للأشكالِ غيرَ ناظرٍ إلى الحقائقِ ولا ‏معتبرٍ لسلطانِ الحقِّ فطاشتْ كفةُ الميزانِ للمظهرِ على حسابِ الجوهرِ؛ وانطمستْ معالمُ الرَّشادِ أوْ ‏كادتْ بسببِ العَمَهِ دونَ العمى. ‏

إنَّ منصبَ "المفتي" ليسَ شيئاً يُذكرُ إذا تبوأهُ إنسانٌ مفتونٌ بالهوى ورضا الملأِ أوْ ‏الجماهير؛ ووظيفةَ "شيخ الجامع" لا قيمةَ لها إذا لمْ يرَ شاغلُها أنَّ منْ واجبهِ الدِّفاعَ عنْ جنابِ النَّبي ‏‏-صلى الله عليه وسلم- ضدَّ شانيئه (6)؛ بينما لا يجدُ هذا الموظفُ حَرَجَاً في إصدارِ "فتوى" ‏بجلدِ الصحفيينَ الذينَ تحدَّثوا عنْ مرضِ الرئيس!. وأعجبُ منه أنْ يكونَ موقفُ الفاتيكان منْ ‏مؤتمراتِ السكانِ والمرأةِ أفضلُ منْ موقفِ هذا الموظف. ومثلُ هذا يُقالُ عنْ كلِّ وظيفةٍ ذاتِ ‏صبغةٍ شرعيةٍ كالإمامةِ والخطابةِ والقضاءِ والتدريس، فمَنْ تولَّى أمرَ واحدةٍ منها يكونُ مجرَّدَ ‏‏"موظف" إذا خالفَ مُقتضى الولايةِ الشرعيةِ منْ البيانِ والنُّصحِ والقيامِ للهِ أمراً ونهياً وإصلاحاً، ‏ومثله في حقِّ الجهاتِ فلا مرجعيةَ لما حادَ منها عن السبيلِ القويمِ والصراطِ المستقيم أيَّاً كانتْ ‏منزلتها (7). ‏

وممَّا ابتُليتْ بهِ بعضُ المجتمعاتِ الإسلاميةِ مسألةُ "وراثة العلم" وقصرُ المناصبِ الشرعيةِ ‏على عوائلَ لا تعدوها ولوْ كانَ في النَّاسِ مَنْ هو خيرٌ منهم علماً وصدقاً وأمانة، وهذا منْ أبرزِ ‏أوجهِ الفتنةِ بالرموزِ وإغفالِ المبادئ والحقائق؛ وتعظمُ البليةُ حين تطغى المناصبُ على هؤلاء ‏‏"الورثة" فيكونَ الواحدُ منهم وزيراً أكثرَ منه عالماً وسياسياً أكثرَ منه ربَّانيا؛ والليالي مثقلاتٌ بكلِّ ‏عجيبة. كما أنَّ بعضَ الصفاتِ الخَلقية قدْ تكونُ "مخدِّراً" دونَ الاحتسابِ والإنكار، وفيما مضى ‏منْ سنونٍ تتابعَ الإنكارُ على وزيرٍ بسببِ بعضِ مواقفِه فلمَّا استُبدلَ بغيرهِ سكتتْ الأصواتُ عنْ ‏الوزيرِ الجديدِ معْ أنَّه قدْ تقَّحمَّ ما لمْ يجرؤ عليه سابقه. وكمْ في أصحابِ المظاهرِ الخدَّاعةِ من المكرِ ‏والسوءِ الكفيلانِ بتحويلِ رابطةِ العملِ المباركِ إلى رابضةٍ عن كلِّ مكرمةٍ وفضل.‏

وحتى تعلو المبادئُ الثابتةُ على الرموزِ التي قدْ تتعرضُ للتغيرِ والتحولِ فلا بدَّ منْ تعليمِ ‏النَّاسِ والرقي بفكرِ المجتمعِ لتمحيصِ الصوابِ منْ الخطأ؛ عبرَ أمورٍ منها:‏
‏1.‏ ربطُ كلِّ فتوىً بالنصوصِ الشرعيةِ منْ الكتابِ والسنَّة.‏
‏2.‏ الاعتدالُ في الحديثِ عنْ سيرِ الماضين والمعاصرين، فكلٌّ يُؤخذُ منْ قولهِ ويُرد- خلا ‏رسولَ اللهِ عليهِ الصلاةُ والسلام- وكلُّ حيٍ لا تُؤمنُ عليهِ الفتنةُ – نسألُ اللهََ الثباتَ ‏والعفو-.‏
‏3.‏ القيامُ بواجبِ البيانِ عندَ كلِّ نازلة.‏
‏4.‏ الاحتسابُ على كلِّ رأيٍ لا تسعُه دائرةُ الاجتهادِ الشرعي أوْ يُعارضُ المصالحَ الشرعية.‏
‏5.‏ تكوينُ رابطةٍ لعلماءِ المسلمينَ في كلِّ بلدٍ لتَصدُرَ عنها الفتاوى بمنأىً عنْ التدخلاتِ ‏الرسمية، وليتَ هذه الروابطُ المحليةُ أنْ تجتمعَ في اتحادٍ عالميٍ لعلماءِ الإسلام.‏
‏6.‏ التواصلُ معْ شاغلي المناصبِ الشرعيةِ باستمرارٍ، وإمدادُهم بالدراساتِ والبحوثِ ‏والإحصاءات.‏
‏7.‏ مناصحةُ حملةِ المناصبِ الشرعيةِ وتأييدِ صوابهم.‏
‏8.‏ بيانُ فسادِ آراءِ مَنْ أصرَّ على أقوالِه الشاذة.‏
‏9.‏ التحذيرُ ممَّنْ زادتْ مطاعنُه على فضائِله.‏
‏10.‏ تربيةُ النَّاسِ على ثقافةِ النقدِ الهادفِ في الأسرةِ والمدرسةِ والمجتمع.‏
‏11.‏ ترسيخُ مبدأ تقديمِ الحقِّ على الأشخاص؛ والمنهجِ على الرجال؛ والمشروعِ على الذوات.‏
‏12.‏ نزعُ القداسةِ عنْ الأشخاصِ والأقوالِ والمناصبِ والجهاتِ إذْ الجميعُ عرضةٌ للخطأ.‏
وعلى العلماءِ وشاغليِ المناصبِ الشرعيةِ واجباتٌ كبرى حتى لا يحيدوا عنْ المبادئ ‏فمنها:‏
‏1.‏ الدعاءُ بالثباتِ والسلامةِ منْ الفتنة.‏
‏2.‏ فتحُ قنواتِ التواصلِ معْ العلماءِ والمثقفين.‏
‏3.‏ إحاطةُ النفسِ بالأخيارِ منْ موظفينَ وخاصة.‏
‏4.‏ تعيين المناسبِ منْ الصالحين في المواضعِ المهمةِ التي تتبعهم.‏
‏5.‏ استدامةُ الاستشارةِ والاستخارة.‏
‏6.‏ الاستعفاءُ منْ المنصبِ إذا خافَ الإنسانُ على نفسه؛ وفي سيرةِ بعضِ آلِ الرافعي بمصرَ ‏أنَّه كانَ يخشى تولي منصبٍ شرعيٍ ويدعو اللهَ ألاَّ يُسَمَّى له؛ فلمَّا استدعاه ملكُ مصرَ ‏وأجبره على قبولِ المنصبِ خرجَ منْ عندَه وركبَ العربةَ فما نزلَ منها إلاَّ ميتاً.‏
ولا يعني كلُّ ما سبقَ الإساءةَ لعلمائِنا وكبرائِنا فلهم علينا واجبُ التبجيلِ والتوقير خاصةً ‏أنَّ منهم الثابتينَ المرابطين؛ بيدَ أنَّ هذا الواجبَ لا يتناقضُ معْ بيانِ الخطأ، كما أنَّ كثيراً ‏منه يزولُ عمَّنْ أسقطَ عنْ نفسهِ الصفةَ العلميةَ وباتتْ مواقفُه ورؤاه تُكأةً للمفسدين أيَّاً ‏كانَ هذا الإنسان: شيخاً "راقصاً" أوْ رجلاً ناقصاً.‏

----------------------
المراجع:
‏1- الصراع بين الإسلام والعلمانية ص 178 - تأليف حسن حسين جيلان - ترجمة كمال خوجه - الطبعة الأولى 1413 - دار القبلة ‏للثقافة الإسلامية.‏
‏2- نفس المرجع السابق ص 186 وما بعدها.‏
‏3- الآيتان الكريمتان 175 و 176 من سورة الأعراف.‏
‏4- رواه البخاري في الجامع الصحيح – رقم الحديث 7189 حسب موقع الدرر السنية.‏‎ www.dorar.net
‏5- رواه البخاري في الجامع الصحيح – رقم الحديث 6050 حسب موقع الدرر السنية.‏www.dorar.net
‏6- ذكر موقع المسلم بتاريخ 8 من صفر 1429 عن شيخ الجامع الأزهر أن مأخذه على رسوم الدنمركيين المسيئة للنبي - صلى ‏الله عليه وسلم - أنها كانت ضد شخص ميت ليس أكثر !!‏

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال