بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

شموخ العلماء الكبار

2008-03-21 11437 قراءة مقالات رأي د. محمد عمارة
شموخ العلماء الكبار
في تاريخنا العلمي والفكري كثيرا ما اقترن التألق العلمي بعزة النفس والشموخ والكبرياء المشروع. ‏
لقد كان الخديوي عباس حلمي الثاني (1291-1363هـ/1874-1944م) يقول عن الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبدة (1266-‏‏1323هـ/1849-1905م) (إنه يدخل علي كفرعون) وكان جمال الدين الأفغاني (1254-1314هـ/1838-1879م) يداعب ‏تلميذه محمد عبدة فيقول له: (قل لي ابن أي ملك من الملوك أنت) ؟!‏
ولقد ورث الشيخ محمد مصطفى المراغي (1298-1364هـ/1881-1945م) عن أستاذه محمد عبدة (مع العلم والاستنارة، ‏شموخ العلماء الكبار) ‏

لقد قامت الثورة المصرية الكبرى عام 1919 والشيخ المراغي يعمل قاضيا بالسودان..وكانت السلطة الحقيقية في السودان ‏للاستعمار الإنجليزي –الذي قامت الثورة ضده في مصر- ورغم حساسية وظيفة القضاء إلا أن المراغي قاد الثورة الشعبية ‏في السودان ضد الإنجليز وأصدر مع الثوار الذين قادهم نشرة عنوانها "اكتتاب لمنكوبي الثورة بمصر" كانت بمثابة صوت ‏الثورة المصرية في السودان .. وطلب منه نائب الحاكم العام للسودان المستر(دن) إيقاف النشاط الثوري فرفض ‏المراغي..فلما قال له مستر (دن):‏
‏- إني أكلمك كرئيس! رد عليه الشيخ غاضبا: ‏
‏- كنت أفهم أنك تعلم واجبك .. إنه ليس لي رئيس هنا فإن الحاكم العام معين بأمر ملكي، وهو الحاكم السياسي، وأنا معين ‏بأمر ملكي من الخديوي، وأنا قاضي القضاة، ولا إشراف لأحد منا على الآخر.. ‏
ولما بلغت أخبار هذا الحوار إلى الحاكم العام الإنجليزي للسودان .. علق عليه بالقول: لقد قلت للإنجليز هنا وفي لندن: إن ‏الشيخ المراغي لا يمكن مناقشته، أو التغلب عليه ومن الصعب إقناعه إن الشيخ المراغي يعد من دهاة العالم !.. ‏
ولقد كتبت صحيفة (التايمز) البريطانية معلقة على نشاط المراغي في السودان، فقالت: أبعدوا هذا الرجل فإنه أخطر على ‏بلادنا من ويلات الحرب. ‏

ولقد مضى الشيخ المراغي في قيادة العمل الثوري بالسودان فقاد –وهو قاضي القضاة- مظاهرة كبيرة .. وأخذ يجمع ‏التوقيعات من المصريين والسودانيين تأييدا لزعامة سعد زغلول باشا (1273-1346هـ/1857-1927) للثورة وتوكيلا له ‏ولصحبه في المطالبة بالاستقلال. ‏

وتصاعد غضب الإنجليز على النشاط الثوري للمراغي .. فاقترح بعضهم سجنه .. وأقترح آخرون اعتقاله ونفيه.. لكن ‏الحاكم العام للسودان خشى غضبة الشعب السوداني فقرر منح المراغي إجازة عاجلة ومفتوحة .. فعاد إلى مصر عام 1919 ‏، ليواصل دعمه لثورة مصر من أجل الاستقلال. ‏
ومع هذا الشموخ في مواجهة الاستعمار والطغيان كان الشيخ المراغي نموذجا لتواضع كبار العلماء.. سئل عام 1941.. ‏وهو شيخ للأزهر من أحد الصحفيين: ما هي عيوبنا؟ .. فقال: إنها كثيرة ولكن، لماذا تسألني عن عيوب الناس؟. سلني عن ‏عيوبي أنا فإنني وأنا في هذه السن المتقدمة وفيما أنا عليه من ضعف الصحة أقبل عملا من الأعمال العامة وكان يجب أن ‏أتركه لشباب يستطيعون تحمل أعباءه أكثر مما أستطيع أنا .. وهذا عيب كثير ممن لا يتركون أماكنهم لمن هم أصلح منهم، ‏ولو أن كل واحد منا ترك مكانه لمن هو أجدر به لأصبحنا في خير عظيم. ‏
أما بقية عيوبي فإن الله يعرفها وأسأله تعالى أن يغفرها لي..!‏
هكذا اقترن الشموخ بالتواضع.. واقترنت العزة بنقد الذات في حياة هؤلاء العلماء الأعلام

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال